نقد الفكر التقليدي في كتابات عبد الله العروي: من تعقُّب مثالبه إلى دعوى القطيعة مع الموروث (اللغة العتيقة نموذجًا)

 تكوين

مقدمة:

ما انفكّ عبد الله العروي يبدي توجُّسًا بائنًا تجاه الفكر السلفي-التقليدي، وينظر إليه نظرةَ مقتٍ وازدراء، وما فتئ أيضًا يؤكّد أنّه سيُكرِّسُ جهوده البحثية والنقدية لمُعاكسته([1])؛ ولعلّ هذه المحاربة نجد منبعها في أنّ العروي استشفَّ أنَّ الفكر السلفيَّ يُعادي الغرب المادي والثقافي، ويُناهض أيَّ شيءٍ تمخض عن الضفة الأخرى؛ لأنّها، في عين المنتسبين إلى هذه النّظيمة، تهدد هويَّتهم وقد تخدشُ خصوصيتهم وأصالتهم، فضلًا عن أنَّها تُبخسُ لغتهم، وتنظرُ نظرة اتّضاعٍ إلى تراثهم المكتظ بالمعارف والعلوم التي سبقوا الغرب إليها في زمنٍ بعيد، دون إغفال أنّ الفكر السلفي يستنجدُ بالماضي ويجترُّ نظرياته دون أن يعرف جدواهُ في إعانته في فكِّ المعضلات التي حوَّطته. ومن ثمّة فإنّ إحياء التراث وبعث الماضي والسير في مسار السلف “الصالح” وجعل العقيدة هي النّاموس المُحرّك للمُجتمع والاحتماء بأمجاد الأجداد، ورفض أي ثقافةٍ دخيلة شرعت في التسرُّبِ إلينا ويُمكن النّهل والاقتباس منها بعد إدراك التأخر والوعي بالنّقص والاعتراف بهما، وتبنيّ فكرة أنّ العرب سبقوا الغرب في معارف كثيرة وأنّ تكالب تصاريف الأحوال جعلت الحضارة العربية تأفل ويخبو بريقها، وعدم إيلاء الاهتمام للفكر التاريخي وعدم قبول منطقه ([2]) باعتبار أنّ التاريخ كونيٌّ يسري على كل البشر وأنّ قوانين التطور شمولية ويخضع لها المجتمع. هذه مُجمل الحواف التي يقف عليها هذا الفكر المتكئ على العاطفة والوجدان لا على العقل والمنطق (ابتكر العروي مفهومًا أراد به تحقيق الترادف مع مفهوم الوجدان ألا وهو: “اعتقاد الكشف”([3]))؛ لذا فإنّه خطابٌ يجدُ سبيلاً مختصرًا إلى التأثير في العرب ودغدغة عواطفهم واستمالة ألبابهم لأنّهم يستشعرون داء النّقص ويُرجعون نائبة التأخر إلى تآمر الغرب عليهم، ولم يستسيغوا بائقة النّكوص والتقهقر اللذين مسَّا حضارةً بأكملها، وعليه فإنّهم يأبقون إلى إرث الأجداد لضخّ الحنين في النفس، والارتقاء بالعقل بعيدًا عن الواقع، وهذا الأخير لا يفتر عن نسفِ كلّ هذا الحنين إلى التراث، ولا يتبرّم من تبيان أنّ الهرب إلى الماضي حلٌّ مؤقتٌ في ظلّ هذا الإخفاق الخانق. لا دهشة في القول إنّ العروي يرفضُ الفكر السلفي على غرار رفض خواصهِ جُملة وتفصيلا، ولا يتوانى في مُجادلة المُنتمين إليه ومناظرة أطروحاتهم وإقامة الحُجّة والدّليل على أخطائهم المعرفية والمنهجية([4])، ولربما هذه العبارة التي وردت في حوارٍ شائق مع عبد الله العروي: “فلتمُت الأفكار الميّتة لكي يحيا الناس”([5]) هي إلماعةٌ سَنِيَّةٌ على هذا الرّفض القطعي للفكر السلفي علمًا أنّه لا ينكر وجود هذا الفكر باعتباره “حدثًا” من أحداث التاريخ العديدة والعابرة لكنه في المقابل يرفضهُ “كقيمة”([6])؛ أو بالأحرى فإنّه يعترضُ على الموقف الذي يذود عن منظومة الفكر السلفي ويعتقدُ أنَّ لها المقدرةُ على إعانة الكائن العربي في حلّ ورطاته الآنية التي أخذت تتناسلُ في سياقٍ شهِد الابتعاد عن ريادة العالم، وعدم تملّك العرب لمقاليد العلم الحديث رغم تحقيقهم لطفرةٍ علمية جديرة بالتأمل والتنقيب في زمنٍ ولى، والعجز عن تحيين اللغة العتيقة بما يتماشى مع مُقتضيات العصر والحائل دون ذلك هو استطارُ أطروحةٍ مضمونها أنّ العرب أمة برعتْ في قرض الشعر وتفوقت في إنشاده وتمكّنت من تطويع العربية بكلِّ إجادةٍ ويسرٍ باهرين علمًا أنّ العروي يتصدّى لهذا الطرح ويَصعق المتلقي مظهرًا مفارقةً فرية باعثةً على الانذهال حيث أقرَّ بأن اللغة المنمنمة هي لغة من نالت منهم الفاقة والإملاق وتدهورت أحوالهم وضلوا سبيل الرفه والعيش الأخضر بينما من غرق في بركة بحبوحة العيش والرخاء فإنه يتحاشى اللغة الأنيقة والأسلوب المرسل المسجوع ويميلُ إلى الكلام الصلف والفظ والخشن، وقد ضرب العروي المثال بالشاعر الأندلسي المعروف أبو عامر الذي اتّخذ من القصور الفخمة والرياضات الزاهية (جَمْعُ رياضٍ) مستقرًا له وكان في غاية الافتتان بالكلام الجلف والشّكسِ([7]). ناهيك عن المفارقة الثانية والمتجسدة في الإيمان الدائم بأنّ الإسلام كان أكثر حرية وليبرالية من الغرب الحديث؛ وإذاعة اعتقادٍ مفاده أنّ هذا الغرب يجب خوضُ حربٍ شعواءٍ ضدّهُ منعًا لتفسحه الدائم والمستباح، والأمثلةٌ على هذه المفارقة هي كثيرة قد لا تنقضي عدًّا.

  1. هل انهزام الفكر السلفي إيديولوجيًا إعلانٌ عن فشلِ دعواه؟

يأتي نقد العروي للموجة السلفية المؤمنة بقيمة الأصالة والهوية والموروث والخصوصية الثقافية ليس لأنّها عَادَتْ الليبرالية حيث هي نظريةٌ في الحرية ورفضت الماركسية في مختلف مراحلها أو لأنّها لم تُعِر للمنطق التاريخي أدنى اهتمام علمًا أنّه عنصرٌ جوهري في “حركة التقدم والتطور“([8])؛ بل إنّ نقده ذاك نابعٌ بصورة أساس من أنّ هذه الموجة قد تفوقت في المعركة الإيديولوجية التي خاضها روادها لردحٍ من الوقت لتستحكمَ باقتدار على ساحة الإيديولوجية العربية المعاصرة وتفوقت في التمدد والتوسع على الموجتين الأخريين: الليبراليون ودعاة التقنية والتصنيع، بل تعدّت ذلك واندستْ في الأحزاب التقدمية التي تنطلقُ من نظرياتٍ ومفاهيم غربية في الأساس لكنها نفذت إليها وأثرت فيها([9])، وهنا بدأت خطورة هذا التيار الذي فرض على العروي تكريس كتاباته ومجهوداته البحثية لإفشاء جسامتهِ على الفكر والثقافة، والمُصارحة بأنّ أول عائقٍ أعاق العملية الإصلاحية وعطَّل الحلم الثقافيّ الكبير والمرجو: النّهضة، هو الاتجاه السلفي التقليدي. منذ أنْ توصل العروي إلى نتيجةٍ مفادها أنّ الخسارة الإيديولوجية ضدّ المدّ السلفي هي أصعب وأقوى من الإخفاق السياسي، ذلك أنّ الخوَر الإيديولوجي هو بابٌ أمام النّقص السياسي([10])، فقد باشر مناهضته لهذه الموجة، ولعلّ ما ينم عن ذلك هو أنّ القارئ لا يُمكن أن يُطالعَ مؤلفًا دون أن يجد تلميحًا نقديًا ملغزًا إلى هذه المنظومة أو إلماعةً صريحة وعلنية بضرورة مُحاربة هذا التوجه الإيديولوجي الذي استأثر بالثقافة العربية. تتجلى أهمية النقد الإيديولوجي في المشروع الفكري لعبد الله العروي في أنّه يُفيد تحديث الفكر والذهنية؛ على اعتبار أنّ هذا التحديث هو هاجسٌ أهمُّ وأولى من الهاجسين السياسي والاقتصادي عند العروي. نقرأ له في هذا السياق: “ينبغي أن نعي بأنّ التحديث الحقيقي هو تحديث الفكر”([11]). ذلك أنّ هذا التحديث منه يُستهلُّ تحديث باقي المجالات؛ لأنّ الفكر هو الذي يتحكَّمُ ويستحوذُ؛ فإذا تعسّر تحديث الذهنية فكيف يُمكن تحديث العملية السياسية والارتقاء بالوعي السياسي لدى الفرد العربي؟ وكيف يُمكن تأسيس اقتصادٍ قويٍّ ومتين في ظلّ التخلف الفكريّ؟ ويُمكن تأويل هذا الهمّ الفكري لدى العروي بأنّه تبرير في غاية الإقناع لتبنّيه منطق الماركسية الموضوعية التي انتشلت دولًا شيوعيةً عديدة من مُستنقع التخلف: الصين، فيتنام، وسنغافورة… إلخ بعدما “فهموا الماركسية بشكلٍ فعّال وبدأوا يتحررون من الأوهام التي تتمخض عن هذا الماضي”([12])، وهذا الفهم والتحرر ما كان ليتأتّى لولا إحراز الماركسية لـ “تحديث في ذهنية هذه الأمم وما يعقبُ ذلك من آثار ملموسة في مجالي الاجتماع والممارسة السياسية”([13]). لقد أسعف النّقد الإيديولوجي الذي متحهُ العروي من ماركس الشاب مؤلف “الإيديولوجية الألمانية” في أن يقتحمَ المعركة الإيديولوجية “الضارية” التي عمّت بلاد العرب بين السلفي والليبرالي وداعية التقنية وبهذه المعركة تكون هذه الموجات الثلاث قد نجحت في تكوين “تحالفٍ بينهم ضدّ الدولة الجديدة”([14])، وهذه الإعانة التي قدّمتها له الممارسة الإيديولوجية جعلتهُ يُغدق على عدوه الأول؛ ونعني رجل التقليد وداعي الأصالة، بجملةٍ من التوجيهات المنهجية لتجاوز التأخر وبناء حضارةٍ تملك استقلالًا ذاتيًا يتجلى في تحديث الفكر وتملُّك أدوات العلم الحديث حتى لا تصير صاغرة وخاضعةً لأيّ جهةٍ خارجية، كما تنمازُ بوعيٍّ سياسيٍّ يُحارب الأمية والاستبداد وينشد الحرية والديمقراطية. وهذه التوجيهات يُمكن إيجازها في الآتي: أولًا؛ الابتعاد عن اجتراح ثقافة تدور حول العرب فقط لأنّ ذلك سيعمِّقُ العزلة الثقافية وسيجعل المثقفين العرب بعيدين عن سائر كيانات العالم وسيكون هذا الاجتراح بمثابة “خلق فلكلورٍ جديد”. ثانيًا؛ إنَّ ابتغاء بعث ثقافة الماضي وبثِّ الروح فيها مجدّدًا وجعلها الإقليد الأول لتسيير شؤون الحاضر وتدبير إكراهات العصر هو توقٌ سيؤدي بلا شك إلى رفض الثقافة المتحكمة في العالم: الثقافة الغربية، ومن ثمَّ لا مهرب للعرب من السير على خطَّين اثنين هما: “التجربة والمُخاطرة”، ويعني بهما العروي الانطلاق من هذه الثقافة المعاصرة المرفوضة، وهي “ثقافة من خواصها القوة والتكاثر ولا تفترّ كذلك عن الغزو”([15]) متى سنحت الفرصة بذلك، ويُظهرون أنّها ثقافةٌ ساريةٌ ودارجةٌ تُعاني غياب التجربة؛ أي تجربة العرب أنفسهم، ولا يُمكن أن تُحرز هذه التجربة إلّا باختلاق شخصية جديدة وإبداع تعبيرٍ مبتكرٍ وإحساسٍ جديد عندهم([16]) يُنافي ما انصرم ومضى، ثم ضرورة “معرفة معطيات الثقافة الحديثة”([17]) دون التفريط في “التجربة التاريخية الخاصة”([18])، وهنا نلمحُ تأكيدًا صريحًا منه إلى وجوب العودة إلى منطق التاريخ؛ أي الحرية والتطور؛ إذ بهما يستطيع الفرد الوعيَ بتأخره ويعترف به ثم يشرعُ في التنقيب عن الحلول الميسرة ليتخطى نكبته التاريخية، فلا تقدم بدون تاريخ إذن، لأنّ الوقائع التاريخية لا تحدث اعتباطًا بل إنّها ترنو غايةً محددة لا يعرفها الإنسان إلاّ في تجربة الحاضر الذي يتأثرُ تأثرًا واضحًا بالماضي مهما كان بعيدًا، ومن هنا ينشأ أنّه لا اعتباطية في التاريخ وما يقع فيه. ونجد من بين هذه التوجيهات أو الشروط التي تفضَّل بها العروي، التائق إلى تحديث الفكر، أن يضع رجل الأصالة نصب عينيه هدفَ “إذكاء الوعي”([19]) لمُحاربة التخيلات الأسطورية والخرافة ومُقاومة الجهل والاتّضاع الثقافي؛ ذلك أنّ غياب الوعي يُقوِّي حضور اللاوعي ويُنعشهُ بشكل كبير جدًا، ولعل أبرز ما يتمخّضُ عن ذلك هو إنتاج شكلٍ جديد من “الفولكلور” من حيثُ هو، في رأي داعي الماركسية الموضوعية، “احتقار للماضي والحاضر” في الآن نفسه.

وكانت آخر هذه التوجيهات هي: حتمية تفادي السلفي لمُعاداة الليبرالية لأنّها هي حاضره الذي لا يستطيع تجنبه والتنحي عنه بعيدًا إلى جانب تحاشي التكرُّه من الدولة القومية لأنّها كانت مستقبله وحاضر بعض الرُّقَعِ العربيةِ([20]). هل النّهضة الفكرية المرجوة في الذهنية العربية والمرتقبة في المخيال العربي لما ينيف عن قرنين من الزمن سيصل إليها المثقف العربي إذا اتّبع هذه التوجيهات وطبَّقها بحذافيرها كليًا؟ يُجيب العروي عن هذا السؤال المُفترض إجابةً في غاية الاقتضاب والإيجاز وملحًا أيضًا على ضرورة العناية بالإنسان وتسخير المكاسب كلها لخدمته ما دامت أنّ الغاية الأسمى للحداثة هي سعادة الكائن البشري: “إذا اجتمعت هذه الشروط ظهر أنَّ الكثير من المسائل التي تبدو مُتنافرةً؛ هي في الواقع في غاية التكامل والتلازم”([21]). وإذا حصل العكس فإنّ العرب عامةً سيجبرون على دخول غمار جدليةٍ بالكاد لا تتوقف رحاها وهي الجدلية التي سمّاها العروي بـ “المستقبل-الماضي”، وهي حينما يصير السلفي يعيش انفصامًا بين ماضٍ أفل وانتهى ولا قدرة له على إعانته في تخطّي إكراهات الحاضر، وبين مستقبلٍ يتمناه ويبتغي الوصول إليه لكنه تحقق في بيئةٍ أخرى قريبة منه بيد أنّه يرفضُ الأخذ منها أو عيش التجربة نفسها([22])، ماذا يبقى له إذن؟ العودة إلى الماضي والاحتماء بالحنين وسرد مجد الأسلاف والتبجح بانتصارات الأجداد، وبمجرّد أن يعود من هذا الماضي يستفيق على وقع الصدمة: لايزال ثابتًا في مكانه. لم يسعفه ابن رشد ولا الغزالي ولا الخليفة المأمون، في حين أنّ تجربةً جاهزةً بمُكنته الانغمار فيها والنهل منها وعيش أشواطها والمراحل التي مرّت منها بصورة مماثلة، وحينما نرى أنفسنا قد استعدنا لياقتنا الحضارية وعدنا إلى ركب النّهضة والتقدم حقَّ لنا حينها الحذف والاختزال كما نبتغي، ونشرع في تأسيس تجربة جديدة تقوم على أنقاض “التجربة المقتبسة”. يرفضُ السلفي الاقتباس لأنّه يخال إليه أنّ الإسلام صكّ شروط الحياة، ووضع نواميس العيش، وأنّ أجداده عاشوا مجدًا نطَّ على مجد الغربيين فلماذا يعود إليهم ويقتبس منهم وهم كانوا منبهرين بالأجداد. والحقيقة أنّ هذا الاعتقاد الدارج قابلٌ للنقاش والردّ عليه.

لنأخذ ببساطة التجربة التقنية التي اكتسحت العالم الآن من صنعها ومن توصل إليها؟ طبعًا الغرب وفي وقت لاحق التحقت بهم دولٌ من آسيا التي حققت نهضةً استثنائية بعد انسلال الماركسية الشيوعية إلى مجتمعاتها. هل السلفي الآن حينما يلمُّ به ألمٌ في بدنه هل يتّجه صوب “الطب النبوي” ويتداوى بالأعشاب أم يلتجئ إلى الطبيب الذي يصف له الأدوية التي حاربت أعتى الأوبئة التي اجتاحت العالم في وقتٍ سابق وكان الغرب هو من توصل إليها وطوّرها؟ ثم هبْ أي دولة من الدول العربية التي ينتسب إليها سلفيٌّ منتمٍ إلى دعاة الأصالة هل تبتدع الأسلحة أم تكتفي باستيرادها من دولٍ أحرزت ثورةً هائلة في تصنيع الأسلحة والمُعِدَّات الحربية؟ إنْ عاش الأجداد عصرًا مزدهرًا وحققوا إنارةً علمية وبلغوا كمالًا في التكتيكات الحربية مكّنهم من “دخول” دولٍ أخرى فذلك انحصر في ذاك الزمان أما زمننا هذا فيتوقفُ على الإنتاج وما يبلور إلى أفعال لا البقاء متقوقعين حول سلطان اللسان وثقافة الأذن، ويعتمدُ هذا العصر على وعيٍّ بمكتسبات الحداثة سواءٌ في السياسة أو الاقتصاد أو في الفكر، وإذا رُفضتْ الحداثة فلنقارن بين النتائج التي حصّلتها وبين العقابيل التي خلَّفها تراث الأجداد. لعل ما يستنبط مما يُلاحظ في واقعنا أنّ السلفي “الغاضب من ضياع هويته”([23]) يرفضُ “حداثة المعاني”([24]) المتمركزة على مفاهيم ونظريات انبثقت في التربة الغربية وفيها تكوّنت وتطورت وأخذت تتفشى وتتنشر مثل: حقوق الإنسان، الدولة العصرية، الديمقراطية التمثيلية، الليبرالية، …إلخ، ولأنّها مفاهيم غربية فهي دخيلةٌ على ثقافته ومن ثمَّ وجب مناهضتها لأنّها تمثل الغرب-العدو الإمبريالي للعالم الثالث، بينما، في المقابل، ينزع إلى تملُّك كل ما يُمثِّلُ “حداثة الأواني”([25]) المتجلّية أساسًا في الوسائل والآليات المادية([26]) الملموسة والمستعملة في الحياة اليومية من وسائل الاتصال، النقل، المعاملات المصرفية، التقنيات المستخدمة في الإدارات العمومية والجامعات، وهذا تناقضٌ فجٌّ وبغيض أو كما قال العروي: “انفصامٌ في ذاته”([27])؛ فإمّا أن ترفض ثقافةً برمتها: لغةً، وفكرًا، ومواد…إلخ، وإمّا تقبلها بلا تجزيئ أو اختزالٍ من شأنه أن يُفقد الثقافة مضمونها ويجعلها بعيدةً عن الغايات التي جاءت من أجلها. الظاهر أنَّ ما تقدَّمَ هو بيانٌ للمثالب التي راح ضحيتها السلفيُّ-الانتقائي وأضحت لصيقة به؛ إذ إنّ ما عكف عليه الانتقائيُّ في ثقافتنا هو تلقُّف ما يراه ملائمًا له من التراث أحيانًا، وحينة أخرى يرتمي في حضن الحداثة حينما يكون في عوزٍ وشظفٍ فكريين يرغمانه على القفول إلى منطق الغرب الحديث والارتشاف منه حتى يمتلئ.

إنّ هذا “الانفصام بين الواقع والوعي”([28]) المُستَبِدِّ بوجدان السلفي جعله تائهًا بين الحداثة والماضي دون أن يقفَ عند وجهةٍ محددة، وهذا التيه يُعمق جراحه ويجعلها غائرة عصيةً على الاندمال، ومردّ كلّ ذلك، حسب العروي، هو أنّ المُحتمي بالماضي “يصرُّ على رفض الغرب باسم الوفاء للتراث والأسلاف لأنّه أضاع ذاته القديمة حتى ذِكرى ماضيه”([29]). أثبت العروي أنّ السلفي-الشيخ هو الوحيد الذي يرى في التاريخ ما لا يراه الليبرالي وداعية التصنيع مثلًا؛ إذ يتخيل أنّ هذا الماضي هو “عصرٌ ذهبيٌّ تجلت فيه العدالة والحرية وتوازنت فيه أيضًا كل المكونات الطبيعية والإلهية والبشرية”([30])، ويحفلُ بالبطولات، ويكتظُّ بالشّخصيات الفخيمة؛ التي ما ينفكّ كل منهزمٍ واقعيًا عن التغنِّي بها، ومن ثمة لابد من بعثه مرة أخرى للعودة إلى الريادة وتحقيق “الانبعاث الحضاري” مجدّدًا؛ أو بمعنى آخر استعادة صدارة العالم، ودون هذا الموروث فإنَّ الضلال سيعتورُنا. لا يُوظّف السلفي التراث في سياق حلمه بإحراز نهضةٍ تضاهي نهضة الغرب-العدو في نظره، بل يُوظّفه في حملاته تُجاه الغرب في إطار الصراع الحضاري بين الغرب والشرق، ويُوظّفه في دعوته إلى تقفّي آثار السلف الصالحين والتمسّك بالعقيدة التي هي هديٌّ من الزيغ وتقويمٌ للاعوجاج، ويتّخذ هذا الخطاب حينما يزكّي نفسه، أثناء صراعه الإيديولوجي مع المتأفّفين من خطابه والمتضايقين من رؤاه أو خلال معركته مع الليبرالي أو مع داعية التقنية، يزكّيها بأنّه هو “الوارث الوحيد للتراث لأنّه يصون العقيدة”([31]) من وعورة الأعداء المتضايقين منها التي قادت أمّة بأكملها إلى وجاهةٍ وعظمةٍ كبيرتين جعلتها محطّ أنظار الأعداء المتوجسين من هذه الرفعة والتفوق، علاوة على توظيفه للموروث أيضًا في “مقاومة التوسع الاستعماري”([32]) الغاشم، كما يستخدمه في مناهضة “الدولة القومية المقيتة في عينه”([33])، ومن ثَمَّ يُستشفُّ أنَّ دعوته إلى الماضي لا تُستعمل في ظرفٍ معين بل يوظفها في سياقاتٍ معينة متطلعًا بهذا التوظيف إلى خدمة مآربه الذاتية، وطامحًا من خلال هذا الخطاب إلى عرقلة مسار التحديث و “شيطنة” الحداثة وكلّ ما نبَتَ ونضج في الحضارة الغربية متغافلًا عن منافع حصائلها وغير راضٍ بالأخذ منها، بالإضافة إلى رغبته في زيادة منسوب التراجع عن الركب الحضاري وجعل الصراع بين الشرق والغرب مستعرًا ومتصفًا بالدّيمومة والاستمرارية، في حين أنّ الليبرالي لا يكترث للماضي حينما يستشعر القوة والنفوذ، والأمر نفسه يتحقق لدى التكنوقراطي حينما يضمن القيادة([34])، لكن هل حينما يفقدان ذلك يعودان إليه؟

  1. الانتهاض مقترنٌ بالقطع مع التراث: الموروث اللغوي تحديدًا:

لا تماري في أنّ كلّ فقدانٍ وانكسارٍ وعجزٍ عن مواجهةٍ الواقع والعصر يؤدي إلى القفول إلى المنصرم والمُنقضي قصد تضميد هذا الانكسار، وهذا أمر طبيعي في الإنسان، ولهذا لا غرو في أنْ نجدَ الليبرالي العربي، مثلًا، يعود إلى الماضي ويفتخر بالبطولات “السياسية” التي عاشها الأسلاف، ويُقرُّ أيضًا أنّ الإسلام قد ذاد عن الحرية وقرّظها وبوأها درجةً حسيبة… إلخ. نقرأ لعبد الله العروي في هذا الصدد: “يرى الليبرالي في المعتزلة وفي الفلاسفة أنصار العقل (…) ويعكفُ على معاداة الدولة القومية ويدرس الآداب القديمة”([35]). أليس هذا إيضاحٌ في غاية الإقناع بأنّ الليبرالي حينما يستشعر الفشل ويداهمه الإخفاق الواقعي يعود إلى الماضي؟ أمِنَ المعقول أن يُعادي الدولة القومية وهو الليبرالي المتضايق من الاستبداد وانعدام الحريات والهضم السَّافر للحريات في مجتمعه والشّغوف بتشييد دولةٍ مُستقلّةٍ منتعشةٍ بالدّيمقراطية؟

لا يتفق العروي مع أطروحة السلفي بأنّه الوحيد الذي له حق الوراثة في التراث بدعوى أنّه كرس جهودًا كبيرة لرعاية التراث وصون العقيدة الدينية بحُسبانها تجليًّا من تجلِّيات الهوية والخصوصية والأصالة، وأيضًا بوسمها عقيدةً تصلح للأزمنة جميعها ولم يمسسها التحريف والتشويه بل ظلّت على الصورة نفسها التي تشكّلت عليها بعد الوحي. يأتي عدم اتفاق العروي مع هذه الأطروحة في وجهين: الوجه الأول يتجسدُ أساسًا في أنّ التراث ليس دينيًا بأكمله؛ أي ضرورة الفصل بين الديني والثقافي؛ والثقافة يعني بها العروي كلُّ ما يتصلُ “بالآداب (شعرًا أو نثرًا أو حكمًا) والفنون”([36])، ومن هنا ينشأ أنّ السلفي يدعو إلى تمسك بتراثٍ لا يعرف أهو دينيٌّ أو ثقافي، وبالكاد لا يُميزُ بينهما، ولم يتنبه أصلًا إلى التباين الموجود بينهما. هل نقّب السلفي في كتابات الفلاسفة ودارسي المنطق الأٍرسطي وفي مناظرات المعتزلة عن مظاهر العقل في ثقافته؟ هل عاد إلى العلوم التي علا كعبُ العرب فيها في زمنٍ معين؟ لا يدرس سوى السيرة ويعود إلى التفاسير ويقرأ ويُمحص كتب المؤولين للقرآن ويقفُ مطولًا عند الصحاح محاولًا استجلاء العِبر ويكبُّ كل الإكباب على منع أي زيغٍ أخلاقي في المجتمع؛ إذ من زاغ عن الأخلاق فإنّه قد زاغ العقيدة.

يُظهر العروي أنّ الثقافة في التراث العربي أخذت خمس سماتٍ رئيسة: الأولى هي أنّها “ثقافة متعالية” أو بمعنى آخر إنّ الثقافة التي أبدعها القدامى هي ثقافةٌ لا تعكسُ المجتمع وواقعه؛ حيث إنّ الكتّاب الذين اعتنوا بالتراث البدوي، مثلًا، كانوا بمبعد عن الحياة البدوية، والخاصية الثانية هي أنّ ثقافة العرب تُحيلُ إلى مجتمعٍ نال منه الاندثار رغم وجوده، والسبب راجع، في عين العروي، إلى ظهور الإسلام الذي ألغى تمامًا وجود المجتمع العربي القديم. السمة الثالثة تنكشفُ في انتفاعية الكتّاب والمفكرين الذين جعلوا أنفسهم في خدمة سدّة الحكم وتوجيهها وإرشادها وجعلوا كل ما دبَّجوه في ملكيتها وحينة أخرى لا يُؤلفون ويُبدعون إلا بأمرٍ منها، وهذا الأمر أتاحَ لهم انتفاعًا هائلًا من الريع وغنائم الحروب، بيد أن نظير ذلك هو الكتابة والتأليف والإبداع في ظلّ رقابة السلطان والعيش تحت كنفه ووسط حاشيته. السمة الرابعة، في تقدير العروي، هي أنّها ثقافة تدور حول إحرازِ المُتعة والاستلذاذ وأنها تنطلقُ من الإنسان وتعود إليه([37])؛ إذ هو، أي الإنسان، مداماكٌ لا غنى عنه في تأسيس الثقافة في أيّ بيئةٍ كانت، لأنّ الآداب، على سبيل التمثيل لا الحصر، لا تختلقُ إلّا لخدمة الإنسان وكشف همومه وشواغله والإبانة عن آماله وأمانيه، والترويح عن نفسه المكدودة من تعاور الأيام وتصاريف الأحوال، وتحديدًا الإنسان الخريع واللاغب، فالرواية، من باب التمثيل، هي دائمًا ما تخدم الإنسان الضعيف وتنتصر له، وتحاول انتشالهُ من غزو الإنسان القوي المتسلّط والغاشم. إنّ الحديث عن الآداب والفضائل المحمودة التي اتّصلت بها، والرواية جزءٌ منها، يمكن إيجازها في اتّصالها بالوجدان، ولعلّ ما يؤكد هذا الربط هو أنّه أقرَّ بأنّ غايتها تنحصرُ في “استمالة القارئ وإثارة شعوره”([38]) بغضِّ النّظر عن المادّة السردية والقضية المطروقة، وعليه فإن الرواية هي شكلٌ أدبيٌّ تبتغي الترويح عن النفس البشرية وعتقها من دوامة الهموم التي تفتك بها. لا تتقلّد الرواية هذه المَهمَّة فقط، بل لها مهامٌ أخرى من قبيل: الانكبابُ على قضايا المجتمع، وفضح أمراضه، وتشريح أعطابه النفسية، وإبراز المسكوت عنه والمقموع في الميدان الاجتماعي، ودواليب السياسة كذلك لا تُهملها ولا تتغافل عنها. ولعل هذا ما نجد العروي يؤكده أيضًا بقوله: “تصفُ الرّواية المركز حيث تستقرّ الدلالة وتتولّد حركة المُجتمع، وسواءٌ انطلق السّرد من المركز في اتجاه الأطراف أو سلك الطريق المُعاكس، فإنّ الرّواية تمثل في كلّ حال رحلةً استكشافية عن خبايا المُجتمع”([39]). يستنتج العروي بعد كشفه الانشقاق الموجود داخل تراث العرب بين الثقافة والعقيدة وهما في غاية التباين في نظره، ومن ثمّة فإنّه توصل إلى أنّ هذه الآداب التي بزغت في صحراء العرب لم يكن فيها ما يشير إلى وجوب “التعلق بالثقافة الإسلامية”([40]) والافتتان بها؛ إذ إنها راهنت على قيمة الإبداع، والرفع من حظوته، وسعت إلى تعزيز اللغة العربية وزيادة جماليتها مَضاءً والارتقاء بالذائقة العربية وشحذها، وتثبيت رويّة المتلقي، في حين أنّها لم تكترث إلى المنافحة عن الدين أو الذود عن العقيدة لأنّها كانت تعتني بـ “الآلهة والأساطير والفلسفة”، وهذا ما جعلها مبتعدةً كلّ الابتعاد عن الصراعات الدينية الضيِّقة. وخامس هذه الخواص هي ما كنّاها العروي بـ “الانشطار النفسي”([41]) ومعناها أنّ الفرد العربي يعيش في الحاضر لكن روحه توجد في الماضي وهذا ما يولِّد له انشطارًا داخليًا سيما أثناء إطالة النظر في اللغة العربية العتيقة الباذخة والممتلئة بالأساليب البلاغية الباعثة على الانذهال، وبين اللغة الجديدة التي باتت هزيلة، واهنة، لا جماليةَ فيها، غير قادرة على التأثير في الوجدان أو تلطيف حاسَّة المُتلقي، عاجزة عن استدرار عواطفه، ويرى فيها عنصرًا أساس ليبُزَّ خصومه، وتُرطِّب نفسه المنكسرة، المُتألمة، السائمة من توالي الخيبات والإخفاقات الموجعة، والتواقة إلى نهضة جعلتها معضلات العصر بعيدةً جدًّا لكنها على الأرجح ليست مستحيلةً؛ وهذا الإخفاق هو ما يُقوّي العودة إلى لغة الماضي لتضميد ندوبه. نقرأ لـ العروي ملخّصا الوشيجة بين انشطار النفس واللغة الجزلة والمؤنقة: “اللغة (…) وسيلة سحرية للترويح عن النفس الكسيرة”([42]). هل السبب في التولُّع والتعشُّق بالعربية هو العقيدة؟ هل للغة العتيقة القويمة التي يستلذ بها العربي تأثيرٌ وازنٌ وملموسٌ على الواقع؟ هل تستطيع مواكبة تحولات العصر؟ يُجيبُ العروي عن ذلك بإيجاز: “لغة الضاد تواجه اليوم صعوباتٍ كبيرة لكي تكون في مُستوى متطلبات العصر (وهذا أمرٌ يدركه العرب جيدًا). أما المستعربون المتخصصون في دراستها لا يُنكرون رونقها، ويُرجِّحون سبب التعلُّق إلى طبيعةٍ دينية”([43]).

من هذا المُنطلق انبثقت دعوة العروي إلى الانفصال عن الموروث اللغوي العتيق لذلك تبنَّى شكلًا مخالفًا للغة التقليدية وكتب، فكرًا وأدبًا، بلغةٍ واضحة ومكثفة في غاية الوضوح ويسيرة الفهم والاستيعاب متحاشيًا اللغة الفخمة والنّاضرة؛ إذ إنّ المطلع على مشروعه الروائي يكتشفُ بسهولة التوجه الذي سلكه؛ حيث كانت لغته في غاية اليُسر رغم أنّ الرواية تنطلق من الوجدان وتمتحُ من جدول التخييل وتتعدى المنطق غير أنّ كلّ ذلك لم يُرغم العروي على الكتابة بلغةٍ تُلهبُ الوجدان بل كتب بالعقل([44])؛ لأنَّ نزوعه إلى الرواية لم يكن من باب الترف بل إنّه جنح إلى ذلك الصنف الأدبي الفسيح ليناقش القضايا نفسها التي استحوذت على ذهنه منذ صدور كتابه العُمدة: “الإيديولوجيا العربية المعاصرة“. وحتّى يتّضح المعنى لا بدّ من ضرب المثال عن اللغة التي احتذى بها. تفطّن العروي إلى وجود كوكبةٍ من القراء العرب قد لا يستحسنون لغته ذات المأخذ القريب التي دبّج بها رواياته الستّ، فعقّب على ذلك في “خواطر الصباح” منافحًا عن الأسلوب الذي انتهجه واللغة التي اتَّبعها وآمن بها، وذلك حينما علق مشرقيٌّ على الأسلوب الذي سبك به رواية “اليتيم“، ويظهر أنَّ هذا المتدخل مفتونٌ باللغة، ومُعتنٍ بتضاريسها، وولعٌ بجزالة الأسلوب وأناقته، وهذا ما لم يُطقه العروي، فقال: “الرّواية العصرية هي سيرةٌ استكشافيّة على مُستوياتٍ عديدة (…) الغرض التأثير والصدمة لا الدغدغة والتملّق”([45]). نضرب في هذا المضمار مثالًا من رواية “الفريق“، التي اتخذناها نموذجًا لاستكناه ترهُّل لغة العروي وكلالها وضعفها في مواقع كثيرة من هذا النص. يقول السّارد: “تجمّع بعض الشّبان أسفل المدرجات وطفقوا يصيحون: غشاشين والله غشاشين. على نغمة عبّاها … عبّاها. لكن بدون كبير حماس. لم يكن الجوّ جو غضبٍ ثائر. ماتت المظاهرة في مهدها. قتلها العددُ الوافر من جنود التدخل السّريع. فتفرّق المتفرّجون بسلام. خرج شعيب من الملعب بين صفّين متراصين من الشرطيين والحراس المُستعدين لكل الاحتمالات. قصد بيت أغرام الموجود في بداية حيّ المعاريف الجديد، زنقة الإمام الترمذي”([46]). ويمكن إرداف هذا المثال بآخر يُظهر مستوى اللغة في هذا النّص: “فصاحة تشرشل ما تنفع لازم فصاحة عمّي الحاج. كيف كانت؟ كان يرغد ويزبد ويصرخُ ويبصق حتى أنّ المذياع كان يهتزُّ من شدة الوقع. هكذا قيل. فصاحة الحجّاج يا أهل العراق والنفاق. بلاغة يوسف ما يكون تره”([47]). ولعلّ داهية الدواهي هي الحوار بين الشخوص؛ حيث كان حوارًا بلهجةٍ عاميّة تتشاكلُ واللغة التي تنساب إلى الأذن في الأسواق والمقاهي الشّعبية مع بعض التحسينات الطفيفة التي جعلتها راقية، إلى حدٍّ ما، عن اللغة المتداولة في ربوع المغرب، إلا إذا استثنينا بعض المواطن، وبالكاد كانت الحوارات خالية من اللغة العربية الفصيحة التي هي جزءٌ لا يتجزّأ من مقوّمات وأسس الرّواية العربية. يتّضح من خلال رواية “الفريق” المُتَّخَذَة نموذجًا في هذا المظان لمناقشة مسألة اللغة لدى العروي، طيلة مساحتها الممتدة على طول 367 صفحة من القطع المتوسط، أنّ مستوى اللغة فيها متباينٌ؛ فتارةً تكون فاتنة وتحاذي الرّفعة، وحينة أخرى يُفاجَأُ المتلقّي بانحدارها الصاعق. غير أن المستنفرَ للاستغراب هو أنَّ تواضع اللغة التي يسردُ بها العروي في رواياته لم تنل التعامل النّقدي المطلوب، حيث نجد محمد الدّاهي في كتابه “التشخيص الأدبي للغة في رواية الفريق” يُقرّظُ لغة العروي الرّوائية، بيد أنّ المطّلع على هذا النص سيكتشف بسهولة مدى شفافية لغته واقتصادها. نطالع في هذا المقطع من الرواية: “رفع شعيب سبابة يده اليُمنى توحيدًا لله أو مُطالبًا بالكلمة: هذا وقت المغرب. اسمح لي. قام عمر من مقعده: نعم تفضل. تابع عمر ببصره شعيبًا وهو يقصدُ صالة الاستقبال ليؤدي صلاة المغرب. ثم اتّجه نحو المطبخ سائلًا: منصور آش وجدت لنا؟”([48]).

ولتبيان أيضًا أنّ رواياته هي امتدادٌ أساس لما اهتجس به فكريًا نستحضرُ هنا أبلج مثالٍ على ذلك المتمظهر في روايتيه: “الغربة” و”اليتيم” اللتين اختّصتا، بشكلٍ مباشر، بخصوصيّة فريدة لم تشهدها من قبل الرّواية المغربية، والمقصود هنا هو حضور الصراع المتضرِّم بين الشّرق والغرب، أو بين الأنا والآخر، وهذا الصراع أسهمت في تناميه عدّة فوارق ثقافية، تاريخية، وسياسية، وعزّزته صدمة النكبة التاريخية التي اتّضحت معالمها إبَّان توغُّل نابليون بونابرت في مصر خلال القرن التاسع عشر التي تبلور معها سؤال: لماذا تقدّم الغرب وتأخر الشّرق؟ وهذا الصراع انعكس على شخوص رواياته، إذ أضحى “الغرب يُشكل محورًا أساس في الصّراع النّفسي الذي يُعانيه الأبطال”([49])، وقد حضر من خلال حضور شخصيات غربية في رواية “الغربة“: لارا، يوليوس، كما أنّ تبدي هذا الصراع، أيضًا، جاء من خلال محاولة العروي أنْ يُقدّم “رؤيةً عن طبيعة الواقع الاجتماعيّ والفكريّ في بلاد الغرب، ليس هذا فحسب، بل تحديد موقفها من الغرب كحضارةٍ قائمة، تدخل في علاقة تصادم وتبادل تأثير مع بلاد المغرب”([50]). ومن ثمّ يمكنُ الزعم بأنّ الانتكاسة العاطفية، والكبوة التاريخية، اللتين أثرتا في إدريس البطل في علاقته بمارية، وشعيب بزوجته في رواية الغربة، ما هما إلّا تجليان من تجليات الانحطاط التاريخي والعاطفي اللذين استقرا في الكيانات العربية وأبَيَا أن يبرحاها.

رغم تضايقه من اللغة العتيقة باعتبارها وجهًا من أوجه التشبث بالموروث، وإلحاحه على تحيينها تسهيلًا لمواكبتها للتحولات الحالية، إلّا أنّ الظاهر أنّ العروي ألَّف كتبه الفكرية بالفرنسية ثم أعاد صياغتها، باستثناء: “السنة والإصلاح” و “من ديوان السياسة” للذين دبَّجهما باللغة العربية، ونقلَ من الفرنسية إلى العربية مؤلفاتٍ في غاية الأهمية: تأملات في تاريخ الرومان، دين الفطرة، مقالة في السياسة، شيخ الطريقة([51])، وكتبٌ أخرى ترجمها بعض التراجمة العرب (“أزمة المثقفين العرب”، “ابن خلدون وميكيافيلي”، “بين الفلسفة والتاريخ”، “الإيديولوجيا العربية المعاصرة” قبل أن يُعيد صياغة هذا الأخير في خواتيم التسعينيات)، وبعضها لم ينل حظّه من النقل إلى لغة الضّاد مثل: “الإسلام والتاريخ”، “الإسلام والحداثة“…إلخ. إنَّ المطّلع على المشروع الفكري-النقدي لعبد الله العروي قد يكتشف بسهولة بالغة أنّه انبرى إلى كتابته باللغة الفرنسية قبل أن يقدم صياغة جديدة باللغة العربية لكلّ مؤلف على حدة، وكأنّه يؤكد من خلال ذلك أنّ الفرنسية تُسعفه في نقل أفكاره وبلورتها بإجادةٍ فائقة لذلك لم يحتج إلى العربية في الكتابة الأكاديمية المتخصصة. وهنا يُطرح السؤال الآتي: لماذا كتب مشروعه الفكري بالفرنسية حصرًا؟ هل تعمّد من خلال ذلك الكتابة للنُّخبة فقط؟ غير أنّ ما يَظهر من خلال الاطلاع على ما أنتجه في حقل الكتابة الأدبية يجعل المتلقي مذهولًا لأنّه كرّس العربية حصرًا لرواياته، وكأنه يبين للقارئ أنّ اللغة العربية تسعدُ بقدرةٍ هائلة لجعل التعبير الوجداني متدفِّقًا، تفتقده الفرنسية، وهي بذلك تمنحه فسحة أوسع للتعبير بانسيابية وتدفقٍ عاليين، عكس الفرنسية التي يميل إليها في المؤلفات الأكاديمية التي تفترضُ منهجًا قويمًا وصرامة شديدة. نقرأ في الجزء الثالث من رباعية “الخواطر” ما يدعمُ هذا الطرح: “الفرنسيةُ لغة قانون لا لغة شعرٍ ونثرٍ أدبي، لا تطرب السّمع دون أن تلامس الفكر“([52]). وربما مردّ هذا الحكم القاسي في حقّ لغةٍ، هي التي عرّفت العرب على أساطين فن الرواية: بلزاك، فولتير، كونديرا، هيغو، هو أنّ العروي يتلذّذ بالعربية، ويجد فيها متعته، وتروّح عنه، وتريحهُ، لذلك وَسَمَ بها نصوصه الإبداعية كلها. ولعل ما ينمّ عن اهتمامه العالي باللغة العربية، في صنف الأدب، هو نقله لقصة إرنست هيمنغواي المكنّاة بـ “قطةٌ تحت المطر”(*) إلى العربية. ومن هنا يتمخض السؤال الآتي: ما الذي جعله يسبكُ رواياته بالعربية رغم أنّه متضلع بالفرنسية وعارفٌ بالإنجليزية وقواعدها ويستطيع أن يحقق بهما التوازي السّردي والنُّضرة الفنية والجمالية ويجمع في نصوصه بين جزالة العبارة وقِوامة اللفظ؟ يتدخل العروي ويجيب قائلًا: “ما يدفعني لكتابة الرّواية هو: خدمة اللغة العربية والتلذُّذ بها. قلتُ، مرارًا، إنّه رغم قراءتي باللغة الإنجليزية وقراءتي وكتابتي باللغة الفرنسية وتلذُّذي باللغتين معًا فأنا لا أصل إلى درجة التلذذ الذي أجدهُ وأنا أكتبُ باللغة العربية، أتلذّذ بقراءة اللغة العربية والكتابة بها لما لها من قوةٍ إيحائية بسبب تركيبها الاشتقاقي وبسبب التكسير (…)”([53]). ولم يتوقف عن إعلان علاقته المقدسة بالعربية فقط في الحوارات المكتوبة بل صرح بذلك مثنيًا على الحرية التي تمنحها له العربية مقارنة باللغة الفرنسية: “عندما أكتب الرّواية أحس بنوعٍ من الحريّة في التعامل مع اللغة العربية، وهذا ما لا أشعر به عندما أكتبُ بالفرنسية”([54]).

خاتمة:

لم يُكرِّس العروي وقتًا لهذه التوجيهات المذكورة للموجة السلفية إلّا فور إبانته عن “قصور” هذا التراث في حلّ مشاكل الراهن، وبعدما أظهر وأفشى محدوديته ومحدودية أعلامهِ كما فعل مع ابن خلدون في مفهوم العقل، فضلًا عن وقوفه المطول على ضعف الكتابة التاريخية بعد هيمنة المؤرخ التقليدي الإخباري عليها؛ وهذا ما جعله بعيدًا عن إدراك أهمية التاريخ الواعي والمؤثر والذي له وزنٌ في الحاضر، وهذا الأخير لا يتحرّك إلّا داخل بنية الماضي؛ فكلّ حدثٍ تاريخي، تافهًا كان أو جسيمًا، له دورٌ في تحريك الحاضر والتأثير فيه، ومن ثمةَ لا يجب إهمالُ أي حدثٍ كيفما كان. ارتأت أيضا هذه الورقةُ الوقوف عند موقف العروي من الموجة السلفية-التقليدية واستجلاء آرائه من دفاع هذه الموجة عن التراث ليشرع في “استهلاكه” وتمحيصه وتشريحه ثم نقده بلا مهادنة؛ وقد توقفت الورقة عند نموذج من هذا النقد: نقده للتراث الجامد والميت حيث دعا إلى “موت الأفكار الميتة” وفي المقابل “يحيا الناس”، وقد استنبط أنّ التراث الذي يحميه السلفي ويتباهى به ويحاول إحياءه هو التراث الديني القائم على “العقيدة” دون أن يولي الاهتمام إلى الموروث الثقافي المكون من الآداب والفنون، وكأنه حاول بذلك إقامة تمييز بين التراثين: الديني والثقافي. وقد حاول البحث عرض نقد العروي لهذا التراث فيما يتعلق بالعقيدة التي “تنحلُّ عبر أطوار الزمن رغم جهود الشيخ”([55]) بسبب التحولات التي تطرأ بشكلٍ فجائي. هل يُمكن الاعتماد على العقيدة الإسلامية في الأحكام القضائية؟ هل ستطبّقُ الحدود في ظلّ سريان القانون الوضعي المتواضع عليه؟ هل من الوجوب اتّباع نواميس العقيدة في العملية التعليمية في الكُتَّاب والمساجد في حين أنّ أُمَمًا أخرى تدرس التقنيات المتطورة والعلوم؟ وكان مما عُرض أيضا نقدهُ للغة العتيقة بحسبانها تجلٍّ لهذا التراث، وعدم جدواها في حلّ مشكلات العصر، وإلحاحه على ضرورة تحيينها حتى تساير راهننا، إذ إنّ لغة المتنبي الفخمة لن يفهمها جيل اليوم مثلا، والشِّعر رغم ألقه وثورته الهائلة التي أحدثها في الوجدان العربي فهل ستنتفعُ منه السياسة المنبني على التعقل والمصلحة؟ وهل بمقدور إسداءُ خدمةٍ إلى المنتسبين إلى مجال الاقتصاد؟ فبذلك سنظل أمة قولٍ لا أمة فعل. غير أنّ البحث حاول إيضاح ذلك التناقض الذي وقع فيه العروي حينما قرّع اللغة العربية التقليدية في حين أنّ رواياته الست كتبها كلها بالعربية، وهو الذي ما فتئ يُؤكّد على محامد العربية في التعبير عن الجوَّةِ بأريحية كبيرة، وهي التي توقظُ الحنين وتُسعِّرُ تسرُّب الاغتباط إلى أفلاك القلب وتُحرك الوجدان، في حين أنّ الفرنسية مثلا، لغة فكرٍ ظلّت عاجزةً عن إمتاع الذات الإنسانية وإطرابها وإحداث رجَّةٍ فيها.

______________________________________________

المراجع:

كتب:

– العروي، عبد الله. الإيديولوجيا العربية المُعاصرة، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 1995.

—– العرب والفكر التاريخي، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط5، 2006.

—– مفهوم العقل، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط2، 1997.

—– خواطر الصباح (حجرة في العنق: 1982-1999)، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 2005.

—– خواطر الصباح (المغرب المُستحبُّ أو مغرب الأماني: 1999-2007)، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 2015.

—– الفريق، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 1986.

– الشيخ، محمد. المغاربة والحداثة، الرباط: منشورات رمسيس، سلسلة المعرفة للجميع، العدد 34، ط1، مارس 2007.

– لحمداني، حميد. الرّواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي، الدار البيضاء: دار الثقافة، ط1، 1985.

– الداهي، محمد، التشخيص الأدبي للغة في رواية الفريق، الرباط: دار الأمان، ط1، 2006.

– دوريات:

– هيمنغواي، إرنست. “قطة تحت المطر”، ترجمة: عبد الله العروي، المغرب: مجلة: أقلام، ع8، يناير، (1965).

– حوارات:

– “عبد الله العروي: من التاريخ إلى الحبّ“، حوار أجراه: محمد الداهي، قطر: وزارة الثقافة والفنون والتراث، 2013.

– “عن التقليد والتخلُّف التاريخي“، حوار عبد الله العروي وعزيز بلال ومحمد جسوس، مجلة: بيت الحكمة، ع1، أبريل، (1986).

– “الأفق الرّوائي”، حوار مع عبد الله العروي، فلسطين: مجلة: الكرمل، ع11، يناير، (1984).

– حوارات فكرية مع عبد الله العروي، الحلقة الخامسة، شوهد بتاريخ: 12/08/2025: اضغط هنا 

*  دكتوراه في الفلسفة من جامعة شعيب الدكالي، الجديدة، المغرب.[1]  أقرَّ العروي في أحد حواراته بأنّ الفكر التقليدي عدوٌ له لأنّه يرفض الفكر التاريخي. يُنظر: “عن التقليد والتخلُّف التاريخي“، حوار عبد الله العروي وعزيز بلال ومحمد جسوس، المغرب: مجلة: بيت الحكمة، ع1، أبريل، (1986)، ص.159.

[2]  نفسه، ص.150.

[3]عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط5، 2006)، ص.61.

[4]  يُمكن ضرب المثال هنا بكتاب “مفهوم العقل” الذي أفرد فيه العروي فصلًا كاملًا لإظهار الأخطاء أو “المفارقات” التي راح ضحيتها محمد عبده بحسبانه النموذج الأمثل والأكمل “للشيخ” في الثقافة العربية الحديثة-المعاصرة. راجع القسم الأول من: عبد الله العروي، مفهوم العقل، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط2، 1997).

[5]  “عن التقليد والتخلف التاريخي”، نفسه، ص.163.

[6]  نفسه، ص.163.

[7]  عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 1995)، ص.114.

[8]  نفسه، ص.62.

[9]  نفسه، ص.62.

[10]  نفسه، ص.72.

[11]  “عن التقليد والتخلف التاريخي”، نفسه، ص148.

[12]  العرب والفكر التاريخي، نفسه، ص.73. (مع بعض التصرف).

[13]  نفسه، ص76.

[14]  الإيديولوجيا العربية المعاصرة، نفسه، ص.77.

[15]  نفسه، ص36.

[16]  العرب والفكر التاريخي، نفسه، ص.113-114.

[17]  نفسه، ص.114.

[18]  نفسه، ص.114.

[19]  نفسه، ص. 114-115.

[20]  الإيديولوجيا العربية المعاصرة، نفسه، ص.89.

[21]  العرب والفكر التاريخي، نفسه، ص.115.

[22]  الإيديولوجيا العربية المعاصرة، نفسه، ص.90.

[23]  نفسه، ص.87.

[24]  محمد الشيخ، المغاربة والحداثة: قراءة في ستة مشاريع فكرية مغربية، (الرباط: منشورات رمسيس، سلسلة المعرفة للجميع، ط1، ع34، مارس، 2007)، ص.98.

[25]  نفسه، ص.98.

[26]  في تقديم قام به الأستاذ محمد الشيخ للباحث الألماني فلوريان زيمين الذي ألقى محاضرة بعنوان: “منهجية البحث في الدراسات الدينية” بجامعة الحسن الثاني، بتاريخ: 11/09/ 2024. وكان قد تكلم محمد الشيخ ساخرًا من المفارقة المستهجنة التي سقط فيها الرافض للمنطق الحداثي والمفاهيم التي تولّدت عنه، لكنه يستخدم في المقابل الوسائل التي أنتجتها الحداثة: الهاتف، الطائرة، كاميرا المراقبة…إلخ. منه اُقتُبِست هذه الفكرة في البحث وتمّ تطويرها والاستفاضة فيها.

[27]  الإيديولوجيا العربية المعاصرة، نفسه، ص.87.

[28]  نفسه، ص.93.

[29]  نفسه، ص.87.

[30]  نفسه، ص.99.

[31]  نفسه، ص.107.

[32]  نفسه، ص.97.

[33]  نفسه، ص.97.

[34]  نفسه، ص.97.

[35]  نفسه، ص.110-111.

[36]  نفسه، ص.111.

[37]  نفسه، ص.112-113.

[38] عبد الله العروي، “رواية الفريق وجاذبية الواقع”، ضمن: محمّد الداهي، التشخيص الأدبي للغة في رواية الفريق، (الرباط: دار الأمان، ط1، 2006)، ص.3.

[39] الإيديولوجيا العربية المعاصرة، نفسه، ص.244.

[40]  نفسه، ص.115.

[41]  نفسه، ص.115.

[42]  نفسه، ص.117.

[43]  نفسه، ص.117. (مع بعض التصرف).

[44]  صرّح العروي في إحدى حواراته قائلًا: “لماذا أكتبُ روايات؟ يعني هل هناك ضرورة؟ هناك فعلًا ضرورة، لأنّني أحسّ أنّ هناك مشاكل أتناولها بالتحليل المبنيّ على العقل”. “الأفق الرّوائي“: حوار مع عبد الله العروي، فلسطين: مجلة: الكرمل، ع11، يناير، (1984)، ص.170.

[45] عبد الله، العروي، خواطر الصباح (2007-1999)، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 2015)، ص.40.

[46]  عبد الله العروي، الفريق، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 1986)، ص.32.

[47]  الفريق، ص.42.

[48]  الفريق، ص.58.

[49]  حميد لحمداني، الرّواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي، (الدار البيضاء: دار الثقافة، ط1، 1985)، ص271.

[50]  نفسه، ص.281.

[51]  هنري دي مونترلان، شيخ الجماعة، ترجمة: عبد الله العروي، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 2012). تجدر الإشارة إلى أنّ عبد الله العروي قد نشر جزءًا كبيرًا من هذه المسرحية في مجلة: أقلام، العدد 3، مارس، (1966)، وقد كنّاها حينها بـ: “شيخ الطريقة”.

[52]  عبد الله العروي، خواطر الصباح (حجرة في العنق: 1982-1999)، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 2005)، ص.238.

*  إرنست هيمنغواي، “قطة تحت المطر”، ترجمة: عبد الله العروي، المغرب: مجلة: أقلام، ع8، يناير، (1965).

[53]  من التاريخ إلى الحب، حوار أجراه: محمد الداهي، (قطر: وزارة الثقافة والفنون والتراث، 2013)، ص. 37-38.

[54]  هذه النُّقطة بالتحديد أكّدها العروي في حواراتٍ فكريّة عديدة حينما كان ينتصرُ للغة العربية بوسمها لغةً تؤدّي ما يبتغي تحقيقه أثناء الكتابة الأدبية. يُمكن الاطلاع على اللقاء الفكري الذي جمعه بالباحث التونسي مالك التريكي وهو لقاءٌ متاح على الأنترنت، ويُعدُّ هذا الحوار، بحلقاته الخمس، نموذجًا لمجموعة من الحوارات التي ناقش فيها هذه المسألة وأعاد التأكيد على افتتانه بلغة الضاد: اضغط هنا

[55]  الأيدولوجيا العربية المعاصرة، نفسه، ص.111.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete