نقد الخطاب الديني في مشروع نصر أبو زيد التجديدي

 تكوين

(1)

كان المرحوم الدكتور نصر حامد أبو زيد (1943-2010) الباحث المتخصص في الدراسات الإسلامية، والأستاذ الأكاديمي، والمفكر التجديدي بامتياز؛ أحد ضحايا الجمود والتسلُّف والمد الديني الذي وصل إلى ذروته في تسعينيات القرن الماضي في مصر والعالم العربي.

ورغم مرور خمس عشرة سنة كاملة على رحيله، فلم تغب أطروحاته وأفكاره التنويرية التجديدية التي جلبت عليه لعنة المتزمتين والمتطرفين، وجعلت الموتورين والمهووسين من أنصار تيارات الإسلام السياسي، وجماعات التكفير والإرهاب، يشنون حربًا شعواء على الرجل ويطاردونه عبر أذرعهم الأخطبوطية في المجال العام حتى وصل الأمر إلى ملاحقته عبر المحاكم، واستصدار حكمٍ بالتفريق بينه وبين زوجه بدعوى أنه “كافر، ومرتد عن الملة“، ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل هددت حياته وحياة أسرته، ما اضطره تحت وطأة هذه التهديدات إلى الخروج من مصر بل العالم العربي كله، إلى منفاه في هولندا، حتى توفاه الله في الخامس من يوليو من العام 2010.

إن ما قدمه نصر أبو زيد للإسلام؛ ثقافةً وحضارةً وفكرًا مستنيرًا، من حيث إبراز وجهه النضر وتجلية قيمه الإنسانية الناصعة، سيبقى خالدًا ومتجددًا. إنه الباحث المخلص الذي أثبت -عبر كتبه ودراساته- أن الإسلام ليس دينًا [صلبًا] جامدًا، أو مجموعة من الأوامر المحددة، كما أثبت أيضًا عبر تحليل خطاباته وتأويل نصوصه أنه ليس دينًا عنيفًا أو إرهابيًا بطبيعته، وأن أي دين يمكن إساءة استخدامه، وتسييسه، والتلاعب به لصالح خدمة أيديولوجيا معيّنة..

إن ما قدمه نصر أبو زيد، حقا، للثقافة العربية والإسلامية أكبر من أن يختزل في كلمة هنا أو تقدير هناك.. وفي يومٍ ما (كنتُ أظنه قريبًا) سيعيد جيلٌ جديد قراءة ما كتبه نصر، وسيكتشفون نضارةَ وحيوية أفكاره القابلة للتطوير والتجديد، وسيعرفون أنه غرس بذورًا ناضجة ستؤتي أكلها ما تحقق شرط نموها وانتشارها من حرية وعدل وعدالة، سعى إليها طيلة عمره.

إقرأ أيضًا: إعادة تعريف القرآن في مشروع نصر أبوزيد (من النص إلى الخطاب)

ولعل ما يؤكد ذلك، ويبشر به، تلك الحالة من الاهتمام المتزايد والحضور الكبير لسيرة ومشروع المفكر الراحل في الثقافة العربية المعاصرة؛ أما الأكثر لفتا للانتباه وإثارة للدهشة، فعلًا، فهو حضور أفكاره بين شرائح واسعة من الشباب المثقف على امتداد العالم العربي من المحيط إلى الخليج.. الإقبال الكبير على قراءة كتب نصر أبو زيد وفهمه، الطبعات المتجددة من أعماله، الاعتناء بنشر أعماله الكاملة في أكثر من جهة ومؤسسة علمية مرموقة.

(2)

كانت سنوات التسعينيات من القرن الماضي[1] صاخبة، مليئة بأحداث العنف والاغتيالات، وجرى الدم أنهارًا؛ محاولات اغتيال وزراء وسياسيين ومفكرين وكتابًا، بل وصل الأمر إلى ذروته بمحاولة اغتيال رئيس الجمهورية ذاته الراحل حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995.

نجح الإرهابيون في اغتيال رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب آنذاك، واغتالوا الكاتب والمفكر المسالم فرج فودة (كان أحد كبار كتاب مجلة أكتوبر في ذلك الوقت)، وكادوا أن ينجحوا في اغتيال نجيب محفوظ عام 1994 (وكان شيخًا كبيرًا في الثالثة والثمانين من عمره)

في هذه الأثناء، وفي ذروة ما كان الإسلاميون يسيطرون تقريبًا على المجال العام بأكمله… (الزوايا والمساجد، وأنشطة العمل الأهلي والجمعيات الخيرية، والنقابات، وشرائح واسعة من طبقة رجال الأعمال، ونجحوا بتواطؤٍ غير مفهوم مع السلطة آنذاك في التغلغل في كل مناحي الحياة في الريف والصعيد والمناطق النائية والمهمشة، كل ذلك كان بعلم ومعرفة أجهزة الدولة الحكومية، وجرى التغاضي عنها كأنها ليست موجودة، وفرضوا سيطرتهم بالكامل أو يكاد على مفاصل وشرايين وأوردة العمل الاجتماعي بصورة لم تحدث من قبل).

في ذلك الوقت، كان من الجنون أن يظهر كاتب أو باحث أو مفكر من خارج دائرة التيار الإسلامي، ويتجرأ على نقد بعض الأفكار أو المشروعات أو الموضوعات التي كانوا يحاولون من خلالها فرض الهيمنة الكاملة على ذهنية المجتمع كله. (على سبيل المثال لا الحصر: شركات توظيف الأموال، الدعوات المحمومة لأسلمة العلوم والمعارف، بل أسلمة المجتمع بأكمله، تغيير المزاج المصري المعتدل المحب للحياة والفنون والآداب لحساب صبغة دينية متطرفة شكلًا ومظهرًا، ومعاداة العلوم الإنسانية والاجتماعية والمعارف النظرية، وكراهة الفن بأنواعه وكل أشكال الإبداع المكتوب والمسموع والمرئي، وتأجيج الفتنة الطائفية، ومحاولة السيطرة على التعليم وإنشاء كيانات موازية من خلال ما يُسمى بالمدارس الإسلامية، والمعاهد الإسلامية الخاصة، والتسلل إلى مؤسسات التعليم الرسمية، ووضع المناهج، وقد حققوا في ذلك مكاسب كبيرة جدًّا لم تلتفت إليها الدولة، ولم تنتبه لها حتى اللحظة.. إلخ).

في هذه السنوات المشحونة، كان نصر أبو زيد أستاذًا مرموقا للدراسات اللغوية والإسلامية بكلية الآداب جامعة القاهرة، وأصدر ثلاثة كتب؛ كان من أهمها «مفهوم النص ـ دراسة في علوم القرآن»[2].

إقرأ أيضًا: تأثير التيارات الفكرية في العقل العربي

حمل كتابه هذا، بذور حلمه المنهجي الكبير بتأسيس منهج “نقدي” لدراسة الخطاب الديني على أسسٍ علمية حديثة؛ يقصدُ إلى طرائق الخطاب الذي يصنعه البشر عن الدين وحوله، من حيث هي طرائق مرتبطة بمصالح صنّاع الخطاب، ومنافعهم الدنيوية بالدرجة الأولى، ومن ثمّ جاءت اجتهاداته الحرة الجريئة التي دفعت به إلى التعمق طويلًا في دراسة نظريات التأويل “الهرمنيوطيقا“، وعلوم اللغة بمنهجياتها المعاصرة؛ وأدواتها التحليلية المنضبطة، وتوظيف ذلك كله في دراسة الخطاب الديني.

وكل ما كتبه أبو زيد يدخل في هذه الدائرة من دراسة الخطاب الذي ينتجه البشر عن دينهم، وعبارته “نقدُ الخطاب الديني” لا تنصرف، قط، إلى نقد الدين وإنما نقد “مفاهيمه التأويلية“، و”تصوراته التفسيرية” في أذهان المؤمنين به أو الممارسين له أو الدارسين لنصوصه على السواء، كما أن إطاره المرجعي في ذلك كله هو الميراث العقلاني للمعتزلة على وجه الخصوص. أو كما يقول المرحوم محمود أمين العالم في قراءته لخطاب نصر أبو زيد التجديدي “التأويلي”:

  • “نقطة البداية في قراءة الدكتور أبو زيد للخطاب الديني هي تفرقته بين الدين والفكر الديني. فالدين -كما يقول- هو مجموعة النصوص المقدسة الثابتة تاريخيًّا، في حين أن الفكر الديني هو الاجتهادات البشرية لفهم هذه النصوص واستخراج دلالتها”.
  • في «مفهوم النص»، اندفع نصر بحماس كبير وطموح أكبر إلى البحث عن “مفهوم النص” من خلال علوم القرآن للاقتراب من “صياغة الوعي العلمي لهذا التراث”.

وكانت نقطة البدء هي البحث عن “النص” باعتباره هو نفسه طريق إلى تحديد ماهية القرآن. وهكذا كان “التأويل” هو الوجه الآخر للنص، وبالتالي المدخل المركزي في دراسة القرآن، باعتباره نصًا لغويًا.

لقد كان نصر أبو زيد واعيًا تمامًا بالإشكاليات المركبة التي أحاطت بالقرآن الكريم، وعلى رأسها “تحول النص إلى سلطة” مما أدى به إلى أن يدخل دائرة التكرار والجمود، وذلك لاستحالة التعاطي معه، بما هو “سلطة”، على نحوٍ يسمح بتفجير دلالاته الكامنة الخصبة.

ولعل هذا ما حدَا بعددٍ من الباحثين بعد أن قرأوا «مفهوم النص» إلى القول بأنَّ “أي سعي إلى صوغ علاقة مع القرآن (وأكرر علاقة جديدة مع القرآن) سيجد نفسه ملزمًا بالبدء من الاجتهاد الثمين الذي قدمه نصر أبو زيد، وهو الاجتهاد الذي يعجز الكثيرون عن الإمساك بجوهره العميق لما يتخبطون فيه من سوء الفهم“[3].

(3)

لكن نصر لم يكتف بجهوده البحثية والأكاديمية داخل الجامعة، وتصدى بكل شجاعة وجرأة لفضح ألاعيب الإسلاميين، وكشف مؤامراتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان الأخطر (وهو الذي انتبهوا له جميعًا، وقرروا الوقوف في وجهه بكل عنفٍ وشراسة ووحشية) هو فضح أساليبهم التحايلية، وآلياتهم الإجرائية في التلاعب بالعقول والسيطرة عليها.

وكَشَف أبو زيد -عبر تحليلاتٍ منهجية منضبطة- خطابهم التخييلي الزائف في كتابه المرجعي المهم «نقد الخطاب الديني»[4] الذي كان، وما زال من وجهة نظري، أهمّ ما صدر في فضح وكشف زيف الدعاوى التي يرددها تيار الإسلام السياسي على كل المستويات؛ الدينية والسياسية والاجتماعية…

ولا نكاد نجد إلى جانبه (أي كتاب نقد الخطاب الديني)، خلال تلك الفترة، من استخدم مفهوم أو مصطلح الخطاب الديني، أو تجديد الخطاب الديني سوى الدكتور محمود حمدي زقزوق[5] في كتاباته المنشورة -آنذاك-

لماذا -إذن- ثارت ثائرة الإسلاميين على نصر أبو زيد بعد صدور هذا الكتاب؟ ولماذا قرروا حينها مطاردته والتخلص منه نهائيا؟ وما حقيقة الخلاف الجذري بين أفكار نصر أبو زيد وتيار الإسلام السياسي كله؟

الأمر يمكن النظر له من زاويتين:

  • الأولى يتشبث الإسلاميون بالماضي، وهو ما يروق لمن يجدون في التغيير والتطور وضعًا يهدد وجودهم. أما المفكرون المستقلون الأحرار، مثل نصر أبو زيد، فلا يعتبر التراث الإسلامي مُقدسًا في ذاته، يوضح “لقد نبعت الدراسات الإسلامية دائمًا من الفهم البشري للدين، ومع تقدم الثقافة ونموها، تحتاج مهارتنا الفكرية للتطور في تعاملها مع القرآن أيضًا. إن مناهج البحث الحديثة يمكنها أن تساعدنا في معرفة كيفية تطبيق القرآن بطريقة مفيدة ذات جدوى في عالمنا المتغير”.
  • لم يكن خلاف نصر مع الإسلاميين، قطّ، حول الدين، لكنه كان حول الفكر الديني (وهو فكر بشري) يأتي، وفي هذه الحالة، بشكل خاص من الإسلاميين؛ تنطوي الشريعة على القوانين (أو الأحكام) المستقاة من القرآن والسنة النبوية “مجموع الأحاديث التي رويت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وأفعاله التي رويت عنه”، ولم تذكر بالقرآن.

يدعي الإسلاميون أن قانون الشريعة الإسلامية هو قانون إلهي غير قابل للتعديل أو التطوير وصالح لكل زمان ومكان، فيما كان يرى نصر أبو زيد، وآخرون يسبقونه مثل الإمام الشيخ محمد عبده، على النقيض من ذلك، يرون أن قانون الشريعة هو تفسير بشري للمبادئ التي ذُكرت بالقرآن والتاريخ الإسلامي. يقول نصر

“الإسلام دين مرن، وحين نتعامل بمبادئ المنطق مع النصوص المقدسة، فإننا نحسِّن من وضع الفرد والمجتمع من خلال تطبيقهم للتفسير القرآني في ضوء كلمة الله”.

(4)

في «نقد الخطاب الديني» أعلن نصر وبكل شجاعة فكرية أن “الحديث عن ضرورة وجود مناطق فكرية آمنة بمعزل عن التساؤل والنقد والنقاش الحر هو مقدمة الحجر على العقول‏،‏ وممارسة سلطة رقابية لا وجود لها في تاريخ الفكر الإسلامي‏.‏. وحين وُجدت كان هذا إيذانًا ببداية النهاية‏،‏ ودخول عصر الجمود والانحطاط في كل المجالات‏،‏ لا في مجال الخطاب الديني وحده“.

عن قصد، استخدم أبو زيد مصطلح “الخطاب الديني“، وليس “الفكر الديني“، حيث تشير كلمة “الخطاب” إلى أي نوع من الخطاب المسموع أو المكتوب، بل والسلوك الاجتماعي أيضًا، لكن حين تتحدث عن “الفكر” فأنت تتعامل مع نية الكاتب، فمن الممكن لأي خطاب (سياسي، ديني أو اجتماعي) أن يوصل أفكار ليس لها علاقة بنية الكاتب. على الرغم من النيات الطيبة، قد يخلق الخطاب زوبعة كبيرة، فالخطب والكتابات والسلوك الاجتماعي تحمل المعنى بداخلها وتحل في داخلهم (أي المتأثرين بهذا الخطاب).

كان نصر أبو زيد هو المدشن الحقيقي والأكثر تأثيرا لمصطلح الخطاب الديني في الفكر العربي المعاصر، بعد كتاب نصر بسنوات؛ ستصدر كتبٌ أخرى موضوعها الخطاب الديني؛ «صور من الخطاب الديني المعاصر»، و«صوت الإمام الخطاب الديني من السياق إلى التلقي»، وكلاهما لأستاذ الاجتماع المعروف الدكتور أحمد زايد، وغيرهما من الكتب التي صدرت لاحقًا.

يقول نصر “حين بدأتُ في كتاب «نقد الخطاب الديني»، أردت أن أذكر الاعتبارات الموروثة في الخطاب الديني. ما هي نقطة البداية؟ ما هو ما يأخذه الناس على عواهله؟ اكتشفت أن الخطابين الديني والسياسي يتشابهان، كلاهما ينطلق من فرضيات غير مختبرة.

الفرضية الأولى للخطاب الديني هي أن السيادة الإلهية مطلقة، يتبع ذلك ثنائية أن الله يملك الحكمة والمعرفة، البشر جاهلون والله هو القوي، الناس ضعفاء، لذا فأي ما يأمر به الله يؤخذ حرفيًا. النص يتكلم بنفسه، فماذا تعرف أنت أيها الانسان الجاهل والضعيف على أي حال؟

إقرأ أيضًا: 33 عامًا على اغتياله لإعلان رفضه لمشروع الدولة الدينية: فرج فودة.. شهادة من حقبة التسعينيات

بالنسبة للمفكرين الإسلاميين الأصوليين، وهناك الكثير منهم يتصدر لهذا الخطاب بمصر، هذه هي تحديدًا الصورة التي يملكونها. هم لا يرون في الناس كيانات اجتماعية نشطة في الحوار مع الله، بل مجرد كائنات توجد في فضاء منفصل عنه، وعليه فاستخدام العلوم الاجتماعية لفهم القرآن، لا يتعدى كونه هراء.

أما الخطاب السياسي بالعالم الإسلامي فهو ليس بنفس حدة وجمود الخطاب الديني، لكنه يتبع نفس النسق. في التعبير الديني يعبر الإقصاء عن نفسه من خلال تصور أن هناك جسرًا غير قابل للعبور يوجد بين الله والإنسان.

(5)

في «نقد الخطاب الديني»، كشف نصر أبو زيد العلاقة التي تربط بين خطاب الإسلام السياسي في مصر، والفضيحة الاقتصادية والاجتماعية التي تسببت فيها شركات توظيف الأموال الإسلامية.. لقد نشر شيوخ الإسلاميين عددًا من الفتاوى يدينون بها نظام البنوك السائد في مصر؛ لأنه من وجهة نظرهم يعمل على فائدة ثابتة، وهو “الربا” كما وصفوه، ومن هنا تأتي حرمانيته.

ثم انتشرت شركات توظيف الأموال الإسلامية كمؤسسات بديلة للتعامل الربوي للبنوك الغربية، أو هكذا كانوا يدعون، هذه الشركات الاستثمارية ومن ضمنها مجموعة (الريان)، و(السعد)، وما شابههما، ادعت أنها أُنشئت حسب المبادئ الإسلامية، ونتيجة لهذه الفتاوى، أودع الكثير من المصريين أموالهم في هذه الشركات، والتي كانت موضوع فضيحة عام 1988. وضع مئات الآلاف من المصريين ثقتهم في ممثلي هذه الشركات، وانجذبوا للطابع الديني الذي داعبَ مشاعرهم، وخسروا مدخراتهم، واُتهم عبد الصبور شاهين، المستشار الديني لشركة (الريان)، بالتلاعب بمدخرات المودعين.

كان نصر أبو زيد قد تقدم بهذا الكتاب الذي يفضح فيه ممارسات الإسلاميين، مع كتبٍ أخرى، إلى لجنة الترقيات لدرجة الأستاذية. وكان عبد الصبور شاهين نفسه عضوا باللجنة التي ستنظر في إنتاج نصر أبو زيد! لقد وقع بين فكيه! وبدأت المأسأة!

يقول نصر “هكذا أُدرِك شعور شاهين بالإهانة لدى قراءته لمقدمة كتابي، وهو أحد الكتابين اللذين تقدمتُ بهما للجنة الترقيات بالجامعة. في تقريره، لم يعلق على مجمل أعمالي البحثية، بل لم يتعرض بالنقد لمنهجية البحث التي استخدمتها”.

(6)

أظن، وبعد مرور خمسة وثلاثين عامًا من صدور هذا الكتاب؛ وما تعرض له نصر أبو زيد من هجوم عنيف تركز في مجمله، وأغلبه، على ما ورد في هذا الكتاب الخطير، قد ثبتت صحة الأطروحات والنتائج التي قدمها عبر فصوله ودراساته في معرض تحليله العميق للخطاب الديني؛ في مستوياته واتجاهاته المختلفة، الرسمي منها والمعارض، الذي يصفُ نفسه بالاعتدال والمتطرف، اليميني منه واليساري، السلفي والتجديدي.. إلخ.

كان «نقد الخطاب الديني» أول تحليل منهجي وعلمي دقيق لأهم ظاهرة أفرزتها تيارات الإسلام السياسي، آنذاك، وهي ما أطلقوا عليه “الصحوة الإسلامية“؛ أو بالمصطلح السيسيولوجي الدقيق ظاهرة “المد الديني الإسلامي” التي يمكن التأريخ لها إجرائيا بعام 1975 بعد أن قرر الرئيس السادات الإفراج عن الإسلاميين، وإخراجهم من السجون والتحالف معهم لضرب القوى الناصرية واليسارية المختلفة، وحتى ذروة ما وصلت إليه من نفوذ واكتساح في المجتمع المصري طوال عقد التسعينيات بأكمله.

كان الكتاب، وما زال، أهم تحليل علمي منهجي فكَّك أبجديات الخطاب الديني السائد كله، من حيث آلياته ومنطلقاته الفكرية، وتوقف بالتحليل والفهم أمام تفسيراتهم للنص الديني، ومفاهيمهم الكبرى التي انطلقوا منها لتسييج وتأطير كل الممارسات الحياتية وتفاصيل الحياة اليومية لملايين البشر بدعوى أنها “إسلامية”؛ كان على رأس هذه المفاهيم “الحاكمية”، و”النص”، و”التراث”، و”السلف”، و”الإجماع”، و”الشريعة”… إلخ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش والمراجع:

[1]– من أفضل ما كتب عن هذه الحقبة وما جرى فيها كتب المرحوم الدكتور غالي شكري، وبالأخص كتابه المهم «أقنعة الإرهاب ـ البحث عن علمانية جديدة»، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، 1990. وكتابه الآخر «ثقافة النظام العشوائي: تكفير العقل وعقل التكفير»، القاهرة، كتاب الأهالي، 1994.

[2]– صدر عام 1990 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، بالقاهرة.

[3]– علي مبروك في مقدمته لكتاب «نصوص حول القرآن، في السعي وراء القرآن الحي»، المركز الثقافي العربي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الطبعة الأولى، 2015.

[4]– صدرت الطبعة الأولى من كتاب «نقد الخطاب الديني» في يونيو 1990، وربما كان هو الأول من نوعه في مواجهة تيارات الإسلام السياسي، ونقدها جذريًّا.

[5]– المرحوم الدكتور حمدي زقزوق تولى حقيبة وزارة الأوقاف المصرية منذ عام 1996 وحتى عام 2004. وكان له الفضل الأول في ترويج مصطلح «تجديد الخطاب الديني» وإشاعته، في أوساط المؤسسة الدينية الرسمية، لكثرة ما كان يُلحّ على “تجديد الفكر الديني” أو “تجديد الخطاب الديني” في أنشطة وزارة الأوقاف الخاصة بالثقافة الدينية، وتجديد الفكر الديني أو الخطاب الديني على السواء.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete