تكوين

توشك كلمةُ «الذكاء» أن تصير من أكثر الكلمات تداولًا في لغتنا اليومية. فلم نَعُد نكتفي بأن نقول: هذا التصرُّف ذكيٌّ، وهذه المرأة ذكيّةٌ، وهذا الطالب ذكيٌّ، بل صرنا نُطلق وصف الذكاء على آلاتنا وأشيائنا أيضًا، فنقول: هواتف ذكيّة، وسيّارات ذكيّة، ومُدن ذكيّة، بل أسلحة ذكيّة.

رغم هذا الحضور الطاغي، فما إن يسألنا سائلٌ: «ما الذكاء؟» حتى نتلعثم، وندور حول الكلمة دون أن نمسك بها، فنقع في حرج أولئك الذين كان سقراط يُعرّي جهلَهم في ساحات أثينا: رجالٌ يستعملون المفهوم كلَّ يوم بثقة، فإذا طُولِبوا بتعريفه انكشف أنّهم يجهلون ما كانوا يحسبونه بدهيًا.

وهذا وَحْده يكفي لِيُلحق «الذكاء» بتلك المفاهيم التي يصدُق عليها ما قاله القديس أغسطينوس عن مفهوم الزمان: إنّي أعرفه ما لم يسألني عنه أحد، فإذا سُئلتُ عنه وأردتُ شرحه لم أعُد أعرفه.

إلّا أن غياب تعريف صريح للذكاء قد لا يخلو من ضرر؛ إذ يفسح المجال لتعريفات ضمنيّة، تُقرر عنّا ما الذي ننمّيه في أبنائنا، ما الذي نهمله، وما الذي نرضى بالتنازل عنه لصالح الآلة. ولهذا فالسؤال «ما الذكاء؟» سؤالٌ وجوديّ وسياسيّ وتربويّ في آنٍ واحد. وأزعم أنّ أولى خُطوات حماية الذكاء البشري أن ننتزع تعريفه من أيدي اختبارات قياس الذكاء، التي تقف خلفها شركات ربحية.

فالذكاء البشريّ مورد الحضارة الأوّل، ومن حقّه علينا أن نحميه وننمّيه. لكنّ الحرص على تنميته رافقه حرصٌ مريب على تحويله إلى وَحْدة قابلة للقياس، تمامًا كما تُقاس درجة الحرارة. وهذا ما تجسّده اختبارات حاصل الذكاء (IQ) في صيغها المتداولة، من ستانفورد-بينيه إلى مقاييس ويكسلر ومصفوفات رايفن، وصولًا إلى جمعيات على منوال «منسا Mensa-» التي لا تقبل في عضويّتها إلّا من ارتفعت نتيجته في قياس الذكاء. هكذا اختُزل الذكاء في عتبة رَقْمية تُجتاز، بعد أن كان مَلَكة حيّة تُمارَس وتُعاش. فكيف وصلنا إلى هذا الاختزال؟

بدأت الحكاية انطلاقًا من نوايا طيِّبة. ففي سنة 1905، طلبت وزارة التعليم الفرنسيّة من عالم النفس ألفريد بينيه ومساعده تيودور سيمون تصميم اختبار يعين المعلّمين على اكتشاف التلاميذ المتعثرين دراسيًّا لمدهم بما يلزم. وكان بينيه نفسه حذرًا، إذ أكد بوضوح أن ما يقيسه اختباره ليس الذكاء بالمعنى الشامل، بل قدرات مدرسية على أداء مهام محددة في لحظة محددة، وأنّه لا يصلح للحكم على الأفراد.

لكنّ بينيه مات قبل أن يكتمل أثر اختباره سنة 1911، وسرعان ما عبر اختباره المحيط الأطلسي نحو أمريكا، إذ حوله لويس ترمان من أداة بيداغوجية لمساعدة المتعثرين إلى أداة لفرز «الأذكياء» من «الأغبياء». ولا ننس أنّ ترمان كان من أبرز دعاة «تحسين النسل»، وقد أكّد أنّ الذكاء المنخفض شائع بين أبناء سلالات بعينها، لا أمل في جعلهم مفكرين أو علماء، فينبغي الاكتفاء بتأهيلهم عمالًا نافعين. على هذا الأساس قام أول اختبار معياري للذكاء في الولايات المتّحدة، ومنه انطلقت بعض الآراء العنصرية وقتها، التي بلغت ذروتها في قانون الهجرة لسنة 1924 الذي قيّد دخول المهاجرين من بعض بلدان جنوب أوروبا وشرقها وآسيا، بحجّة «تدنّي ذكائهم».

لكنّ هذا «القياس» لم يسلم من فضيحتين. أولاهما قضيّة البريطانيّ سيريل بيرت، الذي ظلّ عقودًا نبراسًا لعلم النفس، وأوحت أبحاثه أنّ الذكاء موروثٌ بنسبة كبيرة، فاستندت إليه إجراءاتٌ تعليميّة تفصل الأطفال مبكرًا بين مسار أكاديمي وآخر مهني، ثمّ تبيّن، بعد سنوات من وفاته، أن أبحاثه كانت في معظمها مفبركة. وثانيتهما قصة هنري غودارد، الذي ظل منذ سنة 1912، في جزيرة «إليس آيلند» قرب تمثال الحرّية، يشرف على فحص المهاجرين باختبار الذكاء قبل البت في دخولهم؛ فحُرم عديد من حقّ الهجرة، ثمّ تبيّن لاحقًا أنّهم لم يخوضوا اختبار ذكاء أصلًا، بل اختبار انتماء لُغوي-ثقافيّ، إذ لم تكنْ لمفرداته ترجمة أمينة إلى لغاتهم. وهكذا وُلد المقياس مثقلًا بانحياز يتنكّر في ثوب العلم.

ويمكن مواجهة اختبارات قياس الذكاء، بثلاثة اعتراضات أساسيّة: اعتراض منهجي، واعتراض ثقافي، واعتراض وجودي. وهي اعتراضات لا تنفي الحاجة إلى تنمية الذكاء، بل تنفي أن يكون ما تقيسه اختبارات الذكاء هو الذكاء، حتى وإن كانت تقيس، في أحسن الأحوال، نوعًا خاصًا من الذكاء.

ولنبدأ من التعريف الأكثر رواجًا في عصرنا للذكاء:

الذكاء قدرة على معالجة المعلومات وحل المسائل والمشكلات.

إنه تعريف عملي بالفعل، ولهذا يقبل الخضوع للقياس والمقارنة. إلّا أنّه يخبرنا بما يفعله الذكاء لا بما هو عليه. والأدهى أنّه، حين يجعل جوهر الذكاء معالجة المعلومات وحلّ المشكلات بسرعة وكفاءة، فإنه يُنصّب الآلة -من حيث لا يدري- نموذجًا أعلى للذكاء؛ إذ ما من كائن يعالج المعلومة ويحلّ المسألة أسرع من الحاسوب وأدقّ منه.

أمّا منهجيًّا، فيقوم القياس على دائرة مفرغة لخّصها عالم النفس الأمريكي إدوين بورنغ سنة 1923 بعبارته الساخرة: «الذكاء هو ما تقيسه اختبارات الذكاء». ذلك أننا نُعرّف الذكاء بما يقيسه الاختبار، ونصمّم الاختبار ليقيس ما اعتبرناه ذكاء. وفوق ذلك كله يقع القياس في مغالطة سمّاها الفيلسوف الأمريكي وايتهيد «مغالطة تشييء المجرّد»: أن نبتكر فكرةً في أذهاننا لنفسّر بها ظاهرة، ثمّ ننسى أنّنا نحن من ابتكرها، فنعاملها كأنّها شيء قائم في العالم. وهذا بالضبط ما جرى حين لاحظ عالم النفس الإنجليزي تشارلز سبيرمان أنّ الناجح في امتحان اللُّغة يميل إلى النجاح في امتحان الحساب، فافترض وجود «ذكاء عام»، ثمّ ظنَّ أن هذا «الذكاء العام» شيء موجود في الدماغ يمكن قياسه.

هنا ينكشف الفرق بين علم يكتشف موضوعه وعلم يصنعه:

علم الفلك يكتشف الكواكب ولا يصنعها، أمّا القياس النفسي فيصنع «الذكاء» الذي يقيسه ثم يدّعي أنّه اكتشفه. ويكمل كارل بوبر الصورة بمعياره الحاسم، قابليّة الدحض: فنظريّة «الذكاء العام» تفسر كلّ نتيجة في صالحها: إن انخفضت النتيجة فدليل ضعف، وإن ارتفعت فدليل تفوق، وإن ظهر ذكاء خارجها سمّي «هامشيًّا». وهكذا تحصن نفسها من كل تفنيد ممكن، وهذا عين ما يسمّيه بوبر «العلم الزائف».

وقد علّمنا توماس كوهن أنّ النماذج الإرشاديّة تتزعزع حين تتراكم الظواهر الشاذّة التي تعجز عن استيعابها. وهذا ما أخذ يحدث للنموذج القياسي حين تصدعت دعوى احتكاره لمفهوم الذكاء. بل ذهب بول فايرابند في «ضدّ المنهج» إلى أبعد من ذلك: كلّ المناهج الصارمة تُحول العلم إلى عقيدة. أما الذكاء البشري، فهو بطبيعته المنفلتة من كلّ قالب، أحوج المجالات إلى التحرّر من سلطة المنهج الواحد.

والدليل الأقوى هو ما يُعرف بـ «أثر فلين (Flynn Effect)»، نسبةً إلى الباحث النيوزيلندي جيمس فلين الذي رصد، عبر أجيال متعاقبة من القرن العشرين، ارتفاعًا مطّردًا في متوسّط نتائج اختبارات الذكاء. والواقع، لو كان الذكاء كمًّا ثابتًا مستقرًّا في الدماغ، كما تفترض قياساته، لما تغيّر بهذا الإيقاع المتسارع. وإذن، فالذي يرتفع هنا ليس الذكاء، بل التآلف مع نوع بعينه من المهامّ المجرّدة التي يُكثر منها التعليم المعاصر.

أمّا ثقافيًّا، فإذا زعمنا أنّ الاختبار يقيس الذكاء فعلًا، أمكننا التساؤل، الذكاء وَفْق أيّ نموذج للتفكير: منطقيّ، حدسيّ، وجداني، وظيفي…؟

في مطلع سبعينيات القرن الماضي طلب عالم النفس الأمريكي جوزيف غليك من رجال إحدى قبائل ليبيريا أن يصنفوا أشياء مألوفة لهم، فوضعوا السكين إلى جانب البرتقالة والمعول إلى جانب البطاطس. وهو تصنيف وظيفي بحسب الاستعمال. ولمّا طلب منهم أن يصنّفوها «كما يفعل الأحمق»، أنتجوا حينئذ ذلك التصنيف التجريدي المنطقي الذي يعدُّه الاختبار ذُرْوَة الذكاء. فما يحسبه مقياس قمّة الذكاء، قد تراه ثقافة أخرى إجراءً غبيًّا. والأمر نفسه حين يطلب من مفحوص يعيش في قرية نائية إكمال صورة ملعب تنس مثلا: فالاختبار هنا لا يقيس الذكاء، بل يقيس الانتماء إلى عالم مصمم الاختبار.

وقد ضاعف السياق الاستعماريّ هذا الالتباس حين خدمت نتائجه المتوقّعة سلفًا خطاب «المهمّة الحضاريّة»: ها هم السكّان الأصليّون «أقلّ ذكاءً»، وها هي الإدارة الاستعماريّة تأتي لتروضهم. وهي حكاية لم تنته بنهاية الاستعمار الرسمي، بل أعيد إنتاجها في صيغ جديدة: الترتيب الدولي لمؤشرات «التنمية البشريّة»، أو «جودة التعليم»، مثلا، وهي مقاييس تعكس زاوية نظر محددة، لم تخضع للنقاش العمومي في أي مكان من العالم.

وأمّا وجوديًّا، فالسؤال الحقيقي ليس هو، هل اختبارات الذكاء منحازة؟ أو هل هي صحيحة؟ بل، هل الذكاء البشري من جنس الأشياء التي تقاس أصلًا؟ الاختبار يعزل الفرد في غرفة ويلقي عليه أسئلة مغلقة لها جواب محدد، فينزع عن الذكاء بعده الحواري. وقد بيّن ريتشارد روتي في «الفلسفة ومرآة الطبيعة» أنّ المعرفة ليست مرآةً تعكس العالم بقدر ما هي محادثة. فإذا كان القياس امتدادًا للتصوّر المرآوي، فإنّه يخنق البُعد الحواري في الذكاء البشري، ويختزله في عمليّة فرديّة مثل الحساب الذهني.

لهذا استدعى التقليد الفلسفيّ، شرقًا وغربًا، صورًا كثيرة للذكاء لا تلتقطها شبكة الاختبار، يضيف كل منها خُطوة مختلفة. فعند أرسطو «الفطنة»، تلك القدرة على التبصّر بما ينبغي فعله هنا والآن، إذ لا تكفي أي قاعدة،  بل يلزم قدر كبير من البصيرة. وعند سبينوزا هناك ثلاث مراتب للمعرفة تتوّجها المعرفة الحدسيّة التي تدرك الماهية. وهو ما ألحّ عليه برغسون حين ميّز بين عقل تِقْني يفكك الحركة إلى لقطات ساكنة، وحدس يدخل في صميمها فيعيشها من الداخل.

فلم يكنْ نبوغ أينشتاين، أو الخوارزمي نفسه، يَتَمَثَّل في مجرد حلّ ألغاز ورقيّة، بل في لمحات حدسيّة كلّيّة استطاعوا من خلالها أن يروا ما لم يره غيرهم. وعند هايدغر فرق بين «التفكير الحاسب» الذي يعالج المعطيات للسيطرة والاستعمال، و«التفكير المتأمّل» الذي يصغي إلى ما يفلت من الحساب، حتى إنه قال: «العلم لا يفكّر».

وعند ليفيناس ينتقل الذكاء من فضاء المعرفة إلى فضاء المسؤوليّة. فالذكيّ عنده هو من يستطيع، حين يقف أمام وجه إنسان، أن يفهمه ويتفهّمه ويتفاهم معه بيُسر وسلاسة. وفي تراثنا العربي الإسلامي، تكلم السهروردي عن «العلم الحضوري» الذي يتجلّى فيه المعنى للنفس مباشرةً دون وسائط مفهوميّة. كل هذه الأنواع من الذكاء، تحكم عليها ورقة الاختبار بالغياب، لا لأنّها أعقد من أدواته، بل لأنّها من طبيعة تستعصي على القياس.

وتجمل مارثا نوسباوم هذا الاعتراض في مقاربتها للقدرات، بأن الإنسان ليس مجموعة من القدرات القابلة للقياس، بل كائن قادر على الازدهار حين تتاح له شروطه. والذكاء بهذا المعنى ليس شيئًا يمتلكه الفرد، بل علاقة بين قدراته الكامنة والفرص الفعليّة التي تتاح له. وحين نقيسه خارج هذا الإطار نعامله معاملة آلة تنتج درجات على ورقة. ما يُمَثِّلُ انتهاكًا أنطولوجيًا قبل أن يكون انتهاكًا أخلاقيًّا. بل إنّ مايكل ساندل في «طغيان الجدارة»، ينتقد أخلاقيًّا أصل الفكرة التي تجعلنا نُرتب البشر ونمنحهم قيمتهم تبعًا لقدرات خاضعة للقياس.

ويمكن إتمام المشهد بموريس ميرلو-بونتي، الذي رأى الذكاء تجلّيًا من تجلّيات الجسد الحيّ في علاقته بالعالم. فالذكاء عنده ليس عمليّةً ذهنيّةً خالصة تجري في معزل عن البدن، بل هو ذكاءٌ جسديّ-علائقيّ: قوامه «القصديّة الحركيّة» التي بها يفهم الجسد الموقف قبل أن يدركه الوعي: إنه اليد التي تعرف بنفسها كيف تُمسك الفرشاة، والقدم التي تقيس بُعد الدرجة قبل أن يحسبها العقل، والجسد الذي يستشعر توتّر قرار معيّن قبل أن يدرك الوعي لماذا. هذا «الفَهْم» المنساب في الحركة والجسد يستحيل اختزاله في تمارين على ورقة، لأنه لا يقيم أصلًا في فضاء الورقة، بل في فضاء الحياة.

ثمّ إنّ الذكاء دائمًا ذكاء بالنسبة إلى عالم بعينه. فصائد الصحراء الذي يقرأ في حبّة الرمل وشكل العشب اتّجاه الفريسة، والملّاح الذي يهتدي في عرض المحيط بالنجوم وحركة الموج، يملكان ذكاءً مذهلًا لا تلتقطه ورقة صُمّمت في مكتب مكيّف، بل قد تحكم عليهما بالغباء لإخفاقهما في تمرين لا معنى له في عالمهما. فكل اختبار يحمل في طيّاته صورة ضمنيّةً عن العالم الذي يُعَدُّ النجاح فيه ذكاءً. وحين نعمّم مقياسًا واحدًا على الجميع، فإنّنا لا نقيس الذكاء.

في ضوء هذا ينكشف أنّ المقياس لم يكتف بانحيازه، بل تَوَّج نوعًا واحدًا من الذكاء وأقصى ما عداه: الذكاء المنطقي-الحسابي واللغويّ.

وقد تصدّى لهذا التتويج عالم النفس الأمريكي هوارد غاردنر بنظريّته في «الذكاءات المتعدّدة»، فأبان أنّ الموسيقيّ الذي يسمع في الصمت ما لا نسمع، والصانع الذي تعقل يده ما يعجز عنه اللسان، يملكان ذكاءات لا تراها اختبارات الذكاء. ثمّ جاء عالما النفس الأمريكيين بيتر سالوفي وجون ماير، فصاغا ما بات يُعرف بـ «الذكاء العاطفي»، قبل أن ينتشر المفهوم على يد دانييل غولمان، بوصفه عالم نفس وصحفي.

على أن الذكاء العاطفي قدرة على إدراك الانفعالات وتنظيمها، قدرة نحتاجها في تدبير معظم شؤون الحياة. فكم من إنسان بلغ في الاختبارات أوج النجاح، وهو في تدبير حياته فاشل!

على أنّي أحسب أنّ غاردنر، رغم ثوريّته، ظلّ بدوره أسير منطق الذكاء بوصفه قدرةً توصَف وتُقاس. لكنّ الحجّة الأساسيّة تبقى صلبة: إنّ تتويج مَلَكة واحدة وتسميتها «الذكاء»، ليس سوى حكم قيمة متنكر في ثوب العلم. غير أنّ التحرّر الحقيقي لا يكون بمضاعفة عدد الذكاءات، بل بإعادة طرح السؤال بنحو جذري: هل الذكاء قدرة تُقاس، أم طريقة في الوجود وأسلوب في الحياة؟

وثمّة بُعد آخر يفلت من القياس الكمي، هو الخيال والإبداع. ذلك أنّ تعريف الذكاء بأنّه «حلّ المشكلات» يفترض أنّ المشكلة معطاة سلفًا، وأنّ المطلوب مجرّد التماس طريق إلى حلها. لكنّ أرقى الذكاء ليس في حلّ المشكلة المطروحة، بل في رؤية المشكلة التي لم يرها أحد، وطرح السؤال الذي لم يُطرح بعد. والآلة، مهما برعت داخل إطار محدّد من الاحتمالات، تظل أسيرة المسألة كما طُرحت. أمّا الخيال الخلّاق فيكسر الإطار ويخترع فضاءً جديدًا للسؤال. وهذا الكسر المبدع والخلّاق للإطار هو أحد أعلى مراتب الذكاء.

وحين نلتفت إلى اللُّغة، نجد أن كلمة ذكاء مشتقّة من ذكت النار تذكو ذكاء، أي اشتعلت وتلهّبت. فالذكاء في أصله العربي حياة متّقدة بلهيب الوعي. وهذا الأصل يفتح أعيننا على خلط نقع فيه يوميًا بين ثلاثة مستويات: المعرفة، العقلانية، والذكاء؛ فالمعرفة مخزون، وقد تكون غزيرة عند غبيّ لا يحسن استعمالها؛ والعقلانيّة منهج، وقد يتقنه من يطبّقه على مقدّمات سخيفة فيخرج بنتائج محكمة البناء فاسدة الأساس؛ أمّا الذكاء فليس المخزون ولا المنهج، بل القدرة الحيّة على حسن استعمالهما معًا، فيكون العلم فهمًا، والاستدلال حكمة. ولهذا قد يكون الشخص موسوعيّ المعرفة، لكنه ساذج في فَهْم الحياة، وقد يُحكم الاستدلال المنطقي، لكنه معزول عن فَهْم الواقع.

من هنا أزعم أنّ أعمق ما في الذكاء البشري ليس سرعة إنتاج الأجوبة، بل القدرة على بِناء فَهْم خاص: فَهْمًا يصوغه صاحبُه بالمفاهيم والمعنى والتأويل، وفي الأثناء يتقن فنَّ السؤال، ويدرك الروابط الخفيّة بين الأشياء، ويترفّع عن كلّ تسرع واستعجال.

المعرفة هي امتلاك معلومات صحيحة عن العالم، من قبيل، أنّ داكار عاصمة السنغال، وأنّ الماء يغلي عند مئة درجة. وهي مخزون يمكن تخزينه واسترجاعه ونقله، ويمكن قياسه؛ أمّا الفَهْم فهو تحوُّل وجودي يطرأ في الذات.

أن أفهم قصيدةً ليس أن أعرف مفرداتها، بل أن أدرك ما تفعله بي وما أفعله بها. أن أفهم الزمان ليس أن أعرف كيف أحسبه في الرياضيات أو الفيزياء فحسب، بل أن أحدس المفهوم نفسه، وأرى من خلاله المادة والحياة والكون بأسره. أن أفهم نصًّا فلسفيًّا ليس أن أحفظ مفاهيمه، بل أن أتمرّن على رؤية العالم انطلاقًا منها. فالفهم ليس مخزونًا ولا أرشيفًا، بل ممارسة حيّة وحوار متجدّد. وحين نعرف الذكاء بهذا النحو تتغيّر معاييره. فلا يعود معياره السرعة في الحلّ، بل البطء في فَهْم السؤال، ولا الإجابة الفوريّة، بل التساؤل المستمرّ، ولا عدد الأسئلة التي أجيب عنها، بل نوعيّة الأسئلة التي أطرحها على نفسي.

يقوم هذا التعريف على أربع ركائز مترابطة. أولاها أنّ الذكاء قدرة على التأويل، لأنّ الحياة لا تأتينا في صور مسائل محدّدة الإجابات، بل في مواقف غامضة تحتمل قراءات متعدّدة، فالذكيّ هو القادر على رؤية ما لا يظهر للوهلة الأولى. وثانيتها أنّه قدرة على الإصغاء، تلك الملكة التي صارت نادرة في سوق تملأ كلّ صمت بإجابات سريعة، فالذكيّ من يستطيع أن ينتظر ويصغي بإمعان. وثالثتها أنّه دهشة متجدّدة، إذ يستطيع صاحبه أن يتعجّب ممّا يراه الجميع كما لو أنّه يراه أوّل مرّة. ورابعتها أنّه إرادة العيش الحكيم، أن يعرف المرء كيف يعيش ويحبّ ويتألّم ويشفى، وكيف يتفادى الخراب في لحظات الحزن والخوف والغضب. وهذه قدرات لا تقيسها اختبارات الذكاء، ومع ذلك هي ما يجعل الإنسان كائنًا عاقلًا.

لهذا التعريف نتائج بالغة الأهمية. فهو:

أوّلًا، يقوض القداسة الملصقة بـ «النخبة الموهوبة»؛ إذ تتولّى الاختبارات فرز «الموهوبين» عن «العاديّين» منذ سن مبكرة، فتمنح للأوائل فرصًا أفضل ودعمًا أكبر، وتنشأ نخبة لها ولاء متين للاختبار الذي اجتازته، فيستديم النظام نفسه. وحين نستبدل بقياس الذكاء حرّية الفَهْم، نكتشف أنّ الموهبة ليست ملَكةً تخصّ القلّة، بل إمكان كامن في كلّ طفل إذا أتيحت له شروط بِناء الفَهْم.

وهو، ثانيًا، يُصحح علاقتنا بالخوارزميات. فالاختبارات الذاتيّة على الشبكة، والتطبيقات التي تزعم قياس ذكائنا، تنزلنا منزلة مستهلك يُسلّم نفسه ليكافأ بنتيجة بلا معنى. أمّا القدرة على الفَهْم، وهي الأهم، فليس هناك قياس يستطيع أن يخبرنا بها؛ لأنّها تتجلّى في الحياة كما تعاش.

وهو، ثالثًا، يُعيد إلى الذكاء عامل الزمن. فالاختبار يفترض عدّادًا يجري ونتيجة تنتظر، أمّا الفَهْم فيستلزم زمنًا كافيًا، زمن الإقامة مع السؤال، وزمن الإصغاء، وزمن التروي، وزمن التأمل، وزمن الاستيعاب، وزمن التأويل. وكلّما حاولنا التسريع انكسر عنصر أساسي في بِناء الفَهْم.

وهو، رابعًا، يمنح للذكاء بعده الأخلاقيّ. فقد علّمنا القرن العشرون أنّ ذكاء المعرفة قد يخدم أفظع المشاريع. ألم يكنْ مهندسو «الحلّ النهائيّ» النازيّ من بين أذكى أبناء جيلهم في الاختبارات؟ أولم يلتحق بمشاريع مُدمرة نابغون في الهندسة والعلوم؟ فما قيمة ذكاء يخدم الشر؟

وهو، خامسًا، يجعل الذكاء حقًّا للجميع؛ إذ ينبغي أن ندافع عن حقّ المواطن في أن يفهم القرارات التي تتّخذ بشأنه، والقوانين التي يخضع لها، والحجج التي تساق له. ولا يتحقّق ذلك ما لم نستردّ تعريف الذكاء بوصفه قدرة على بِناء الفَهْم الخاص.

الذكاء ليس صوتًا واحدًا، بل أوركسترا من القدرات التي تتناغم تحت قيادة غاية واحدة هي أن نعيش بذكاء.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete