تكوين
لا يدلُّ الحزنُ على الخشوع، ولا الخوف على التقوى، ولا الانقباض على الإيمان. فالتديُّن الذي يُفترض أن يمنحنا طمأنينة القلب وانبساط الرُوح، قد يكون أحيانًا محض عبءٍ وجوديٍّ يستنزف القدرة على الحياة. ذلك أنّ الإيمان، مثل الحُبّ، ليس قيمة في ذاته بقدر ما هو علاقةٌ: إمّا علاقة صحية تسمح بالنمو والازدهار، أو علاقة سامة تصيب القلب بالجبن والكآبة والذنب والتوتُّر، فتستدعي شجاعة التعافي قبل فوات الأوان.
هذا المقال لا يُنكر الحق في الدين أو الحاجة إليه، بل يتوجَّهُ بالنقد إلى نمطٍ محدَّدٍ وشائع من التدين؛ ذلك التديُّن الذي يرى أن التقرُّب إلى الله لا يتحقق إلَّا بمشاعر الذنب، وأن درجات الإيمان لا ترتفع إلَّا بانخفاض مظاهر الفرح، كما لو أن الحياة محض خطيئة ينبغي التكفير عنها.
هذا التديُّن الحزين لا يكتفي بتشويه صورة الإيمان، بل يُعيد خلق الوجدان الجماعي على نحو يُشجع على قيم التواكل بدل المسؤولية، والريع بدل الإنتاجية، والخنوع بدل السكينة، والتسليم بدل الفهم، والتبعية والاتباع بدل رُوح المبادرة والإبداع. طبيعي أن مثل هذا النمط من التديُّن ينتهي إلى تدمير كل شروط بناء الحضارة، مهما بلغت قوته في التجييش والتهييج.
نيتشه باعتباره كاشفًا لأمراض التديُّن الحزين:
لم يهتم فريدريش نيتشه بالدين بوصفه لاهوتًا، بل بوصفه عرضًا نفسيًا وأخلاقيًا. لم يتساءل، هل الدين صادق أم لا؟ بل تساءل، كيف يؤثر الخطاب الديني في وجدان الإنسان؟ من هنا تبرز راهنية نيتشه اليوم، لا بوصفه عدوًّا للدين كما يظنُّ البعض، بل برؤيته كاشفًا عن أمراض التديُّن الحزين، ذلك التديُّن المنكفِئُ، والذي يتغذَّى من الخوف، ويقدِّسُ الألم، ويحوِّلُ الحياة إلى محكمة تفتيش دائمة.
ينطلق نيتشه من معادلة واضحة: المشكلة ليست في الإيمان، بل في الأخلاق التي يُروج لها باسم الإيمان.
في “جينيالوجيا الأخلاق“، لا يتساءل نيتشه، ما الخير؟ بل، من اخترعه؟ ولماذا؟ فيكتشف أن أخلاق الزهد والطاعة والتواضع ليست بريئة، بل نشأت تاريخيًا لتكون أخلاقًا ترمي إلى ترسيخ ثقافة العبيد. لكنّ ضررها الأكبر أنها تستنزف الطاقة الحيوية للإنسان.
على أن الضغينة هي أشدُّ أنواع القيم ضررًا. إذ يتعلق الأمر بحقد مكبوت، لا يجرؤ على المواجهة البرهانية، فيختبِئُ خلف بلاغة الوعظ والهداية.
التديُّن الحزين في نظر نيتشه هو أخلاقُ ضغينة مُقدّسة تقول لك:
إذا كنتَ لا تستطيع أن تنتقم من محيط أهانك وأقبر أحلامك، فالتديُّن الحزين يمنحك فرصة، كي تقوم بتسميم محيطك بالكامل.
إذا كنت لا تستطيع أن تفرح، ولا تطيق أن ترى الآخرين فرحين، فالتديُّن الحزين يمنحك فرصة أن تحرم كل مظاهر الفرح.
إذا كنت تفتقد إلى شجاعة العيش، ولا تتقبَّلُ الحياة بكل نواقصها ونقائصها وانعدام يقينها، فالتدين الحزين يسمح لك بأنْ تُقدِّسَ الموت.
هكذا يُصبح الخطاب الديني شريكًا في الكبت بدل أن يكون أفقًا لازدهار الرُوح.
نيتشه لم يكنْ ضدَّ الحق في الإيمان، أو ضد الحاجة إليه، بل كان ضد الإيمان الذي يُربِّي على الكآبة ويعادي الحياة. وفي المقابل، كان ضمنيًا مع كل تجرِبة رُوحية تقول نعم للحياة.
الحزنُ عند سبينوزا لا يقود إلى الله:
إذا كان نيتشه قد كشف عن الإيمان الحزين بوصفه مرضًا أخلاقيًا ونفسيًا، فإن باروخ سبينوزا يكشفه بوصفه سوء فهم لله والإنسان معًا. سبينوزا بدوره لا يهاجم الدين، بل يهاجم العاطفة الرديئة التي أُلصقت به: الحزن.
في “الأخلاق”، يُعرِّفُ سبينوزا الحزن بفهمه انتقال الإنسان من قدرة أكبر على الوجود إلى قدرة أقل. بكلمات أخرى، الحزن ليس تقوى أو فضيلة، بل نقص في طاقة الحياة.
بهذا المعنى، يستحيل أن يكون الحزن طريقًا إلى الله، لأنّ الله عند سبينوزا هو تمام الوجود، لا موضع النقص. فكل إيمان يجعل الإنسان أكثر خوفًا، وأقل قدرة على الفهم، هو إيمان مشوَّه، مهما ارتدى من أقنعة الورع والتقوى.
الله عند سبينوزا ليس إله التهديد والعقاب، بل نظامُ الوجود ذاته في كل تفاصيله، والذي لا نعرفه بالخوف أو الحزن، بل بالفهم. ولا نحبه بالانكسار أو التذلل، بل بالوضوح.
من هنا يكون التدين الحزين مشكلة معرفية قبل أن يكون مشكلة أخلاقية: فالإنسان الذي يجهل أسباب مشاعره، سرعان ما يُسقط خوفه على الله، ويحوِّل ضعفه الداخلي إلى صورة إله غاضب لا ترضيه غير دموع الحزن والخوف والندم.
مقابل ذلك، يقترح سبينوزا بديلاً جذريًا: الفرح بوصفه أثر للفهم. هذا الفرح لا يشبه المرح الصاخب والعرضي، مثل سهرات نهاية الأسبوع، بل إنه فرح الرُوح الذي ينشأ حين نفهم ذواتنا والعالم.
ينتهي هذا المسار إلى ما يسميه سبينوزا: حبّ الله العقلي. هذا الحب الذي لا يبكي، لا يتوسل، لا يرتعد، بل يفهم… ومن ثم يطمئن.
هكذا، يلتقي سبينوزا مع نيتشه عند نقطة حاسمة: الإله الذي يحتاج إلى حزن الإنسان، كي يتقبل العبادة، إلهٌ مريب. يرفضه سبينوزا باسم العقل، ويرفضه نيتشه باسم الحياة.
التصوُّف الإسلامي ووصفة المحبَّة:
إذا كان سبينوزا يُحرر الإيمان من الحزن عبر الفهم، فإنّ التصوُّفَ الإسلامي يحرِّرِهُ عبر المحبَّة.
إذ يرى المتصوّفة في الله كائنًا لا يُعبد خوفًا، بل محبوبًا يُقصَد شوقًا. فالله، في أفق المحبّة، لا يُختزل في ثواب وعقاب، بل يُعاش حضورًا يملأ القلب عشقًا وطمأنينة.
وقد عبَّرت رابعة العدوية عن هذا التحوّل بكلمات عميقة في بساطتها، حين نزعت الخوف والطمع معًا من مركز العبادة، وجعلت المحبّة وحدها مقياس القرب.
أما محيي الدين ابن عربي، فيرى أن المحبَّة ليست مقامًا من المقامات، بل أصلُ الوجود كُلّه، وبها يُعرَف الله قبل أن يُعرَف بالوعد والوعيد.
في هذا الأفق، لا يُطاع الله لأنه مخيف، بل لأنه محبوبٌ. ولا يُذكَر اسمه انقباضًا، بل شوقًا وسكينة.
هكذا يلتقي التصوُّف، من داخل التجرِبة الرُوحية، مع نقد الإيمان الحزين: نقد الإيمان الذي يُضعف الإنسان، ويُثقله بالخوف والحزن والندم.
وحين تستعيد المحبّة مركز الإيمان، يتغيَّر حتى الصوت الذي تقال به الأدعية والتراتيل التعبُّدية. فالدين القائم على الخوف يُنتج نبرة حزينة، أما الدين القائم على المحبّة فيُنتج صوتًا خاشعًا بلا انكسار، وهادئًا بلا كآبة.
نقد الترتيل الحزين:
لا تقتصر تلاوةُ القرآن على نقلٍ صوتيٍّ لنصٍّ دينيٍّ تعبّدي، ولكنْ هي فعلٌ تأويليٌّ كامل، تُشارك فيه الحنجرة كما يشارك فيه الفهم، ويتحوَّل فيه الصوت إلى وسيطٍ خفيٍّ يُعيد صناعة المعنى. فالصوت لا يحمل الكلمات والحروف وحدها، وإنما يحمل معها مِزاجًا عامًا، ويقترح صورةً معيّنة عن الإيمان، وعن الله، وعن علاقتنا بالحياة.
فلماذا استقرَّ في كثير من الفضاءات الدينية المعاصرة نمطٌ واحد من الترتيل، هو الترتيل الحزين، كما لو أنّه الأسلوب التعبدي الشرعي الوحيد لتلاوة القرآن؟ وأين اختفى الترتيل المُبهج، الذي يُحقِّق الخشوع من دون أن يُغرق الإيمان في الكآبة؟
الترتيل، في دلالته القرآنية الأصلية، ليس توصيفًا شعوريًا، بل توصيفٌ أدائيٌّ صرف: “وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا”. أي اقرأ بتؤدة، ووضوح، وإتقان، مع إعطاء كلِّ حرف حقّه، من غير استعجال ولا ابتذال.
لا أحد يُنكر أن في القرآن آيات خوف، ومشاهد فناء، ومخاطبات للوجدان القَلِق. لكنّ الإشكال يبدأ حين يُعمَّم هذا المزاج على القرآن كُلّه، فتُقرأ آيات الرحمة بنبرة عزاء، وآيات النعمة بصوت رثاء، وآيات الاستخلاف وكأنَّها نعيٌ مُبكِّرٌ للإنسان.
هنا يتحوَّلُ الخشوع من حضورٍ واعٍ أمام المعنى إلى انكسارٍ صوتيٍّ دائم، وكأنّ المؤمن مُطالبٌ أن يبدو مُثقَلًا بالحزن، ومتوجّسًا من الفرح.
هنا يلتقي سبينوزا ونيتشه. فنيتشه، وإن كان ناقدًا لاذعًا للتديّن الكئيب، لا يهاجم الإيمان بوصفه معنى، بل يُهاجم كُلَّ خطاب ديني يُحوِّل الحياة إلى ذنب، والفرح إلى شبهة، والجسد إلى خطيئة.
ومن هذا المنظور، يُمكن القول إن الترتيل الحزين حين يُفرَض ليكون نموذجًا وحيدًا، لا يُنتج خشوعًا، بل يُنتج إنسانًا مُتعبًا من الحياة باسم الله.
لكنّ الثمن كان باهظًا: خسرنا التنوُّع الشعوري للقرآن، وحوَّلناه -سمعيًا- إلى كتاب ذي مقام واحد منخفض، ونبرة واحدة منكسرة، رغم أنّه في الأصل كتابٌ مُتعدِّدُ الأحرف، والأوجه، والدلالات.
كما أن القرآن لا يطلب من الإنسان أن يحزن كي يؤمن، بل يطلب منه أن يفهم، وأن يحيا، وأن يتأمل، وأن يفكر، وأن يطمئن. وحين يستعيد الترتيل هذا التوازن الانفعالي، يعود القرآن كما هو في جوهره العميق: كتاب هداية ورحمة، لا كتاب كآبة وقسوة.
وهكذا، فإن تحرير التجرِبة الدينية من مشاعر الحزن من شأنه أن يفتح أفقًا لاستعادة قدرة الإنسان المؤمن على الفهم والتفاهم، وعلى العيش والعيش المشترك.