نقد النقد وما بعد المشاريع في الفكر العربي المعاصر

مفتتح إشكالي:

عرف الفكر العربي الحديث والمعاصر ظهور العديد من الاتجاهات والمشاريع الفكرية التي حملت عناوين متقاربة كالنهضة، الإصلاح، التجديد والتحديث وغير ذلك، وإن كانت هذه المشاريع قد تقاربت على مستوى الأهداف والغايات التي نشأت لأجلها إلا أنها تباعدت وتباينت على مستوى المناهج المتبعة في تعاطيها مع مختلف القضايا والإشكاليات الكبرى التي رامت مقاربتها لا سيما قضايا التراث، الحداثة، الدولة، الدين، الموقف من الآخر.. الخ ، ولعل السبب الأبرز وراء هذا التباين يكمن في المرجعيات التي اتكأت عليها، فكل نسق فكري يروم التفسير أو التغيير يكون بالضرورة مشدودا إلى مرجعية معينة بما تتضمنه هذه الأخيرة من مفاهيم وأدوات منهجية تؤسس لمشروعية الرؤية والأهداف، وتحدد آليات اشتغال الفكر وإنتاج المعرفة داخل ذلك النسق أو المشروع الفكري، فاختلاف المرجعية أو المتكئ النظري يؤدي بالضرورة إلى تمايز طرق التحليل والتفسير، ومن ثم يظهر الاختلاف والتباين في الآراء والمواقف.

بعد مرور أزيد من قرنين على نشأة الفكر العربي الإسلامي الحديث أي من بداية القرن التاسع عشر إلى بداية القرن الواحد والعشرين، تراكمت العديد من المشاريع الفكرية الرامية إلى تفسير وتغيير الواقع نحو الأفضل من منطلقات ومرجعيات شتى، حيث كانت الخطوات الأولى مع الطهطاوي (1801-1873)وعبد الرحمن الكواكبي(1854-1902) والأفغاني(1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905)، وشبلي شميل (1850-1917)، سلامة موسى(1887-1958)، طه حسين(1889-1973) ووصل المسير بالفكر العربي إلى أعمال محمد عابد الجابري(1936-2010)، ومحمد أركون(1928-2010) وغيرهم كثيرون، ويبدو الآن أنه من الضروري تدشين مرحلة جديدة في الفكر العربي الإسلامي، وهي ما سندعوه بمرحلة “ما بعد المشاريع”، أو النهضة العربية الثالثة كما سماها كل من ناصيف نصار ومحمود أمين العالم، وضرورة هذه المرحلة الجديدة يفرضها معطيين أساسيين؛ أولا: عجز هذه المشاريع الفكرية السالفة الذكر عن تحقيق أهدافها المعلنة من قبل أصحابها، حتى أن كل القضايا التي حاولت مقاربتها لا تزال مطروحة وربما بحدة أكبر، ثانيا: التغيرات الحاصلة على المستوى المحلي والدولي والتي تفرض تغيير استراتيجيات التفكير وفق هذه المعطيات الراهنة.

والهدف من الحديث عن المقاربات النقدية للمشاريع الفكرية السابقة، أو ما سميناه بـــــ: ما بعد المشاريع -كنوع من المقايسة على ما حصل في الفلسفة الغربية من تحول من الحداثة والفلسفات النسقية إلى ما بعد الحداثة والفلسفات التحليلية المفتوحة- هو البحث في توظيف هذا النمط الجديد من النقد أو نقد النقد –إن شئنا الدقة- والذي ينأى بنفسه عن ساحة النبذ والتجريح والتكفير، مثلما ينأى بنفس الدرجة عن ساحة التبجيل والأسطرة، متجها نحو ساحة الاستكشاف الهادئ، والتحليل الموضوعي القائم على الإيمان بالنسبية والتاريخية، فاللحظة الواهنة الحضور في المشهد الثقافي العربي المعاصر كما يقول جورج طرابيشي: «هي اللحظة المعرفية، بأدواتها التي هي التحليل العلمي الموضوعي، وبغايتها التي هي الحقيقة التاريخية»[1] ولن تكون هذه اللحظة مثمرة إلا إذا كانت لحظة نقدية بامتياز، فالنقد البناء هو السبيل لإيجاد الحلول بدل القفز على الإشكاليات أو الالتفاف حولها ثم الهروب إلى الأمام، وما صار العقل الغربي متفوقا وصانعا لحضارة مهيمنة على العالم إلا حين مارس النقد الذاتي الصارم.

ضمن هذا الإطار تتموضع الكثير من أعمال المفكر اللبناني علي حرب، وكذا الكثير من مؤلفات المفكر السوري جورج طرابيشي(1939-2016)، ولأن هذا الأخير يعد مفكرا متعددا، من حيث غزارة الإنتاج وتنوع الاهتمامات بين الترجمة والنقد والتأليف في مجالات التحليل النفسي والفلسفة والنقد الأدبي وغيرها، فمن الصعب تقديم صورة شاملة عن قيمة هذه الأعمال التي تركها في بحث واحد، ومن ثم ستقتصر هذه الورقة البحثية على بعض مآخذه وانتقاداته للخطاب العربي المعاصر لا سيما تلك خص بها المشروع الذي طرحه محمد عابد الجابري منذ منتصف ثمانينات القرن المنصرم تحت مسمى “نقد العقل العربي”، خصوصا في ظل تضارب المواقف بشأن هذا المشروع بين من يصفه بطابع الجدية والجرأة والعمق في جهازه المفاهيمي ومنهجيته، ومن يرى فيه مشروعا تلفيقيا، ومن ثم غير قادر على الصمود في وجه النقد خاصة النقد من الداخل كما مارسه المفكر الراحل جورج طرابيشي.

تأسيسا على ما سبق تكون الإشكالية التي سنحاول مناقشتها هي: فيم تكمن تجليات الممارسة النقدية التي طبقها جورج طرابيشي على المشاريع الفكرية العربية عموما وعلى مشروع الجابري بصورة خاصة؟ كيف يمكن توظيف هذه الممارسة لتجاوز مرحلة المشاريع الفكرية وتدشين مرحلة ما بعد المشاريع؟ فيما تتمثل المهام الجديدة للمفكر العربي في مرحلة ما بعد المشاريع؟

أولا: تحديات الراهن العربي الإسلامي:

قبل الحديث عن مآزق الراهن العربي والتحديات التي تواجه بلداننا، من المهم العودة  –ولو بصورة مقتضبة- إلى الماضي القريب قصد التعرف على بعض الأسباب التي تمخضت عنها هذه المآزق، على اعتبار أن لا شيء يأتي من العدم في هذا العالم، فلكل وضع أسبابه المباشرة أو غير المباشرة، وإذا عدنا إلى أهم ما ميز القرن الماضي من تاريخ البلدان العربية، فإننا نلاحظ بصورة جلية أن هناك مرحلتين بارزتين، أولاهما: مرحلة النضال ضد المستعمر الأجنبي التي كللت بالنجاح، إذ تم إجلاء المستعمر الأجنبي من الأراضي العربية –عدا فلسطين- وثانيهما: مرحلة البناء والتنمية التي كان مآلها –للأسف الشديد- نكسات وخيبات وتعثرات، وإن تفاوت الأمر من دولة إلى أخرى بحسب خصوصيات كل بلد ومقدَّراته، فقد دخل« الواقع العربي في نفق منذ أمد، وتزداد حلكة النفق وتزداد وطأة ظلامه وظلاماته، فالآمال والشعارات والتطلعات بدت سرابا وهوَت وتلاشى بريقها، والأنظمة التي رفعت هذه الشعارات أو روجت لها، بدا أكثرها وكأنه يدحضها عمدا، وينقضها ممارسة».[2]

لقد علقت الجماهير العربية آمالا كبيرة على النخب الحاكمة بعد استرجاع السيادة على الأوطان، والتفت حول تلك الشعارات التي رفعتها هذه النخب، منتظرة اليوم الذي تنعم فيه بنتائج تحقق تلك الشعارات في أرض الواقع من حرية وعدالة ومساواة ورخاء وازدهار وغير ذلك، غير أنه لا شيء من ذلك تحقق، يفسر طرابيشي أسباب الوضع العربي الذي وصلنا إليه قائلا: «والحال أن الرغبة في تضميد هذا الجرح النرجسي، بعد أن أدت في الحالة العربية، في طور أول، إلى تضخم ايديولوجيات الثورة الحارقة للمراحل التي اجتاحت الساحة العربية غداة الاستقلالات تحت ألوية القومية والماركسية والناصرية، أدت في طور ثان، ولاسيما منذ أن كشفت هزيمة 1967 عن مأزق الايديولوجيات الثورية وفشلها، إلى نقل الصراع إلى ساحة التراث»[3].

ونحن نعيش الآن المآلات الكارثية للخيارات الايديولوجية التي تبنتها النخب الحاكمة في البلدان العربية منذ الاستقلال، فقد دشنت هذه البلدان القرن الواحد والعشرين وتحديدا العقد الثاني منه بأوضاع وأحداث معقدة وخطيرة زادت معها موجات العنف والعنف المضاد والصراعات والاقتتال وما ترتب عن كل ذلك من خسائر في الأرواح والممتلكات، وهي الحالة التي يصفها جورج طرابيشي قائلا: «لا نغالي إذا قلنا إن العالم العربي يقف في مطلع القرن الحادي والعشرين على عتبة الانكفاء على نفسه فيما لا نتردد أن نسميه قرونا وسطى جديدة»[4]

رغم الفجائية التي ظهرت بها هذه الأحداث والتي جعلتها تبدو وكأنها تفلت من التفسير العلمي وفق النظريات السائدة سواء في الفلسفة أو العلوم السياسية أو غيرهما من التخصصات ذات الصلة بالموضوع، إلا أنه يمكن القول: أنها كانت نتيجة متوقعة للمسار غير الملائم الذي تبنته جل الدول العربية بعد استقلالها، ذلك المسار الذي طبعه التخبط نتيجة عدم وضوح الرؤية أو الاستراتيجية المتبناة في التنمية والتسيير وطغيان سياسة الهروب إلى الأمام بما ينجر عنها من حرق للمراحل وعدم بلوغ المرامي كما يجب، ضف إلى ذلك غياب الثقة بين الشعوب والنخبة الحاكمة بسبب تماطل هذه الأخيرة في الاستجابة لتطلعات الجماهير وآمالها في العيش الكريم وممارسة الحقوق بمختلف أنواعها.

اجتهد أحد المفكرين العرب في استقراء أسباب هذه الأوضاع المتردية خاصة على المستويين الفكري والإيديولوجي، والتي تعبر في نظره عن بداية مرحلة جديدة «تطوي حقبة بنماذجها الأربعة »[5]، هذه النماذج هي على التوالي:

1/ النموذج الإيديولوجي الآفل لحركات التحرر الوطني بثوراتها وانقلاباتها وجيوشها، والتي لم تستطع ترجمة شعاراتها وبالتالي أصبحت تعيد إنتاج التخلف والاستبداد السياسي.

2/ النموذج النخبوي الفاشل كما تجسد لدى أصحاب المشاريع الثقافية الذين تركزت أعمالهم على التراث كما أشار طرابيشي في النص السابق، رافعين لواء إعادة قراءة التراث والغية من ذلك التحديث والتغيير والتنوير، وهو النموذج الذي يعنينا بدرجة أكبر في هذه الورقة.

3/ النموذج البيروقراطي العاجز الذي يستخدم أساليب مستهلكة في الإدارة والتسيير والحصيلة هدر الجهد والوقت والموارد.

4/النموذج القاتل لأصحاب الدعوات المستحيلة والأشكال البائدة في الفكر والسلوك، والمآل هو بث الرعب ونشر الإرهاب وتخريب العمران فضلا عن إشعال الفتن وتفكيك المجتمعات.

وبكل موضوعية، ينبغي الاعتراف بأن فشل هذه النماذج تؤكده الوقائع فعلا، لذلك نجد أنفسنا أمام أوضاع جديدة-خطيرة على المستوى المحلي وعلى المستوى الدولي، فالوضع في المجتمعات العربية مرشح للتدهور أكثر على كل الأصعدة في حال لم تتجند القوى الحية في المجتمعات العربية وعلى رأسها الطبقة المثقفة لبناء قيم الحوار والتسامح والتعايش، والاستفادة مما تتيحه التطورات المعرفية والإعلامية والتكنولوجية على المستوى العالمي في نشر قيم إيجابية بإمكانها ردم الهوة وتجديد الثقة بين الحاكم والمحكوم، من خلال وضع المصلحة الجماعية فوق المصالح الظرفية الضيقة. إذن، هناك تحديات جمة وجديدة تواجه الفاعلين الاجتماعيين في الدول العربية عموما والمثقفين على وجه الخصوص، وقد طرح المفكر الجزائري علي الكنز (1946- 2020) منذ أزيد من ربع قرن سؤالا وجيها، ويبقى طرحه ضروريا حتى الآن بالنظر لما نعيشه اليوم، وهذا السؤال هو: إلى أين نحن متجهون؟ واعتبره سؤالا لم يعد حكرا على بعض المثقفين الذين تعودوا طرحه منزوين بمكاتبهم، بل أضحى القضية المركزية بالنسبة إلى مصير الأمة،[6].

إننا بحاجة ملحة إلى تأسيس ثقافة جديدة لمجتمع جديد، وهذا لن يكون حصيلة فورية للحظة ثورية مهما كانت جذريتها ومهما بلغ نجاحها، لذلك فالإشكال الذي يبقى مطروحا هو: كيف يمكن رفع هذه التحديات الكبيرة؟ كيف يمكن تكريس القيم الإيجابية لبناء هذه الثقافة الجديدة وبالتالي تجاوز الوضع المتردي الذي نحياه في أسرع وقت ممكن وبأحسن الطرق والمناهج؟

ثانيا: في المشاريع الفكرية العربية حول التراث:

لنعد الآن إلى مركزية التراث في الخطاب العربي المعاصر خاصة بعد هزيمة 67 ، كما أشار إلى ذلك جورج طرابيشي؛ فمعلوم أنه قد ظهرت منذ فترة سبعينات القرن الماضي العديد من المشاريع الفكرية التي أنتجها مثقفون بارزون أغلبهم تلقى تكوينا علميا في الجامعات الأوروبية، وكان الهدف المعلن لهذه المشاريع هو التنوير والتقدم والنهضة والحداثة…، والموضوع الذي اشتغلت عليه في الغالب هو إعادة قراءة التراث والتاريخ والثقافة العربية الإسلامية وكانت المناهج والرؤى العامة لهذه القراءات نقلا واستيرادا للمناهج الغربية المعاصرة، إذ تبنى المفكر العربي مناهج التيارات الفكرية المعاصرة كالشخصانية مع رينيه حبشي(1915-2003) ومحمد عزيز الحبابي (1923-1993)، والوجودية مع عبد الرحمن بدوي (1917-2002)، والوضعية المنطقية التي نظر لها زكي نجيب محمود، والبنيوية كما حاول تطبيقها محمد عابد الجابري والماركسية ممثلة بالعديد من المفكرين على غرار حسين مروة (1910-1987) وطيب تيزيني وعبد الله العروي (1933-   ) وغيرهم، والتأويلية في أعمال نصر حامد أبوزيد (1943-2010) والتفكيكية والأركيولوجية مع محمد أركون(1928-2010)…الخ، طبعا، القائمة تطول لتشمل جل المناهج/المذاهب الفكرية الغربية المعاصرة، فما من منهج جديد يظهر في الفكر الغربي إلا ويسارع مفكرونا إلى تبنيه والدعوة إليه، ثم محاولة تطبيقه في إعادة قراءة التراث العربي الإسلامي، حتى بدت ثقافتنا في المرحلة المعاصرة من تطورها وكأنها من أكثر ثقافات العالم انشغالا بالتراث.[7] ويمكن الجزم أنه لا يوجد تيار أو منهج ظهر في الفكر الغربي المعاصر إلا وظهر داعية له في الفكر العربي، وهنا يكمن أول مأخذ على الفكر العربي المعاصر، ونقصد به التقليد والمحاكاة، يقول طرابيشي معلنا حكما قاسيا على هذا التوجه: «لنبدأ بتقرير حقيقة واقعة، وهي أن لا وجود لفلسفة عربية حديثة أو معاصرة، وإن وجدت فهي فلسفة مترجمة أو مولدة بوساطة الترجمة، يصدق ذلك على توماوية يوسف كرم ووجودية عبد الرحمن بدوي وجوانية عثمان أمين وشخصانية محمد عزيز الحبابي..»[8] طبعا الحكم نفسه ينطبق على البقية من المتفلسفة العرب المعاصرين كالجابري أو أركون أو نصر حامد أبو زيد..، وليس مهما هنا وضع لائحة بأسماء هؤلاء المفكرين ولا بأسماء مشاريعهم بقدر ما يهمنا هذا التوجه العام نحو إعلان مشاريع فكرية شاملة، وقيمة هذه المشاريع ومدى فعاليتها وقدرتها على الوفاء بالوعود التي أعلنها أصحابها.

بإمكاننا الجزم أن المطلع على هذه المشاريع الفكرية يتكون لديه حكم عام وهو أن المفكر العربي من أصحاب المشاريع، لم يستطع تحقيق الوعود التي كان قد أعلنها من خلال مشروعه الفكري، لا سيما تحقيق التجديد والحداثة والتقدم ..الخ، بل إن المثقف العربي عموما لم يتأسس كطرف فاعل في الحراك الاجتماعي وبقي مقطوع الصلة -أو يكاد- بالجماهير العربية، كأنه يعيش في عالم مواز للعالم الحقيقي، إما خلف مكتبه في البرج العاجي كما يقال، أو في مُثلِه/أوهامه التي وضعها بنفسه وصدَّقها بمرور الوقت، معتبرا نفسه المنقذ، المخلص، الطليعي، الملهم، الذي بإمكانه صناعة المشروع –المعجزة بلغة طرابيشي-الشامل لكل مناحي الحياة، والذي ينقل المجتمعات من التخلف والفقر إلى الحداثة والرفاهية والسعادة الكبرى، فمشروع نقد العقل العربي حسب صاحبه –الجابري- هو مراجعة شاملة لآليات اشتغال العقل العربي ومفاهيمه وتصوراته ورؤاه.[9] ومشروع نقد العقل الإسلامي- كما صرح محمد أركون– هو إعادة تقييم شامل للتراث الإسلامي في كليته دون اختزال أو بتر، وذلك يشكل الخطوة الأولى التي لابد منها لكي يدخل المسلمون الحداثة[10]، نفس التوجه بإمكاننا رصده لدى حسن حنفي في مشروعه: التراث والجديد، أو الطيب تيزيني في مشروعه: التراث والثورة، أو زكي نجيب محمود في: تجديد الفكر العربي ..الخ، هكذا نجد أن جل المفكرين العرب المعاصرين قدموا أنفسهم كممثلين للمصلحة العامة متجردين من كل غاية أو مصلحة خاصة، وهم الأوصياء المنقذين، وهنا مكمن الوهم، ومن هنا عدم الفعالية، بل إن إحدى أهم مآخذ طرابيشي على جل المفكرين العرب المشتغلين بـــــــالتراث العربي تتمثل في كونهم يعلنون الرؤية الشاملة ويمارسون القراءة التجزيئية الاختزالية التي تقوم على آليتين مهمتين:

  • الإسقاط: أي تأوُل العصر السابق على صورة الراهن[11]، وهذا بغية تأصيل بعض العناصر التي تخدم التوجه الايديولوجي للمفكر، كالقول بالسبق التاريخي للتجربة الإسلامية في مجال حقوق الإنسان أو تحرير المرأة أو الديمقراطية أو العقلانية أو غير ذلك.
  • الحذف: وهو عملية الإلغاء أو السكوت عن كل ما يستعصي على الإدخال في عنق زجاجة المخطط التأويلي الإيديولوجي، فكل نتوء أو نشوز تتم تسويته بإلغائه.[12]

وبالعودة لمشروع الجابري الذي تعرض لانتقادات كثيرة لا يتسع المجال للتفصيل فيها، على غرار ما قدمه الدكتور هشام غصيب في كتابه: هل هناك عقل عربي؟ وكذا الفصل الذي خصصه له الزواوي بغورة ضمن كتابه: ميشال فوكو في الفكر العربي[13]، فإن طرابيشي الذي يعد أهم ناقد لمشروع الجابري يرى أن هذا المشروع بالإضافة لكونه عينة من عينات التعاطي التشطيري مع التراث العربي فهو يعاني من عاهتين؛ العاهة الأولى هي أن الإبستيمولوجيا –التي يتخذها الجابري منهجا لقراءته-في تضاد تام مع الاختزال، إلا أن الجابري يمارس الاختزال « فكأن العقل لا موضوع له سوى المقولات.. وعلى هذا النحو يستبعد محلل العقل العربي من حقل تحليله كل التعابير اللاعقلية عن هذا العقل، يستبعد أولا الشعر، يستبعد ثانيا النثر الفني، يستبعد ثالثا وأخيرا النثر العلمي»[14]، وعلى هذا النحو أباح الجابري لنفسه أن يطلق حكما قاسيا على ابن سينا معتبرا إياه رائد اللاعقلانية الظلامية القاتلة دون أن يشعر بتناقض هذا الحكم مع كون ابن سينا نفسه صاحب كتاب “القانون في الطب” الذي بقي يدرس في الجامعات الاوروبية طيلة خمسة قرون، وما قيل عن ابن سينا يصدق على كثير من المفكرين الموسوعيين في المشرق العربي، وهو ما يجعل وصف الجابري للفكر المشرقي بالظلامية أو رميه كلية ضمن دائرة العرفان دون البرهان متهافتا.

أما العاهة الثانية لمشروع الجابري فهي مسألة الإيديولوجيا وتتجلى« في رمي كل الفكر الشيعي ضمن دائرة اللامعقول العقلي الخاضع لنظام العرفان…، وكل الفكر السني ضمن دائرة المعقول الديني الخاضع لنظام البيان…وعلى هذا النحو فإن تلك الفرصة النادرة التي تتيحها الثورة المنهجية الإبستيمولوجية لقراءة أركيولوجية ترد المقسم إلى الوحدة والمتنوع إلى الجذر المشترك يجرى توظيفها في اتجاه معاكس تماما، اتجاه تعميق الانقسام وتجذير الاختلاف»[15].

هذه الممارسة-المشاريع الفكرية- انتهت إلى نتائج دون مستوى تطلعات المتتبعين ودون مستوى ما أعلنه أصحابها فمشروع الجابري مثلا يختتمه بقوله: «..وقد قمنا في هذا المجال بما استطعنا القيام به، رائدنا هو فتح ما يمكن من النوافذ واقتراح أكثر ما يمكن من موضوعات للبحث والمناقشة»[16] وكأننا لم نتقدم أية خطوة إلى الأمام مادام المشروع لم ينجز مهمة أكثر من فتح النوافذ وطرح قضايا للنقاش. أما مشروع محمد أركون الموسوم بنقد العقل الإسلامي فيختتمه صاحبه بقوله: «إننا لا نستطيع القول بأن هناك أشياء لا تتغير أبدا ولكن لن أقول بأن كل الأشياء تتغير دائما وإنما سأقول إن كل ذلك إشكالي: أقصد بأنه يطرح مشكلة على الروح البشرية ويدعوها للتساؤل وعدم قطع في هذا الاتجاه أو ذاك»[17] بمعنى أن المشروع انتهى مثلما بدأ دون أن يتجاوز مستوى السؤال.

إن النتائج المخيبة التي انتهت إليها جل المشاريع الفكرية  جعلت العديد من النقاد يرون أن الفكر العربي المعاصر بعيد تماما عن الواقع المعيش، حيث يصف طرابيشي مشروع حسن حنفي الموسوم بالتراث والتجديد بأنه بحث عن الحلول الوهمية والبدائل السحرية[18]، ذلك أن أصحاب المشاريع الفكرية عموما حاولوا تغيير الواقع تحت شعارات التنوير والتحديث والتقدم، لكن ما «أتقنه أصحاب هذا النموذج على اختلاف طبعاته هو نفي الواقع لكي يكون على مقاس تصوراتهم، لذلك فقد اشتغلوا بفبركة الأوهام وتلفيق النظريات لكي ينتجوا هشاشتهم الفكرية وعزلتهم المجتمعية ويمُسوا على هامش الأحداث والمتغيرات»[19]. هذا التلفيق والابتعاد عن الواقع جعل جهود أكثرهم تضيع في سبيل الإجابة عن أسئلة غير مطروحة أصلا في الواقع العربي، يقول أحد الدارسين: «الواقع أن عموم الناس غير مرئيين في عمل عزيز العظمة، مثله مثل عموم الحداثيين والتاريخانيين والثقافويين، يرون الدولة، الإسلام، العلمانية والإسلاميين ويمكن أن يروا الديمقراطية المعادية للدولة ولكن لا يرون أبدا عموم الناس، أو أي شيء عن الحياة اليومية، أو أي وصف لخبرة حية»[20].

ومن أسباب بعد المفكرين العرب عن واقعهم؛ كون الأسئلة التي حاولوا الإجابة عنها أسئلة مستوردة تم تمريرها مع المناهج الغربية المستوردة، إذ ليس هناك من منهج بريء أو معزول عن حمولة نظرية وإيديولوجية قليلة أو كثيرة، وكما يقول طرابيشي: فـــــــــــــــــــــــــ« البراءة الايديولوجية في الدراسات العلمية في حقلي الإنسان والتاريخ مستحيلة»[21] لأن المنهج في النهاية هو طريقة للإجابة عن إشكاليات محددة في زمكان معين، وهناك تأثيرات متبادلة بين المنهج/الفكر/المجتمع/التاريخ، وبالتالي فتوظيف المثقفين العرب للمناهج الغربية يعني بالضرورة تورطهم في الإجابة عن الإشكاليات المطروحة في الفكر الغربي بصورة أو بأخرى، لأنهم بهذه الممارسة يفرضون المنهج على الموضوع، مع أن الأصح، كون الموضوع هو الذي يحدد المنهج الملائم له، كما أنهم يقلبون العلاقة بين المجتمع والفكر، فالمجتمع هو الذي ينتج الفكر، غير أنهم بهذه الممارسة يرغبون في إنتاج مجتمع وفقا لفكر محدد سلفا وهو الفكر الغربي، وطبعا هناك اختلاف وتفاوت بين الواقعين؛ العربي والغربي.

إن الانتقاص من قيمة المجتمعات العربية وازدرائها واعتبارها كتلا بلا وعي من قبل هؤلاء المثقفين، قد عمل على تعميق الهوة بينهم وبين الجماهير، حتى بدت الطبقة المثقفة وكأنها تعيش في أبراج عالية أو في جزر نائية منقطعة عن المجتمعات، وبإمكاننا طرح تساؤل مشروع بعد ما يقارب نصف قرن من ظهور المشاريع الفكرية لهؤلاء المفكرين وإعلان دعواتهم لتبني المناهج والمذاهب الغربية كسبيل للتقدم وللحداثة: لماذا لم تُؤت هذه المشاريع أُكلها؟ ولماذا لم تستفد مجتمعاتنا من هذه المشاريع؟ لماذا لازلنا نقبع في لحظة ما قبل الحداثة؟ لماذا لم نتخلص من سؤال التخلف بعد؟ بل لماذا تزداد أوضاعنا تأزما يوما بعد يوم وكأننا نسير إلى الخلف؟

والبعد عن الواقع يمكن اعتباره خيانة –ليس بالمعنى الأخلاقي طبعا- لقضايا المجتمع وقيمه، يقول أحد الباحثين: «خيانة المثقفين تكون بالصمت وعدم الالتزام وعدم الاكتراث بقضايا المجتمع وبالحياة الحقيقية، المثقفون مطالبون بوضع موهبتهم وشهرتهم في خدمة قضايا أكثر عمومية وبالالتزام بالنضال ضد المظالم»[22]، ومعلوم أن مفهوم المثقف لا ينفصل عن مفهوم الالتزام حسب الكثير من المفكرين خاصة الماركسيين والوجوديين، ففي الالتزام يلتقي الفكر بالعمل، المبدأ بالتطبيق، القناعة الفردية بالمصلحة الجماعية، والالتزام هو رفض السلبية، رفض الصمت، رفض التملص من العالم، وتسجيل حضور إيجابي في سبيل تحقيق المبادئ التي يؤمن بها المثقف وهذا ما يجعله يكتسب تلك الصفة والمكانة والمصداقية.

هكذا عاشت المجتمعات العربية جدلا كبيرا بين مشروع يبشر بمستقبل واعد من خلال تبني قيم الفكر الغربي، بمعنى: مستقبل العرب في حاضر الغرب، ومشروع يبشر بمستقبل زاهر بالعودة لقيم التراث والسلف الصالح والعصر الذهبي، بمعنى: مستقبل العرب في ماضيهم، وبلغة طرابيشي فإن الجدل قائم بين طرحين متباينين: « من ناحية أولى رغبة مسبقة في تبرئة التراث، ومن الناحية الثانية رغبة مسبقة في تجريمه، وبين كلتا الرغبتين المتعارضتين ضاعت الحقيقة التاريخية»[23] وأهملت المعاناة اليومية للمواطن العربي التي ما فتئت تزداد حدة وضراوة، حتى فقد أبسط حقوقه في كثير من البلدان العربية، على رأس هذه الحقوق: الحق في الحياة.

لقد تعددت الإيديولوجيات والرؤى وتشعبت وتذررت بحثا عن الحلول، ولكنها كانت كلها متجهة نحو المآلات والحلول النهائية: تنوير، حداثة، صحوة، سلفية…الخ، ولم تكن أبدا إيديولوجيات اجتماعية موجهة نحو شروط الوجود الأفضل للبشر العيانيين(الأشخاص) الذين يعانون في يومياتهم من كل النواحي، وهذا البعد عن الحاضر العربي، فسح المجال للطغيان السياسي، الذي تفنن في تشكيل وإعادة تشكيل حياة الأفراد باعتبارهم كالصلصال يقبل كل الصور والأشكال.

بالعودة إلى واقعنا المتأزم كثيرا خصوصا في السنين الأخيرة والمرشح للتأزم أكثر، نجد أن المثقف غائب بصورة شبه كلية عن هذا المشهد الذي يفترض أن يكون حاضرا فيه بقوة وفعالية أكثر من أي وقت مضى، ولعل هذا الغياب –والتغييب كذلك- تم بفعل عوامل عديدة منها ما يرجع للمثقف نفسه، ومنها ما يمكن رده للطبقة السياسية الحاكمة، ومنها ما برجع للبنية الاجتماعية والثقافية السائدة في بلداننا، فهناك قطيعة تكاد تكون كلية بين المثقف والجماهير كما أشرنا آنفا، وهي ناتجة عن معطيين أساسيين هما: نوعية الخطاب ووعي المتلقي، فكثير من مثقفينا ينتجون خطابات نخبوية موغلة في التجريد والكليانية وبالتالي يتعسر مرورها أو تلقيها من قبل الجمهور الذي يرغب في إيجاد حلول للقضايا الجزئية التي يعانيها.

هناك مفكرون كثر أنتجوا نصوصا غاية في الأهمية، ولكن أغلب هذه النصوص لم يطلع عليها إلا القارئ الأكاديمي المتخصص، ولم تجن منها المجتمعات العربية أية فائدة تذكر، فكم هو عدد قراء نصوص الجابري أو أركون أو هشام جعيط (1935- 2021  )  أو طه عبد الرحمن (1944-    ) أو عبد الله العروي وغيرهم كثير؟ ثم ماذا استفادت المجتمعات العربية من كل هذه النصوص التي أنتجت على مدار نصف قرن تقريبا؟ كأن المفكرين العرب يحاور بعضهم بعضا ويكتبون لأنفسهم لا للجماهير، فهذه الأخيرة تبقى تعاني -بفعل غياب استراتيجيات ثقافية وسياسات توعوية- تشظي الوعي وتركز كل اهتمامها على ضمان الحاجات المادية دون التفاتٍ للمطالب الثقافية، وهذا ما يعني ضرورة إحداث تغيير جذري في الخطاب الذي ينتجه المثقف العربي من حيث مبادئه، إشكالياته، منهجه، لغته، وبنيته ككل، بما يتيح للمثقف إمكانية الالتحام بالواقع العربي بدل نفيه، وتركيز تفكيره على حاضر الأنا ومستقبله، بدل ماضي الأنا أو حاضر الآخر، لأنه دون التحام المثقف بالواقع وتدخله بفعالية لحل المشكلات الجزئية التي يعانيها المواطن، ستبقى المسافة طويلة بينه وبين الجماهير، مثلما هي الآن ومثلما كانت في الماضي القريب، نحن بحاجة إلى خطاب جديد ومثقف جديد، مثقف النظر والعمل الذي يستفيد من التجارب السابقة، يصحح أخطاءها ويتجاوز مزالقها بما يفيد الوطن والمواطن العربي فعلا وفي الوقت الراهن.

ثالثا: نقد النقد أو ما بعد المشاريع الفكرية:

من الواضح أن الموقع-العلاقة الذي عاش عليه المفكر العربي طيلة نصف قرن تقريبا ليس بالموقع المناسب  لجعله يؤدي وظيفته بكل فعالية، خاصة في ظل الأزمة متعددة الجوانب التي تعيشها مجتمعاتنا والفوضى القيمية التي تتخبط فيها، والحاجة الماسة للتدخل النقدي الواعي من قبل الأطراف الحية لإعادة القطار إلى السكة الصحيحة، ففي ظل الأوضاع الراهنة يبدو أنه آن الأوان لإعلان موت المفكر صاحب المشروع الشامل وإفلاس هذا التوجه الفكري بصورة نهائية، وهذا طبعا لا يعني الانتقاص من قيمة المثقفين العرب أصحاب المشاريع ولا ازدراء هذه المشاريع، إنما المقصود من وراء ذلك هو التنبيه إلى مسألة مهمة وهي أن لكل مرحلة زمنية ولكل وضع اجتماعي طريقة التفكير المناسبة، فالموضوع هو الذي يحدد المنهج الملائم لدراسته كما قلنا سابقا، والوضع العربي، وإن كان في المرحلة التي تلت الاستقلال مباشرة كان بحاجة لمشاريع شاملة لكل مناحي الحياة، إلا أنه الآن وفي ظل التعقيدات الراهنة التي تحياها المجتمعات العربية، يبدو جليا أن هذه المشاريع أو المنظومات الشاملة لم تعد تجدي نفعا.

ومن ثم فإن إعلان نهاية مفكر المشاريع والأنساق، هو في حقيقته إعلان عن ميلاد المثقف النقدي، التخصصي، المتمرد بصورة أو بأخرى عن المألوف والسائد، يقول طرابيشي في هذا المعنى: «..ههنا تحديدا تكمن مفارقة الشرط الوجودي والمهني للكاتب، فمهما يكن حرصه على الانتماء بضميره إلى أهل الجماعة، فلا خيار له إلا أن ينتمي بقلمه إلى أهل البدعة، هذا إن كان حريصا على أن يرقى في نظر نفسه على الأقل إلى مصاف كاتب مبدع»[24] فالمثقف النقدي المبدع هو الذي يتماشى دوره مع معطيات المرحلة الراهنة من التاريخ البشري أي مرحلة ما بعد الحداثة، ومعلوم أن أبرز فكرة نظَّر لها مفكرو  هذه المرحلة بداية من الفيلسوف الفرنسي جون فرانسوا ليوتار J.F.Lyotard (1924-1998) هي رفض المفاهيم الكلية المجردة التي قامت عليها الحداثة واعتبارها مجرد سرديات كبرى، ثم الدعوة إلى الاستعاضة عنها بمفاهيم قطاعية، من منطلق تشظي العقلانية إلى عقلانيات قطاعية أو جهوية، فالمثقف التخصصي، إذن، والذي نعتقد أنه آن الأوان لميلاده في السياقات العربية، هو المهتم بتحليل وتشخيص وتقويم المشكلات الجزئية التي يعانيها المواطن العربي في يومياته، فما أحوجنا إلى تفكير الحاضر بكل تعقيداته، وما أحوج الكثير من الفئات التي تعاني بصمت في بلداننا إلى من يسمع صوتها وينقل آلامها لمن بيده الأمر والنهي، يقول أحد الباحثين: «لقد فرضت الثورات العربية على المثقف العربي والفيلسوف والمفكر السياسي والعالم الشرعي مراجعة المفاهيم الفكرية والأطروحات التقليدية في فهم التحولات الاجتماعية والسياسية والحضارية وتجديد المقولات سواء أفي الواقع السياسي أو في نظريات الإصلاح والتغيير أم في فهم جدل الفكر والواقع، وإعادة بناء مقولات جديدة أكثر تفسيرية»[25]، ولئن كنا نتحفظ على استعمال مصطلح “ثورات عربية” لمبررات كثيرة لا يسمح الفضاء الإشكالي لهذا البحث بالتفصيل فيها، فإننا نؤكد مع هذا الباحث على ضرورة مراجعة موقع المثقف وكذا الاستراتيجية المفاهيمية والمنهجية التي يقارب بها موضوعاته، ولا بد له من الانخراط الفعلي في هموم المجتمع وقضاياه المصيرية، لأننا بحاجة إلى تأسيس ثقافة جديدة لمجتمع جديد، وهذا يحتاج لثورة حقيقية في التربية والتعليم ومناهج التدريس، وفي السياسات الإعلامية والثقافية، كما في البرامج الاقتصادية وطرق التسيير الإداري، وطبعا أساليب الممارسة السياسية وغير ذلك من المجالات الاستراتيجية في المجتمع، بمعنى أن هناك كمًّا هائلا من القضايا المصيرية التي تنتظر تدخل المثقف بصورة دقيقة واضحة مركزة على الحلول الجزئية دون تلك المشاريع الفكرية الضخمة التي هي في الحقيقة أكبر حتى من أصحابها، و«أمام انتشار انعدام المساواة والصعود المتنامي للمظالم والخروق المتزايدة للحقوق وللكرامة الإنسانية، وسهولة معرفة هذه الأمور بفضل العولمة ووسائل الإعلام، لم يعد مقبولا للمثقف وإن كان باحثا في العلوم أن يبقى فوق قمته»[26].

لقد آن الأوان أن يعبِّر المثقف عن موقفه من القضايا الواقعية والجزئية، كموقفه من قضايا البطالة والتسرب المدرسي، من المنظومات التعليمية، وموقفه من ممارسات الأجهزة الأمنية، والمصالح الصحية، وموقفه مما يحدث داخل المؤسسات العقابية، أو داخل المؤسسات الرياضية، موقفه من الاستهلاك والإجهاض، وموقفه من العنف، والحرب والحب، من المخدرات، من الهجرة غير الشرعية …الخ، الواقع يتطلب انخراطا حقيقيا ومسؤولا، ومواجهة مباشرة للصعوبات اليومية، ونحن نلاحظ أن هناك قضايا لا تعد ولا تحصى من هذا النوع، يمكن، بل يجب على المثقفين إبداء الرأي فيها على أن يكون ذلك وفقا لمبدأ “كل في اختصاصه” أو كما اختتم الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتجنشتين L. Wittgenstein  (1889-1951) عمله الشهير “رسالة منطقية فلسفية” بعبارة جد صريحة قائلا: « تجاه مالا نستطيع الحديث عنه ينبغي أن نلتزم الصمت»[27]، فتقسيم العمل واحترام التخصص وكذا الاحترافية في النظر والعمل هي سمات أساسية للفاعل الاجتماعي المعاصر، وهي سمات لم يعد ممكنا التدخل من أجل التغيير دون الالتزام بها في عالم اليوم، وفي كل المجالات دون استثناء، لأن زمن الموسوعية والعشوائية ولى بلا رجعة.

بمثابة خاتمة: المهام المستقبلية لمثقف ما بعد المشاريع:

انطلاقا من الأوضاع الراهنة للعالم العربي المثقف العربي أقصد مثقف ما بعد المشاريع مطالب -كما عبر عن ذلك جورج طرابيشي-«بأن ينزع عن بصره وبصيرته غشاوة الإيديولوجيا، وأن يحرر نفسه من الصيغ الجاهزة والمفاهيم المتآكلة، وأن يضع ذاته من جديد في مدرسة الواقع والحقيقة. وكذلك، وعلى الأخص في مدرسة المعرفة»[28]، ويمكن رصد أهم المهام التي تنتظر مثقف ما بعد المشاريع أن يقوم بها سواء على مستواه الشخصي أو على مستوى المجتمع في جملة نقاط هي:

  • المثقف مطالب بالتواضع الفكري عبر التخلي عن عقلية الوصي ونزع رداء المخلص، فمهمته الأولى هي القيام بــــــــ« مراجعة مؤلمة للذات، ولجهاز مفاهيمه الذي بات باليا ولا يعض-باستثناء الوهم الايديولوجي-على أي واقع»[29] ومن ثم وجب عليه إثارة القدرة على التساؤل النقدي والحاجة إلى الفهم لديه أولا ولدى الآخرين ثانيا، والعمل على خلق حالة من الوعي بالوضع المعيش لأن ذلك أساس الحركة من أجل التغيير، وهذا ما وصفه الفكر الغربي في العقود الأخيرة بعبارة “موت المثقف”، دون أن يعني ذلك «سقوط مبررات الأمل والعمل أو أفول المثقف بقدر ما تكشف عن تناهي المثقف، وهو ما يلزم عنه ضرورة احترامه لحدوده أو إقليمه ووعيه بتاريخيته أو شروطه المعرفية والنظرية، فلا يتعامل مع نفسه بوصفه آية الحق ورسول الحقيقة أو محامي الحرية والعدالة أو صفوة الأمة والبشرية»[30]بل بوصفه فردا ككل أفراد الجماعة التي ينتمي إليها، ولا فضل له على الأفراد الآخرين، وكل فرد لابد أن يؤدي الوظيفة الموكلة إليه، والعلاقات داخل الجماعة هي علاقات تكامل لا تفاضل.
  • المثقف مطالب بالتواضع الأخلاقي وإعادة ربط العلاقة بينه وبين الجماهير، لأن هؤلاء هم الذين يمنحونه المصداقية والاعتراف، كان جون بول سارتر في فلسفته يصف الآخر بالجحيم، ومع ذلك فهو يرى أن للمثقف أو الكاتب دورا جديدا ومهما وهو تحقيق التكامل مع الغير، لأنه لا يمكن أن يهرب من زمنه ومحيطه، بل عليه أن يتقبله تماما، ثم يسعى مع الآخرين لتغيير النقائص الموجودة في هذا المحيط، «فالمثقف يتمثل ثقافة مجتمعه، ويستلهم أحلام قومه وآمالهم، وهو في الوقت نفسه يأبى أن يكون أسير سلبيات الواقع القائم فيعمل على تجاوزها، ويعمد إلى الاعتكاف لتحقيق الصفاء الذاتي واستلهام الحق، ولا يلبث أن يعود إلى القيام بدوره، وهو حين يعود يلتقي بأقرانه فيعملون معا في مجتمعهم ولا تلبث الأكثرية أن تتبعهم فيحدث النمو الحضاري»[31].
  • المثقف مطالب أيضا بالسعي لمنع نفسه وغيره أيضا من الظهور كمن يمتلك الحقيقة ويحتكرها، ثم والعمل على فضح المشروعيات القائمة ونزع الأسطرة عنها، ببيان تاريخيتها وكيفيات تشكلها وأساليب اشتغالها، لأنه لا يحق لأحد احتكار الحقيقة ومنع الآخرين عنها، فالبحوث فيما يتعلق بالإنسان والمجتمع يبقى نسبية جدا في نتائجها، وكل بحث يظل  مجرد تأويل ممكن فقط ضمن تأويلات أخرى للواقعة التي قام بدراستها، وبالتالي فهو مجرد مقاربة للحقيقة دوم القبض عليها، فكل معرفة بما في ذلك المعرفة العلمية – التي تعد أدق أنماط المعرفة- ليست أكثر من مجرد مقاربة كما يقول الإبستيمولوجي الفرنسي غاستون باشلار Bachelard (1884-1962).
  • المثقف مطالب بممارسة التواصل النقدي مع مختلف الخطابات والمؤسسات السياسية والدينية والاجتماعية، والمقصود بالتواصل النقدي هو ذلك الموقع الوسط الذي يتجاوز الموقفين المعتادين للمثقف تجاه المؤسسات –خاصة المؤسسة السياسية- في مجتمعاتنا، ألا وهما: موقف العزلة والانطواء بدعوى المعارضة وموقف الارتماء في أحضان السلطة وتبرير شتى ممارساتها، فالتواصل النقدي شبيه بالعلاقة مع النار كما أسلفنا الذكر، المثقف إذن مطالب بالمتابعة لكل ما يحدث في المجتمع، وإبداء الرأي بكل جرأة من هذا الذي يحدث بما تسمح به الظروف، ومن ثم ممارسة الوساطة بين مصادر القرار والجهات المتجه إليها، أقصد بين مؤسسات الدولة والمواطنين، بشرح قرارات هذه المؤسسات وتبيان ما فيها وما عليها من جهة، ونقل انشغالات المواطنين للجهات العليا من جهة أخرى، وحتى يكون هذا التواصل ممكنا فعلا ويسمح للمثقف بإنجاز هذه الوساطة بكل اقتدار وفعالية، لابد للمثقف أن يُعدِّل لغته ويخاطب الناس بما يفهمون، لأن اللوم لا يقع كله على القراء أو المتابعين والحكم عليهم بأنهم لا يفهمون ولا يستوعبون، إنما يقع على الكتّاب والمثقفين أيضا لأنهم مطالبون بتجديد خطاباتهم بما يلائم الجماهير التي يتوجهون إليها، والبحث عن أفضل الوسائل لتمرير أفكارهم ونشرها، وخاصة بعد الانتشار والفعالية الكبيرين لمواقع التواصل الاجتماعي، والوسائط التكنولوجية الجديدة، وقد رأينا أثناء الأحداث التي عرفتها بعض الدول العربية منذ 2010 كيف استطاع نمط جديد من المثقفين البروز والتأثير بقوة في المشهد العربي ونقصد بهم النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي والمدونين والناشرين لهذه التدوينات التي استطاعت أن تصل إلى أكبر عدد معين من الأفراد في أقصر وقت ممكن، فالمثقف مطالب باستلهام العبرة والانفتاح على التكنولوجيات الحديثة وتوظيف اللغة المناسبة لهذه المواقع التي تيسر نقل الفكرة إلى أكبر عدد من المستهدفين.
  • إن ممارسة المثقف للوساطة بين السلطة والمواطنين ليست بالعملية السهلة ولا بالعملية الفردية، إنما هي عملية جماعية تتطلب انخراط المثقفين في مؤسسات المجتمع المدني، من جمعيات واتحادات ونقابات…الخ، لأن العلاقة بين المثقفين والمجتمع المدني علاقة جوهرية بكل ما تحمله الكلمة[32]، فمن خلال هذه المؤسسات يجد المثقفون السبيل الأمثل للتعبير عن مواقفهم من مختلف القضايا وإيصال هذه المواقف بصورة سريعة سواء للسلطات ومصادر القرار أو للمواطنين، وبالتالي المشاركة بفعالية في التغيير نحو الأفضل، غير أن ترقية دور المجتمع المدني بدوره مشروط بتكريس الدولة المدنية ودولة القانون القائمة على التحول في الحكم من النظام الفردي المشخص في ملك أو أمير، إلى الحكم المجرد الذي يتحقق عن طريق القاعدة القانونية والمؤسسات ونظم الدولة، وهذا التحول لم يكن ليحدث لو لم يتم التمييز بين الميدان السياسي والديني، وبين الفضاء العمومي والفضاء الشخصي[33]، وبالرغم من أن مفهوم دولة القانون كثير التداول في مختلف خطاباتنا إلا أنه لم يتأصل بعد في واقعنا، فلا نزال نعيش مرحلة بين مرحلتين، فالنظم القديمة آيلة للزوال ولكنها لم تنته بعد والنظام الحديث آت لم يصل بعد، فتكون بذلك إحدى المهام الكبرى الملقاة على عاتق المثقفين هي التنظير لدولة القانون ومقتضياتها من مواطنة ومجتمع مدني وديمقراطية وحرية…الخ.
  • إذا ما عدنا إلى التجربة الفرنسية، نجد أن المثقفين الفرنسيين المعاصرين تخلوا «على مبدأين أساسيين من مبادئ ثورة ماي 1968، التغيير الثوري العنيف للمجتمع، والكراهة المطلقة للرأسمالية»[34]، وبالنظر للأوضاع التي تعيشها مجتمعاتنا يبدو أننا بحاجة ماسة إلى التخلي عن مبدأ التغيير العنيف للمجتمع، فنحن نرى كل يوم الثمن الباهظ الذي تدفعه المجتمعات العربية التي وصلت إلى مرحلة التغيير العنيف، دون أن ترتسم في الأفق مؤشرات هذا التغيير، يكفى أن نلاحظ عدد القتلى والدمار الذي أصاب المدن السورية، والشيء نفسه في ليبيا والعراق واليمن والسودان وغيرها، التغيير العنيف لم يعد حلا بالنظر لتكلفته الباهظة وبالنظر أيضا لتكالب القوى الأجنبية وتدخلها المباشر في عملية التغيير هذه بغرض تحقيق مصالح أكبر وإطالة عملية التغيير لوقت أكبر، فليس من مصلحتها أن تحقق مجتمعاتنا ما تصبو إليه من استقرار وتقدم وتنمية.
  • مقابل التخلي عن مبدأ استعمال العنف كأداة للتغيير لابد من تكريس قيم الحوار والتواصل وغيرها من القيم الإنسانية، كبديل من أجل التغيير لأن المستقبل يعني الجميع ولابد أن يشارك في صناعته الجميع وما المثقف إلا أحد الأطراف التي ينبغي أن تكون فاعلة في صناعة هذا المستقبل، بفضل موقعه الوسيط بين السلطة والجماهير وبفضل درجة الوعي الفائقة التي يفترض أن يتميز بها المثقف عن غيره، صدر مؤخرا كتاب جدير بالاهتمام للباحث الفرنسي عبد النور بيدار Bidar(1971- ) حول القيم الإنسانية المشتركة التي ينبغي نقلها وتكريسها في مختلف السياقات الاجتماعية، ينطلق مؤلفه من قناعته بأن ما يجمعنا أقوى مما يفرقنا [35]، وقد رصد ثلاثين قيمة أساسية مشتركة، قسمها إلى قسمين: القسم الأول ويضم قيم ثقافة التوعية والحكم القيمي وتشمل: الأخوة، الصداقة، الإيثار، فعل الخير، التسامح، الفكر النقدي…إلخ، أما القسم الثاني فيضم قيم ثقافة القانون والحق والالتزام، وتشمل: الاستقلالية، حسن التدبير، الوفاء، الحذر، الإبداع، الأنسنة …إلخ. ونحن أيضا بحاجة ماسة لتكريس مثل هذه القيم في مجتمعاتنا العربية، وهي مهمة تقع على عاتق المثقفين من خلال تضمين أعمالهم وإبداعاتهم هذه القيم الراقية والتي تؤسس لثقافة التعايش الآمن بين مختلف الأطراف المتباينة الأعراق والمذاهب والانتماءات.
  • سيظل خطاب المثقفين العرب غير فعال كما يجب ما لم تتعدد مشاربه وتتنوع التخصصات العلمية لمنتجي هذا الخطاب، ذلك أن غالبية المثقفين العرب ينحدرون من تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية والشرعية، ومن ثم فقد غلبت الموضوعات ذات العلاقة بالدين والتراث والسياسة على خطاباتهم، وتقاربت مناهجهم ومفاهيمهم، حتى وإن كنا نلمس اختلافات في المواقف بين هؤلاء المثقفين إلا أننا لا نكاد نلمس تجديدا حقيقيا في الفكر العربي، فالأسئلة التي طرحها مفكرو النهضة العربية في القرن التاسع عشر هي نفسها الأسئلة التي لا زالت تطرح الآن، بل وحتى الإجابات التي تقدم لا تبدو مغايرة كثيرا لإجابات عصر النهضة، وذلك لأن الفكر العربي حرم بصورة شبه كلية من الإضافات التي يقدمها المثقفون المنحدرون من التخصصات العلمية الدقيقة كالرياضيات والفيزياء والهندسة والطب وغيرها، فالبلدان العربية تبدو شبه خالية من العلماء في هذه التخصصات، وإن وجد علماء عرب –على قلتهم طبعا-فهم غير منفتحين على الواقع وعلى المشكلات التي يعانيها المواطن العربي، وغير مستعدين للإسهام بما يساعد على حلها، مع أن إسهاماتهم ستكون ذات فائدة جمة، سواء في تقديم الحلول المباشرة للمشكلات، أو في إثراء الثقافة العربية وضخ دماء جديدة في الفكر العربي من خلال مفاهيمهم ومناهجهم وتصوراتهم العامة حول الإنسان والمجتمع والطبيعة، التي تختلف كثيرا عن تصورات المثقفين القادمين من تخصصات الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية والدينية، وغياب هذه الإسهامات العلمية يعتبره طرابيشي سببا رئيسا في الوضع البائس للفكر العربي الذي ليس أكثر من تقليد ومحاكاة واستهلاك لما أنتجه أو ينتجه الآخرون، حيث يقول مؤكدا ذلك: «إن الثقافات الوحيدة المنتجة للفلسفة اليوم هي الثقافات المنتجة للعلم، وحسبنا أن نقرر أن الثقافة العربية المعاصرة غير منتجة للعلم حتى نفهم لماذا يتحتم أم يكون المتفلسفون العرب عالة سواء على الفلسفة الإسلامية القديمة أو على الفلسفة الغربية الحديثة»[36]، والتاريخ يعلمنا أن صناع المنعطفات الكبرى التي تطور بعدها الفكر الإنساني سواء في السياق العربي الإسلامي أو السياق الغربي كانوا –في الغالب-رياضيين وفيزيائيين وأطباء ..الخ، ولعل خير شاهد على ذلك أسماء فلاسفة كبار على غرارـ: ابن سينا (980-1037) وابن رشد (1126-1198) ورينيه ديكارت، ونيوتنNewton (1642-1727) وبرتراند رسل B.Russell (1872-1972) وتوماس كوهن T.S.Kuhn (1922-1996) وغيرهم كثيرون.

 

 

 

– لائحة المراجع:

-مراجع بالغة العربية:

-جورج طرابيشي: مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة، بيروت: دار الساقي، ط1، 1993.

-جورج طرابيشي: المثقفون العرب والتراث،لندن: رياض الريس للكتب والنشر، ط1، 1991

-جورج طرابيشي: هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة..، بيروت:دار الساقي-رابطة العقلانيين العرب، ط1، 2006.

-أحمد صدقي الدجاني(وآخ):المثقف العربي، همومه وعطاؤه، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،ط1، 1995.

-أسامة عبد الرحمن: المأزق العربي الراهن، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1999.

-باسكال بونيفاس: المثقفون المزيفون، ت: روز مخلوف، دمشق: دار ورد للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2013.

-محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط9، 2006.

– محمد أركون: قضايا في نقد العقل الديني، ت: هاشم صالح، بيروت: دار الطليعة، ط1، 1998.

-محمد أركون: الإسلام والحداثة، ت: هاشم صالح، مجلة التبيين: العدد: 2-3، منشورات الجاحظية، الجزائر 1990.

-محمد شوقي الزين: إزاحات فكرية، مقاربات في الحداثة والمثقف، الجزائر: منشورات الاختلاف، ط1، 2005.

-محمد الشيخ: المثقف والسلطة، بيروت: دار الطليعة، ط1، 1991.

-سلمان بونعمان: فلسفة الثورات العربية، بيروت-الرياض: مركز نماء للبحوث والدراسات، ط1، 2012.

-علي الكنز: حول الأزمة: 5 دراسات حول الجزائر والعالم العربي، الجزائر: دار بوشان للنشر، ط1، 1990.

-عياض بن عاشور: الضمير والتشريع، العقلية المدنية والحقوق الحديثة، بيروت-الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 1998.

-ياسين الحاج صالح: في نقد عبد الله العروي، الحوار المتمدن-مجلة اليكترونية، العدد 4745، 2015 .

-مراجع باللغة الفرنسية:

-Ludwig Wittgenstein : Tractatus logico-philosophicus, tr : Gilles-Gaston Granger, Paris : Ed : Gallimard, 1993.

-Abdennour BIDAR : Quelles valeurs partager et transmettre aujourd’hui ?,France : Ed : Albin Michel, 2016.

 

 جورج طرابيشي: مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة، بيروت: دار الساقي، ط1، 1993، ص 07[1]

 أسامة عبد الرحمن: المأزق العربي الراهن، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1999، ص 07.[2]

 جورج طرابيشي: مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 07.[3]

 جورج طرابيشي: هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة..، بيروت:دار الساقي-رابطة العقلانيين العرب، ط1، 2006، ص 63.[4]

[5] أسامة عبد الرحمن:مرجع سابق، ص118.

 علي الكنز: حول الأزمة: 5 دراسات حول الجزائر والعالم العربي، الجزائر: دار بوشان للنشر، ط1، 1990، ص 08.[6]

 جورج طرابيشي: مذبحة التراث، مرجع سابق، ص 05.[7]

 جورج طرابيشي: هرطقات.. ، مرجع سابق، ص 59[8]

 محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط9، 2006، ص 05. [9]

 محمد أركون: قضايا في نقد العقل الديني، بيروت: دار الطليعة، ط1، 1998، ص 331.[10]

 مثال على حضور الإسقاط لدى حسن حنفي،انظر: جورج طرابيشي: المثقفون العرب والتراث،لندن: رياض الريس للكتب والنشر، ط1، 1991[11]

 جورج طرابيشي: مذبحة التراث، مرجع سابق، ص 36[12]

 الكتابين صدرا على التوالي عن: دار التنوير العلمي، عمان، 1995، ودار الطليعة، بيروت، 2001.[13]

 جورج طرابيشي: مذبحة التراث، ص ص 73-74.[14]

 المرجع نفسه، ص ص 80-81.[15]

 محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، ص 573.[16]

 محمد أركون: الإسلام والحداثة، ت: هاشم صالح، مجلة التبيين: العدد: 2-3، منشورات الجاحظية، الجزائر 1990، ص: 222.[17]

 جورج طرابيشي: المثقفون العرب والتراث، مرجع سابق، ص 273.[18]

[19]  سلمان بونعمان: مرجع سابق، ص 118.

 ياسين الحاج صالح: في نقد عبد الله العروي، الحوار المتمدن-مجلة اليكترونية، العدد 4745، 2015 .[20]

 جورج طرابيشي: مذبحة التراث، مرجع سابق، ص 52.[21]

[22]  باسكال بونيفاس: مرجع سابق، ص 15.

 جورج طرابيشي: مذبحة التراث، ص 07.[23]

 جورج طرابيشي: هرطقات…، مرجع سابق، ص 07.[24]

[25]  سلمان بونعمان: مرجع سابق، ص ص 84-85.

[26]  باسكال بونيفاس: مرجع سابق، ص 17.

[27]Ludwig Wittgenstein : Tractatus logico-philosophicus, tr : Gilles-Gaston Granger, Paris : Ed : Gallimard, 1993, p112.

 جورج طرابيشي: هرطقات..، مرجع سابق، ص 121.[28]

 المرجع نفسه، ص 122.[29]

[30]  محمد شوقي الزين: إزاحات فكرية، مقاربات في الحداثة والمثقف، الجزائر: وزارة الثقافة-منشورات الاختلاف، ط1، 2005، ص 67.

[31]  أحمد صدقي الدجاني (وآخ): مرجع سابق، ص 21.

 علي الكنز: مرجع سابق، ص 15.[32]

[33]عياض بن عاشور: الضمير والتشريع، العقلية المدنية والحقوق الحديثة، بيروت-الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 1998 ص 214.

[34]  محمد الشيخ: مرجع سابق، ص 166.

[35] Abdennour BIDAR : Quelles valeurs partager et transmettre aujourd’hui ?,France : Ed : Albin Michel, 2016.P :09.

 جورج طرابيشي: هرطقات، ص 60.[36]

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete