ما أغفله فرويد.. نحو نظرية في قتل الابن

 تكوين

من قتل الأب إلى قتل الابن

منذ أن صاغها “فرويد” في نظريته عن “التحليل النفسي”، احتلت أطروحة “قتل الأب” مكانًا مركزيًا في التحليل النفسي وفي الفلسفة. غير أني سأحاول في هذا الفصل اقتراح نظرية أخرى، معاكسة ربما لنظرية “فرويد” والتي عُرفِتْ ﺒ “عُقْدَة أوديب”. ستتمحور قراءتي إذن حول إشكالية “قتل الابن”، فبرأيي أن نظرية قتل الأب لابنه، ليست أقلَّ رمزيةٍ مما هي عليه نظرية قتل الابن لأبيه. سيعتمد طرحي المبدئي لهذه الفكرة/النظرية على قراءة مجموعة من النصوص الأسطورية والأدبية والدينية وتأويلها ولشخصياتها الرئيسة مثل: محاولة قتل “لايوس” و”جوكاست” ل”أوديب” في أوديب ملكًا، وعزم الملك “أغاممنون” على التضحية بابنته “إيفيجينيا” في “إيفيجينيا في أوليس” لـ “يوربيدس” أحد أشهر كُتَّاب الملحمة الإغريقية الكلاسيكية، ثم في قراءة ثيولوجية/فلسفية لقصة قبول النبي “إبراهيم” التضحية بابنه “إسحاق” (وفق التوراة، في حين تذهب بعض التفسيرات الإسلامية إلى أن موضوع الأضحية كان ولده الآخر “إسماعيل”) ثم في قصة صلب “المسيح” وذلك من ضمن أمثلة أُخرى.

قتل الابن المستحيل في الميثولوجيا الإغريقية

لنستحضر مرة أخرى ملحمة “ثيوغونيا” للشاعر “هزيود” ولنتذكر أنها لا تزخر فقط بالأمثلة التي تتناول -كما استعرضنا في فصل سابق- محاولات قتل الأب، وإنما تحفلُ كذلك بأمثلة مقابلة عن محاولة الآلهة الآباء قتل أبنائهم. وبمعنى آخر، لم يكن فقط الآلهة الابناء هم من سعوا في التخلص من آبائهم عقابًا وانتقامًا وصراعًا على السلطة والسيطرة، فالآلهة الآباء قد حاولت قبل ذلك التخلص من ذريتها مرارًا، خوفًا من منافستها على عروش السماء. لنتذكر مثلًا كيف أن “أورانوس”، كما نقرأ عند “هزيود”، وبمحاولته التخلص من تلك النبوءة التي حذرته من انقلاب ابنائه عليه كان “ما أن يولد أطفاله بالكاد حتى يخفيهم عن الضوء في أعماق الأرض…” وكيف أنه وعندما واجه ابنه الإله “كرونوس” نبوءة مُماثلة تتنبأ بانقلاب ابنائه على عرشه وسلطانه، قام بابتلاع أطفاله واحدًا تلو الآخر بعد كل ولادة.

لكن وبقدر ما كانت محاولات قتل الأب/الإله مستحيلة، بقدر ما تجلت استحالة قتل الابن/الإله فهو خَالِدٌ مثله، يستعصي على الفناء كما تروي لنا الميثولوجيا الإغريقية.

إخفاق قتل الابن في ملحمة أوديب ملكًا

إن التأويل الذي قدمه “فرويد” -والتأويلات اللاحقة كذلك- لمسرحية “أوديب ملكًا” لـ “سوفكليس” قد ركزت على عملية “قتل الأب” التي تتلخص في قتل “أوديب” لأبيه البيولوجي الملك “لايوس”. لم تنتبه تلك القراءات لإمكان تأويل آخرَ مُمكن، يتمثلُ في محاولة “قتل الابن”. وهي القراءة التي أريد اقتراحها على عجل هنا بتأويل مختلف لتلك الملحمة الإغريقية نفسها.

لنتذكر أن الملك “لايوس”، والد “أوديب” قد واجه بدوره نبوءة مرعبة تتنبأ بقتله على يد ابنه الذي سيتزوج بعد التخلص منه من أمه، “جوكاست” زوجة “لايوس”. ولنتذكر كيف حاول هذا الأخير، في سعيه لتجنب تلك اللعنة، التخلص من ابنه الوحيد بطريقة نهائيًّا. كنتُ قد أشرتُ إلى هذه النقطة في فصل سابق بعنوان “أوديب الذي لم يتخلص من أبيه بقتله“، لكن من المفيد أن نستحضر مجددًا كلمات “جوكاست” زوجة “لايوس” وأم “أوديب” حين اعترفت بالقول: “بعد ثلاثة أيام بالكاد من مولد الطفل، قَيَّدَ “لايوس” قدميه [قدمي أوديب] وأمر برميه من على جبل مهجور.“[1] ونحن نتذكر أيضًا كيف تواطأت “جوكاست” مع “لايوس” على قتل ابنهما الوحيد واتفقا على تسلميه لراعي القصر “لتركه ليموت [2]. لكن فشلت محاولة قتل الابن (إذ يقوم راعي القصر بإنقاذ الطفل بتسلميه لراعي مملكة أخرى) لم تكن، لأن “أوديب” خالد مثل آلهة الإغريق، بل لأن القدر محتوم، لا رادَّ له، فهو يتحقق في النهاية مهما وقفت في وجه العوائق، وكان القدر التراجيدي الذي كان لعنة على كل تلك العائلة يقضي ببقاء “أوديب” حيًا إلى أن يُنجز ما تحدثت عنه نبوءة العرافة.

بقصصها عن صراع الآلهة الآباء والابناء تكشف الأساطير الإغريقية عن تلك العلاقة المتوترة بين الآباء والابناء ورمزية مثل هذا الصراع الذي يكشف، كما سنتابع عن قوة رمزية يُمكن توظيفها، مثل: عقدة أوديب الفرويدية في “قتل الأب” في فهم وتفسير عديدٍ من الإشكاليات النفسية والاجتماعية والدينية والأدبية.

لكن وقبل مغادرة هذه الملحمة لـ “سوفوكليس”، لنلاحظ كيف أن “لايوس” عندما أراد التخلص من ابنه، لم يستطع القيام بذلك بنفسه، بل أوكلَ هذه المُهمة إلى شخص آخرَ، هو راعي القصر. قد تبدو هذه الملاحظة غير مُهمة أو هامشية، لكنها -في رأيي- مركزية جدًا. فنحن سنجد فيما بعد أن الأب –باستثناء محاولة إبراهيم قتل إسحاق (أو إسماعيل)– يعجز على ما يبدو عن قتل ابنه بيديه، فيكلف شخصًا آخرَ أو آخرين بهذه الجريمة البشعة، في الوقت الذي يتوارى فيه بعيدًا عن المشهد. هكذا كان الحال مع الملك “لايوس”، ولكن أيضًا مع “أغاممنون” الذي سيكلف الكاهن بالتضحية بابنته “إيفيجينيا”. بينما ستنسحب الآلهة التي كانت ترعى “سقراط” وتلتزم الصمت في أثناء محاكمته، وكذلك كان حال رب يسوع المسيح الذي تخلى عنه وهو مُعَلَّقٌ على الصليب، لصرخ هذا الأخير بخذلان من تم التخلي عنه: “أبي أبي لماذا تخليت عني؟”.

لكن أن يَعْهَدَ الأب بعملية قتل ابنه لشخص آخر أو أشخاص آخرين، هل يكفُّ بذلك عن أن يكون القاتل الحقيقي والسبب الأول وراء تلك الجريمة؟ أم أنه يصبح بهذا محض متواطئ، ويستحق بسبب ذلك حكمًا مخففًا؟ مرافعتان اثنتان تبدوان ممكنتان هنا: تؤكد الأولى تحميل المسؤولية كاملة للآلهة أو القدر بدلًا من اتهام الآباء بها وتحويلهم إلى ضحايا تتلاعب بهما السماء. ولهذه الحجة مشروعيتها، إذ إن قتل الأب لابنه ليس أمرًا بسيطًا، بل لعله أكثر صعوبة وألمًا من الانتحار نفسه، بخاصة إذا كان الطفل وحيد والديه وجاء بعد انتظار وتأمل وصبر طويل، فصار أغلى شيء في الوجود على أبويه كما هو حال “أوديب”، و”إسحاق”، و”إسماعيل” مثلًا. فمع أن قتل الابن قد يبدو للوهلة الأولى جريمة فظيعة نكراء، إلا أنه يحمل داخله سرًا توقيع الآلهة أو ختم السماء. فلم يكن كلٌّ من “لايوس” و”جوكاست” سوى أدوات للأمر الإلهي، وكانا مُسيرين بلعنة تتحكم بهما كدميتين. كلاهما حاول تجنب القدر الملعون بالتخلص من سببه وأداته، أي من ابنهما الوحيد “أوديب”. ولنتذكر أن اللعنة عند الإغريق هي غضب الآلهة. بهذا المعنى فإن قتل الابن هنا يُمكن فهمه بوصفه لا جريمةً فظيعة نكراء يقترفها الأبوين، وإنما بوصفه أضحيةً لإبطال غضب الآلهة واسترضائها كما هو الحال مع “إيفيجينيا” و”إسحاق” على سبيل المثال لا الحصر. لو نظرنا إلى القضية من هذه الزاوية لتعاطفنا مع الأب رغم أنه قاتل، فهو بقتله لابنه لم يرتكب جريمته عن قصدٍ وعن سابق إصرار وترصد، بل دفعَ غاليًا ثمن هذا الفعل من رُوحه ومن لحمه. لو لم يواجه “لايوس” و”جوكاست” ومن بعدهما “أغاممنون” و”إبراهيم” تلك النبوءة/اللعنة أو الأمر الإلهي، لما فكروا للحظة بالتخلص من فلذات أكبادهم، بل على العكس لكانوا عملوا كل ما في وسعهم، لحمايتهم ورعايتهم من كل أذى ممكن كما يمكن أن يفعل أي أب طبيعي مع ابنه.

ومع ذلك فثمة مقاربة أخرى تفرض نفسها على جريمة قتل الأب لابنه، إذ كان بإمكان الأب في كل الأمثلة المذكورة وقف عملية القتل تلك لابنه أغلى ما يملك في الدنيا. كان يمكن لـ “لايوس” و”جوكاست”، وكذلك كان بإمكان “أغاممنون” ورب المسيح وآلهة “سقراط”[3] أن يمنعوا قتل أبنائهم بكلمة واحدة فقط: لا، توقف، لا تفعل، لكنهم لم يتلفظوا بأي منها، بل انسحبوا بصمت من المشهد، فكانوا -في رأيي- شركاء، بل منفذي تلك الجريمة الأساسيين. كان بإمكان “لايوس” و”جوكاست” و”أغاممنون” و”إبراهيم” أن يتحدوا الأمر الإلهي وأن ينقذوا حياة أبنائهم، لكنهم لم يفعلوا.

لقد اختار “كيركيجارد” أن يدافع عن خيار “إبراهيم” بقبوله التضحية بابنه “إسحاق” ليكون نموذجًا للإيمان المطلق، لكن هناك قراءة أخرى ممكنة: تلك التي تميل إلى الدفاع عن الحياة الأرضية، عن المستقبل، والتحول، وحياة البشر لا عن قداسة الأمر الإلهي. وهذه القراءة هي قراءتي.

__________________________________________

 المراجع:

[1] Sophocle, Théâtre complète, Op.cit., p. 123.

[2] Ibid., p. 135.

[3] في كتاب دفاعًا عن سقراط، يفضي هذا الأخير لقضاته، بحسب رواية أفلاطون، عن حدث غريب يتمثّل في غياب “الصوت الإلهي” الذي كان معتادًا على سماعه قبل أني يمثل أمام المحكمة. يتحدث سقراط عن ذلك السر الغريب لهذا الغياب بالكلمات التالية: “لقد حصل لي شيء مذهل. في الواقع لم يتوقف الصوت الإلهي المألوف لي، وهو الصوت الذي توحي لي به الآلهة عن التجلي إلى اليوم ليمنعني حتى في قضايا بلا شأن يذكر، لأفعل ما لم يجب علي علي فعله. ولكن اليوم كما ترون بأنفسكم يقع لي ما يمكن اعتباره أعظم المصائب وما ينظر إليه كذلك. ومع ذلك فإن الإشارة الإلهية لم تمنعني لا هذا الصباح حين كنت أهم بالخروج من بيتي ولا في لحظة صعودي على المنبر لأمثل أمام المحكمة ولا أثناء مرافعتي من قول أي شيء. بينما كانت تمنعني من الكلام غالبًا في مناسبات أخرى في منتصف حديثي. واليوم، على العكس، هي لم تمنعني أبدًا أثناء سير القضية من فعل أو قول أي شيء.” انظر:

Platon, Apologie de Socrate, trad. Luc Brisson, Le Monde de la philosophie – Flammarion,1997, p. 457-458.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete