نقد فريتيجوف كابرا للنزعة الآلية الحديثة وتجلياتها المعاصرة: نحو رؤية أخلاقية للتعايش

 تكوين

 المقدمة:

اقترن التقدم العلمي والتقني في القرنين السابع عشر، والثامن عشر، بفكرة كانت رائجة آنذاك، وهي فكرة الوعود الثلاثة العظمى: الوعد بالحرية، والتقدم، والوفرة غير المحدودة. وقد دعمت كتابات الفلاسفة، ولا سيما فلاسفة التنوير هذه الأطروحات. لكن تبددت هذه الوعود وتلاشت في النصف الأول من القرن العشرين الذي شهد العديد من الأحداث المأسوية، التي كان من أبرزها الحربين العالميتين اللتين راح ضحيتهما ما يقرب من ثمانين مليون نسمة. هذا التناقض بين وعود الحداثة والتنوير، وأحداث القرن العشرين هو ما أبرزه الفيلسوف الفرنسي جاك ماريتان عندما قال: “وضحت الأحداث المأسوية في القرن العشرين أكذوبة النزعة التفاؤلية ” ([1]).

وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عاد الشعور بالتفاؤل والأمل مجددا، وارتفعت شعارات من قبيل البشرية أولا، وأصبحت الدعوات لنشر السلام، وتحرر وتقدم الإنسان، ونيل حقوقه غايات أسمى ينبغي أن تتوجه إليها كل الطاقات الخلاقة وتعمل على تحقيقها. لكن يبدو أن الممارسات الفعلية لحقوق الإنسان وحرياته، والتي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وغيره من المواثيق والمعاهدات الدولية الأخرى، ستظل مثلا أعلى يصعب بلوغه، بل أمنية يعز نيلها وتحقيقها على أرض الواقع. فلم يكن القانون، والحروب، وملايين القتلى، دوافع قوية لردع الضمير الإنساني النازع إلى الحروب الاستعمارية والسيطرة، ولا لترسيخ ثقافة السلام، والمحبة، واحترام الإنسان وكرامته.

هذا الشعور بتزايد الأزمات الإنسانية التي باتت تهدد بأفول الحضارة الغربية هو ما عبر عنه الفيلسوف النمساوي فريتجوف كابرا* Fritjof Capra قائلا:” إننا نمر بأزمة عميقة وعالمية (…) إنها أزمة غير مسبوقة في التاريخ البشري. فلأول مرة نواجه التهديد الحقيقي بإبادة الجنس البشري، بل ونهاية كل حياة على كوكب الأرض” ([2]).

لذا اهتم كابرا بكشف التناقض الكامن في ممارسات الحضارة الغربية المعاصرة، مؤكدا أن الشعارات الرنانة عن الإخاء والمساواة والحرية والسلام، هي شعارات دون مضمون حقيقي. فالغرب، من وجهة نظره، لم يتخل يوما عن نزوعه نحو السيطرة والاستعمار والاستغلال، وهذا ما تؤكده الإحصائيات التي يستند إليها كابرا، ليوضح لنا أن شغل الغرب الشاغل هو التأهب للحروب، وليس العكس كما يدعون، إذ يقول:

“في عام 1978 قارب الإنفاق على شراء الأسلحة 425 بليون دولارا، أي بما يزيد على بليون دولار يوميا (…) في الوقت الذي كان يموت فيه أكثر من 15 مليون نسمة، معظمهم من الأطفال بسبب المجاعة. وفي الوقت الذي يعاني فيه البشر من نقص المياه النقية، ينهمك العلماء والمهندسون الغربيون في تطوير تكنولوجيا الأسلحة” ([3]).

بالفعل، تمر الحضارة الغربية المعاصرة بالعديد من الأزمات الطاحنة التي قد تؤذن بأفولها مثل: سباق التسلح النووي، وأزمات الطاقة، والكوارث البيئية، وتصاعد موجات العنف والجريمة …، وهو ما استدعى حشد جهود الفلاسفة والمفكرين لتشخيص الداء ومحاولة إيجاد الدواء الملائم للخروج من هذه الأزمات. وهناك شبه إجماع بين الفلاسفة على أن هذه الأزمات نتجت بسبب التقدم العلمي والتقني الهائل في القرن العشرين، وهذا ما تؤكده عبارة فيلسوف الحضارة الألماني أزوفلد شبنجلر ( 1880ـ 1936) Oswald Spengler من أن

“عصرا تسود فيه الآلية وتسيطر عليه الاتجاهات اللادينية لهو عصر تدهور واضمحلال“([4]).

إن ما يشدد عليه شبنجلر هنا ليس بالتأكيد رفض التقنية والتخلي عنها، ولا العودة إلى العصور الغابرة، بل إنه يطالب بتحقيق قدر من التوازن بين المادي والروحي في حياة الإنسان والمجتمعات. فمن وجهة نظره، كل تقدم علمي أو تقني لا يصاحبه تسام روحي ينذر بالخطر.

لكن يعد الأمر مختلفا مع كابرا إلى حد ما، فهو وإن كان يتفق مع شبنجلر في ضرورة إعادة بعث وإحياء القيم الأخلاقية والروحية كما سنرى لاحقا، إلا أنه لا يختزل سبب هذه الأزمات في التقدم التقني والعلمي المعاصر، ولا يحصرها أيضا في تفشي واستشراء الرأسمالية المتوحشة، كما ذهب إلى ذلك العديد من الفلاسفة الماركسيين من أمثال: ماركوزه، وهابرماس، وفروم، بل إنه يرد كل الأزمات المعاصرة إلى القرن السابع عشر. فالآثار التي تركها لنا القرن السابع عشر، وفلسفته، ومناهجه، وعلومه هي سبب كل هذه الكوراث التي نعاني منها الآن.

ويُحمل كابرا بشكل خاص فلسفة ديكارت، وفيزياء نيوتن المسئولية عن كل ما آلت إليه الحضارة الغربية من تدهور، فقد

“أرسى ديكارت ونيوتن دعائم نموذج إرشادي آلي ميكانيكي سيطر على ثقافتنا لأكثر من ثلاثة قرون، شَكَل خلالها المجتمع الغربي، وأثر في باقي العالم” ([5]).

نفهم من هذا النص أن النزعة الآلية الميكانيكية، لدى كابرا، هي السبب الرئيس وراء الأزمات المعاصرة. هذه النزعة التي استهلها فلاسفة وعلماء القرن السابع عشر، وتطورت في القرون اللاحقة، هي ما قدمت المبررات الفلسفية والعلمية لآلية الكون والإنسان، والتعامل معهما من منطلقات قياسية وكمية محضة، وهذه هي بداية الأزمة الحقيقية عندما تم اختزال كل شيء في الأبعاد المادية فقط، وإغفال أهمية الأبعاد الأخرى غير المادية. كما نلاحظ في هذا النص أيضا أن كابرا يستخدم مصطلح النموذج الإرشادي paradigm، وهو المصطلح الذي صاغه فيلسوف العلم الأمريكي توماس كون في كتابه بنية الثورات العلمية، وهو ما سنشير إليه بالتفصيل في موضعه. وسنرى لاحقا كيف أن كابرا يخرج بهذا المصطلح من مجال فلسفة العلم، ليحاول تطبيقه بطريقة موسعة تشمل المجتمع والحياة بأسرها.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل يُحمل كابرا الحداثة الفلسفية والعلمية المسئولية عن كل الأزمات المعاصرة؟ ومن وجهة نظره ما خطورة النموذج الإرشادي الآلي الميكانيكي الذي حقق تقدما هائلا في العلوم، والذي لولاه لما حدث التقدم التقني والعلمي الهائل في عصرنا الراهن؟ في الحقيقة، لا نجد لدى كابرا نقدا صريحا وواضحا للحداثة، فلا تحمل أحد مؤلفاته عنوان الحداثة، أو نقد الحداثة، مثل الآن تورين، أو جاك ماريتان، وغيرهما. لكن المتأمل في فلسفته يجد أنه يشن نقدا ضمنيا عنيفا على كل قيم الحداثة الغربية: سواء الفلسفية، أو السياسية، أو الاقتصادية …، فالقيم التي يضعها كابرا للخروج من هذه الأزمات هي على النقيض التام من قيم الحداثة.

فإذا كانت الحداثة تدعو إلى الإعلاء من قيمة العقل، والفردية، والاستقلال، وتأكيد الذات، والتقدم غير المحدود، فإن كابرا يدعو في المقابل إلى الإعلاء من شأن الروحي، والكلي، والإيكولوجي، والاندماج والتكامل مع الطبيعة والكائنات الحية الأخرى

“إننا نعيش اليوم في عالم متصل، تترابط فيه الظواهر الاجتماعية والسيكولوجية والبيولوجية، وتعتمد كل هذه الظواهر على بعضها البعض، إننا نحتاج اليوم إلى منظور إيكولوجي لن تستطع الرؤية الديكارتية للعالم أن تقدمه لنا” ([6]).

وهنا تظهر خطورة النموذج الآلي الميكانيكي، فهي تكمن، حسبما يرى كابرا، في رؤيته للطبيعة  بوصفها آلة ضخمة هائلة ومعقدة، تخلو من أي روح أو حياة أو قيمة، وتعمل وفقا لقوانين آلية حتمية لا يمكن أن تحيد عنها. وبإمكاننا فهم وتفسير الكون كله بواسطة المنهج التحليلي الاختزالي reductionist analytical method الذي يرد الكل إلى الأجزاء.

رغم أن فضل هذا المنهج معروف في تقدم العلوم الطبيعية والرياضية، التي أسهمت إسهاما كبيرا في اندلاع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، إلا أنه لاقي معارضة كبيرة لدى كابرا، لأنه يتنافى مع رؤيته الايكولوجية، ومع نموذجه الإرشادي الجديد الذي سنعرض له بالتفصيل بعد عرضنا لنقده لفلاسفة القرنين: السابع عشر، والثامن عشر. لكن قبل أن نخوض في غمار هذا النقد لابد أن نشير في البداية إلى مفهوم النموذج الإرشادي وتطور أبعاده عند كابرا.

مفهوم النموذج الإرشادي عند كابرا:

صاغ فيلسوف العلم الأمريكي توماس كون (1922- 1996) مصطلح النموذج الإرشادي paradigm  ليشير به إلى “النظريات المعتمدة كنموذج لدى مجتمع من الباحثين العلميين في عصر بذاته، علاوة على طرق البحث المميزة لتحديد وحل المشكلات العلمية وأساليب فهم الوقائع التجريبية” ([7]). نستنتج من هذا التعريف أن النموذج الإرشادي، بالنسبة لكون، هو النظرية أو مجموعة النظريات التي تتسم بقدرتها التفسيرية والشارحة للظواهر الطبيعية، وبقدر ما تتصدى هذه النظريات لشرح وتفسير الظواهر يكتب لها السيادة والاستمرارية بين العلماء، إلى أن تخفق في تفسير بعض الظواهر، فيتم البحث عن نموذج إرشادي جديد. فعلى سبيل المثال، ظلت فيزياء نيوتن نموذجا إرشاديا للعلماء قرابة ثلاثة قرون، حتى عجزت عن تفسير الظواهر الفيزيائية الخاصة بالجسيمات دون الذرية subatomic، فظهرت نماذج إرشادية جديدة حلت محلها، مثل نظريتي: النسبية والكوانتم. كما نستنتج أيضا، أن النموذج الإرشادي هو مجموعة من التصورات والمفاهيم النظرية الخاصة بالعلم والعلماء وحدهما، فهي محصورة في مجتمع الباحثين العلميين، ولا تتعدى هذه التصورات المجال العلمي إلى غيره من المجالات الأخرى.

لكن يكشف لنا كابرا عن أن النموذج الإرشادي العلمي يتعدى الإطار النظري الذي يسير العلماء على هداه لإيجاد حلول للمشكلات العلمية المطروحة. فالنموذج الإرشادي، بالنسبة له، يتضمن بداخله مجموعة من القيم التي توجه العلماء تجاه نوع محدد من الأبحاث التي يجب عليهم أن يلتزموا بها. ولقد وضح كابرا منظومة القيم التي ارتبطت بالنموذج الإرشادي لديكارت ونيوتن قائلا: “إن اتجاه السيطرة والتحكم كان جزءا من النموذج الإرشادي العلمي لديكارت ونيوتن” ([8]). إذن، من وجهة نظر كابرا، لا يقدم النموذج الإرشادي رؤية أو تصورا علميا للعالم فحسب، بل إنه مقترن بمجموعة من القيم، وهي التي تسهم بقدر كبير في تحديد رؤيتنا وتصورنا نحن للعالم. وهو ما يعني أن النموذج الإرشادي العلمي غير معزول عن غيره من النماذج والمجالات المعرفية الأخرى، فالعلمي، وفقا لكابرا، يجب أن يكون مرتبطا بالاجتماعي والأخلاقي.

رغم أن هناك فكرة شائعة وهي أن العلم محايد، وأن النظريات العلمية هي مجرد وسائل لشرح وتفسير الظواهر، وهي ليست خيرا ولا شرا في حد ذاتها، إلا أننا نلاحظ أن كابرا في نصه السابق يقرن بين العلم الغربي والسيطرة والتحكم، وأن المجتمعات الغربية الحديثة منذ القرن السابع عشر وحتى الآن، يسودها النموذج الإرشادي الموسوم بالاستغلال والهيمنة.

ليس من المستغرب إذن، أن يتم توجيه الأبحاث العلمية لترسيخ هذا النزوع الاستغلالي، فالعلم أصبح جزءا من منظومة الهيمنة الشاملة، والعالم الذي يرفض الاندماج في النموذج الإرشادي السائد سيغرد خارج السرب، وسيكون على هامش الجماعات العلمية، وهذا ما يؤكده كابرا قائلا:

“إن العلماء الذين يجلسون في معاملهم لبحث ما يجدونه مهما، قليلون جدا، بل لا يوجدون. إن ما يحدث هو أنك تعمل ببحث في مشروع ممول، ولكي تحصل على التمويل، فيجب أن تتقدم بخطة بحث، ويجب أن تصيغ هذه الخطة في ضوء لغة النموذج الإرشادي المهيمن، وإلا فلن تحصل على شيء (…) فأكثر من 75% من الأبحاث الأمريكية ممولة من قبل الجيش الأمريكي لتطوير الأسلحة، فالمهارات العلمية تم توجيهها بعيدا عن الأنشطة المفيدة” ([9]).

بالتأكيد، يرفض كابرا هذا النموذج الإرشادي الاستغلالي، ويحدد في المقابل، ملامح نموذج إرشادي جديد يقوم في جوهره على “مجموعة من المصطلحات، والتصورات، والقيم، والممارسات التي يشترك فيها المجتمع، والتي تشكل رؤيته للواقع” ([10]).

فنموذج كابرا الإرشادي هو نموذج معرفي وعلمي يشتمل على مجموعة من المصطلحات والتصورات التي تحدد بنية العلم ونسقه، كما أنه نموذج أخلاقي يتعلق بالقيم والممارسات السلوكية، وتطبيقه ليس حكرا على فئة بعينها – مثل فئة العلماء لدى كون – بل إن الممارسة فيه اجتماعية تضم الأفراد والمؤسسات الموجودة في المجتمع. إن ما يريده كابرا هو تأسيس نموذج إرشادي جديد يقوم على أنقاض النموذج الآلي الميكانيكي الذي أرسي فلاسفة وعلماء القرنين: السابع عشر، والثامن عشر ـ أمثال ديكارت وبيكون ونيوتن ولوك ـ أسسه والتي ما زالت تتغلغل في الحضارة الغربية المعاصرة وتهدد بأفولها.

نقد كابرا للنموذج الإرشادي في القرن السابع عشر:

شهد القرن السابع عشر ميلاد فيلسوفين كان لأفكارهما أثر كبير في تطور مسيرة الفكر الفلسفي اللاحق عليهما، هذان الفيلسوفان هما: رينيه ديكارت، ومعاصره الإنجليزي فرنسيس بيكون. وتكمن قيمة هذين الفيلسوفين الفكرية في أنهما أسسا لملامح فكر فلسفي جديد ومغاير كلية لما كان سائدا في العصرين: القديم والوسيط. ولن يجانبنا الصواب إن قلنا إن فلسفتيهما تمثل شكلا من أشكال القطيعة المعرفية epistemological break  مع التراث الفلسفي السابق عليهما برمته، وقد تجلى هذا بوضوح في رؤيتهما للإنسان والطبيعة. لكن قبل أن نوضح ذلك، لابد أن نعرج أولا إلى مفهومي الإنسان والطبيعة في العصور السابقة عليهما لنضع أيدينا على الجديد الذي أضافه ديكارت وبيكون، ولكي نلم أيضا بموقف كابرا منهما، وموقفه من العصور السابقة عليهما.

كابرا والعصور الوسطى:

كان التصور الشائع عن الإنسان لدى فلاسفة العصور الوسطى أمثال: القديس أوغسطين، والقديس توما الأكويني، هو أنه مخلوق لله على صورته ومثاله، وهو مكون من روح وجسد، الروح خالدة، والجسد فان. والجسد بمثابة سجن للروح يعوقها عن تأمل ومعرفة مجد الله وبره، لذا يجب التحرر من  غرائز وشهوات هذا الجسد. هذه النظرة الإزدرائية للجسد هي ما أكدتها العديد من آيات الكتاب المقدس، فنجد في (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، الإصحاح 7، آية 25 ) ما يلي “ .. أنا نفس من حيث العقل، أخدم شريعة الله عبدا لها. ولكنني من حيث الجسد أخدم ناموس الخطيئة عبدا له“.

تحددت الغاية الجوهرية لإنسان العصر الوسيط في اللحاق بالإلهي المقدس والتحرر من الدنيوي المدنس، ولا يمكن أن يتحقق ذلك دون العناية الإلهية التي تُسَير للإنسان كل أموره، وهذا ما تؤكده عبارة القديس أوغسطين التي يقول فيها : “إن طبيعتنا البشرية أصبحت مريضة وخاطئة، لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول الذي لا يقدر من تلقاء نفسه أن يتمم ناموس الله، ولا يستطيع أن يكمل في البر“([11]).

ولم تختلف رؤية فلاسفة العصور الوسطى للطبيعة كثيرا عن رؤيتهم للإنسان، فالطبيعة أيضا مخلوقة لله، وتعمل لغاية تحددها العناية الإلهية التي تشمل كل الخليقة. لقد استبدل فلاسفة العصور الوسطى بفكرة الغائية الأرسطية فكرة العناية الإلهية، فالطبيعة لم تعد تعمل وفقا لغاية طبيعية محايثة فيها، بل تسير وفقا لعناية الله وإرادته. وبناء عليه فقد فسر فلاسفة العصور الوسطى الظواهر الطبيعية على ضوء فكرة العناية الإلهية الكلية. هذا الاقتران بين الإلهي والطبيعي في العصور الوسطى هو ما عبر عنه إيتن جلسون بعبارة شديدة الإيجاز، لكنها في الوقت نفسه شديدة الدلالة، إذ يقول: “إن نظام الطبيعة يعتمد على نظام ما فوق الطبيعة” ([12]).

نلاحظ إذن أن ثمة تشابها واختلافا، بين النظرتين: القديمة والوسيطة في رؤيتهما للطبيعة، فهي في الفلسفات القديمة كانت مسكونة بالآلهة، وتم النظر إليها على أنها مقدسة، وتحتوي على عقل فعال بداخلها هو علة النظام والجمال والاتساق. التصور نفسه هو ما نجده لدى فلاسفة العصور الوسطى، فكونها مخلوقة لله ومحكومة بعنايته، فقد حوت أيضا جزءا من قداسته، إذ يوجد في الطبيعة نفحة إلهية مقدسة. أما عن الاختلاف فيكمن في أن العقل المنظم لعمل الطبيعة في التصور القديم هو عقل باطني ومتأصل فيها، إنه جزء من الطبيعة ذاتها. في حين أن العقل المنظم والحاكم لعملها وفقا للتصور الوسيط هو خارج على الطبيعة، ومتجاوز لها، ومتعال عليها. لكن رغم ذلك تبقى الطبيعة في التصورين مجالا للتأمل، وليس مجالا للفعل الإنساني.

يبدي كابرا إعجابه الشديد بالعصور الوسطى، لدورها الكبير في جعل الإنسان يعيش في وفاق وانسجام مع الطبيعة، ففي العصور الوسطى “تعامل البشر مع الطبيعة في ضوء مصطلحات الاعتماد والتداخل المتبادل بين الظواهر الروحية والمادية، ولم تخرج العلوم آنذاك عن هذا الإطار (…) فعلوم العصر الوسيط تأسست على الإيمان، فعلماء العصور الوسطى عند بحثهم للظواهر الطبيعية كانوا يضعون نصب أعينهم الأسئلة المتعلقة بالله، والنفس، والأخلاق، وكانت هذه الأسئلة على قدر كبير من الأهمية” ([13]). يطرح كابرا في هذا النص فكرتين أساسيتين في النظر إلى الطبيعة:

  • علاقة الإنسان العضوية بها
  • وهدف العلوم الطبيعية.

أما عن الفكرة الأولى، فرغم أن نظرة المسيحية للطبيعة هي نظرة سلبية، لكن كونها مخلوقة لله، قد خفف من وطأة هذه النظرة، وجعلها تقوم على رؤية الطبيعة ككل، وأن هذا الكل يتكون من أجزاء متداخلة ومترابطة فيما بينها، والكل والأجزاء محكومان بالعناية الإلهية الشاملة.

لكن رؤية كابرا لعضوية الطبيعة في العصور الوسطى تقف في وجهها العديد من الشواهد، فالطبيعة، وفقا لفلاسفة العصور الوسطى، لا تتخللها هذه الروح العضوية التي لا تفصل الكل عن الأجزاء، إذ ساد في هذه العصور مصطلح السلسلة العظمى للوجود The Great Chain of Being، هذا المصطلح الذي صاغه أفلوطين واستخدمه فلاسفة العصور الوسطى. والكون، وفقا لهذا المصطلح، يتألف من سلسلة لا متناهية من الموجودات تحكم علاقتها الهيراركية الصارمة القائمة على التمايز والانفصال بين الأعلى والأدنى، وتبدأ هذه السلسلة بالقمة التي يتربع عليها الله، وتنتهي بالمادة التي تُعتبر أدنى الموجودات، وقد اعتبر الفيلسوف الأمريكي بول تايلور paul Taylor إن مصطلح السلسلة العظمى للوجود بمثابة تكريس لهيمنة وسيطرة الموجودات الأعلى على الأدنى، وليس لتكامل الأجزاء واندماجها مع الكل، إذ يقول: “يشير هذا المصطلح إلى أن كل موجود لديه مكانه المحدد داخل هذه الهيراركية المطلقة للموجودات التي تمتد من الأكثر كمالا إلى الأكثر نقصا“([14]).

لكن إذا كان تايلور يعزو لمصطلح السلسلة العظمى للوجود دلالة سلبية، لينتهي به إلى وجود انفصال بين الإنسان وباقي الموجودات، فإننا نجد لهذا المصطلح دلالة إيجابية لدى البعض، ممن يرون أن هذا المصطلح يصف الكون بثلاث سمات أساسية: الوفرة plenitude، والاستمرارية continuity، والتدرج gradation. تشير الوفرة إلى امتلاء الكون بشتى الموجودات، وتشير الاستمرارية إلى ترابط كل حلقات السلسلة، والتدرج يعني التمايز لكنه لا يعني الانفصال، فالسلسلة تسير في نظام تصاعدي يبدأ بالأدنى وصولا للأسمى. ([15]).

وبالتالي، تقترب رؤية كابرا للعصور الوسطى من المقاربة الثانية لمصطلح السلسلة العظمى للوجود، إذ يرى كل من كابرا والموسوعة البريطانية أن ثمة اتصالا وترابطا بين كل حلقات السلسلة، الكل مرتبط بالأجزاء، والأجزاء متلاحمة مع هذا الكل. هذه الرؤية العضوية هي ما يؤكدها كابرا ويدافع عنها في كل كتاباته، لكن ليس من منطلقات دينية، مثلما هو الحال في العصر الوسيط، بل من منطلقات علمية، فلا “يمكن أن يوجد أي كائن حي في الطبيعة يعيش بمعزل عن الآخرين، فالحيوانات تعتمد على النباتات للحصول على غذائها، وتعتمد النباتات على ثاني أكسيد الكربون الذي تنتجه الحيوانات، وتنظم كل من النباتات والحيوانات والكائنات الحية الدقيقة الغلاف الحيوي كله، وتحافظ على الظروف المؤدية للحياة” ([16]).

أما عن الفكرة الثانية المتعلقة برؤية كابرا للعلوم وأهدافها في العصور الوسطي، فهو يرى أن علوم العصور الوسطى لم يكن هدفها تفسير الطبيعة للتحكم فيها أو السيطرة عليها، إذ إن ربط العلم بالدين والأخلاق في العصور الوسطى، جعل المفكرون ينأون عن صياغة مفاهيم ومصطلحات تتنافي مع المسيحية، مثل السيطرة، والاستغلال، والتحكم. هذا التوجه الذي يزاوج بين العلم والأخلاق هو ما يطالب كابرا بعودته في عصرنا الراهن، وقد عبر عن هذا المطلب قائلا: “هناك العديد من العلماء الآن، ومنهم أنا، يريدون عودة الصلة بين العلم والأخلاق” ([17]).

إن ما يريده كابرا هو أن تقترب أهداف العلم المعاصر من أهدافه التي كانت سائدة في العصور الوسطى، حيث المعرفة بغرض المعرفة والتأمل، وليس المعرفة بغرض الفعل والسيطرة كما كان الحال لدى فلاسفة القرن السابع عشر، وكأن لسان حاله يقول إنه لكي نتغلب على الرؤية الآلية الميكانيكية المقترنة بالسيطرة والتحكم، فإننا بحاجة ماسة إلى علوم كيفية جديدة، وعلماء من طراز علماء العصر الوسيط، الذين كانوا يعلون من قيمة الحكمة النظرية على الجوانب العملية

“إننا نريد علما يتعاون فيه العلماء مع الطبيعة، ويتابعون المعرفة لكي يتعلموا من ظواهر الطبيعة إتباع النظام الطبيعي” ([18]).

وينهي كابرا تقييمه لمرحلة العصور الوسطى برأي حاسم لا لبس فيه، وهو أن ثمة اقترانا بين رؤية العصور الوسطى للطبيعة وبين الفلسفات الإيكولوجية المعاصرة، وهذه المقاربة يمكن أن تكون ملهمة لنا الآن. إذ “تضمنت الرؤية العضوية في العصور الوسطى نسقا للقيم قاد إلى السلوك الإيكولوجي (…) الذي يمنع الأفعال العدوانية ضد الطبيعة والكائنات الحية الأخرى” ([19]).

لكن اتجاه كابرا للتوفيق بين العصور الوسطى والفلسفات الإيكولوجية المعاصرة يقف في وجهه العديد من الفلاسفة الذين يرون أن التقليد اليهودي والمسيحي، والفلسفة المسيحية برمتها، هم الذين قدموا المبررات الدينية للسيطرة على الطبيعة. وبالتالي، فهم المحرضون والمسئولون عن الأزمات الإيكولوجية التي نعيشها الآن. إذ يرى فيلسوف البيئة الأسترالي الشهير بيتر سنجر Peter Singer ( 1946ـ  ) أن كتابات فلاسفة المسيحية من أمثال: أوغسطين والأكويني تحمل موقفا عدائيا تجاه العالم الطبيعي، وأن هذا الموقف العدائي مشتق بدوره من الكتاب المقدس “فتفسير القديس أوغسطين لبعض آيات العهد الجديد الخاصة بتدمير السيد المسيح للعالم الطبيعي مثل: شجرة التين، وقتل الخنازير يعلمنا أنه عندما نمتنع عن قتل الحيوانات وتدمير النباتات فهذا شكل من أشكال الخرافة” ([20]). كذلك فالقديس توما الأكويني عند تفسيره لمعنى الخطيئة يستثني من مجالها كل ما لا يتعلق بالموجودات البشرية، وهو ما يعني أن أي فعل عنيف تجاه الموجودات غير البشرية لا يوصف بالإثم، وهو ما وضحه سنجر قائلا : “يرفض الأكويني اقتراف الخطايا ضد الله وضد رفاقنا من البشر، لكن ليس هناك مجال للحديث عن اقتراف الخطايا ضد الحيوانات أو العالم الطبيعي” ([21]). أن ما يشدد عليه سنجر هنا هو أن المسيحية برمتها، عقيدة وفلسفة، قد غلب عليها طابع الكراهية الشديد للعالم، فهي تقوم في جوهرها على نبذ العالم ومعاداته.

على أية حال، إننا لا ينبغي أن نتسرع ونفهم من إعجاب كابرا بفلسفة العصور الوسطى أنه فيلسوف مسيحي يحاول أن يحيي هذه الفلسفة وما تضمنته من قيم. بل على العكس، إن كابرا نفسه يعلن أنه تخلى عن إيمانه المسيحي الكاثوليكي لصالح الديانات الشرقية مثل: البوذية والطاوية، فهذه الديانات، تقدم، من وجهة نظره، نموذجا متكاملا وفريدا لوحدة الإنسان مع الطبيعة والكائنات الأخرى، فكابرا وإن كان يبدى إعجابا شديدا بالرؤية العضوية التي سادت في العصور الوسطى، فإن إعجابه هذا هو إعجاب بالفكرة من حيث الشكل، لا من حيث مضمونها الديني. فهو لا يؤمن بنظرية الخلق من عدم، بل يؤمن بنظرية التطور، وإن كان يأخذ عليها فكرتي الصراع والتنافس، بالإضافة لذلك فهو لا يعزو النظام الموجود في الكون إلى الله وعنايته، بل يرى أن الكون ينظم نفسه بنفسه، في عملية يطلق عليها مصطلح التنظيم الذاتي self organization. يقول كابرا: “إن الكون ينظم نفسه بنفسه، وبالتالي، فهو خالق لنفسه” ([22]).

إن كابرا عالم الفيزياء المعاصرة، يدرك تماما مدى التعارض بين العلم والدين في تصورهما للكون، لكنه يرى في الوقت نفسه أنه بقدر ما يتعارض العلم المعاصر مع التصورات الدينية، فإنه يقترب من الفلسفات الشرقية: البوذية والطاوية، ويؤكد كابرا على وجود تماثلات هائلة بين البوذية والطاوية، وبين الفيزياء المعاصرة ممثلة في نظريتي: النسبية والكوانتم، في نظرتهما للكون. وهذا ما يوضحه كابرا قائلا: “لقد أجبرتنا نظريتي النسبية والكوانتم لأن نرى الكون بالطريقة نفسها التي تراه بها البوذية والطاوية والهندوسية” ([23]).

لكن قبل اكتشاف نظريتي النسبية والكوانتم في القرن العشرين، واللتين، بحسب رأي كابرا، تقتربان في محتواهما العلمي من الرؤية العضوية والإيكولوجية، كانت السيادة للنموذج الإرشادي الآلي الميكانيكي الذي بدأ مع الثورة العلمية في القرن السابع عشر على يد كوبرنيكوس، وجاليليو، ونيوتن في الفيزياء، ودعمته آراء ديكارت، وبيكون، وهوبز، ولوك على المستوى الفلسفي. 

موقف كابرا من علماء وفلاسفة القرن السابع عشر:

 1ـــ كوبرنيكوس وجاليليو:

رغم أن كوبرنيكوس ( 1473- 1543 ) عاش في القرن السادس عشر، أي قبل قرن تقريبا من عصر الثورة العلمية، لكن كان لحيوية أفكاره أثر كبير في اللاحقين عليه، للدرجة التي يقول معها ولتر ستيس: “كان من المستحيل أن تظهر هذه الثورة دون كوبرنيكوس، فقد بُنيت على أساس نظرياته” ([24]). ترجع شهرة كوبرنيكوس إلى تقويضه للنظام البطلمي الذي أسس للنظرية الجيوسنترية التي ترى أن الأرض هي مركز الكون، وأن الشمس والكواكب تدور حولها، وهي النظرية التي لاقت قبولا وتأييدا كبيرا من الكنيسة ورجال الدين في العصر الوسيط. أطاح كوبرنيكوس بهذه النظرية وأسس مكانها النظرية الهليوسنترية التي ترى أن الشمس هي مركز الكون، وأن الأرض والكواكب تدور حولها، وهي النظرية التي لاقت معارضة كبيرة من رجال الدين والكنيسة في عصره، لأنها تعارضت مع  بعض آيات الكتاب المقدس، مثل الآية الواردة في مزمور 96 “لتثبت المسكونة ولا تتزعزع“، كما تعارضت أيضا مع شعور الإنسان بسموه ومركزيته في الكون، لكونه المخلوق الوحيد على صورة الله ومثاله. لكن أصبحت فيزياء كوبرنيكوس، فيما بعد، هي الأساس الذي استند إليه جاليليو ونيوتن.

ويشير كابرا إلى النتائج الأخلاقية المترتبة على نظرية كوبرنيكوس قائلا: “بعد كوبرنيكوس (…) سُلب من الإنسان شعوره بالفخر الذي كان يتأسس على فكرة أنه الكائن المركزي” ([25]). في الحقيقة لا نجد في كتابات كابرا ما يتجاوز هذا النص عن كوبرنيكوس، وإذا ما حاولنا استنباط ما يريد أن يقوله كابرا في هذا النص، سنجد أن لسان حاله يقول إن نظرية كوبرنيكوس عندما قوضت الرؤية المقدسة للعالم والإنسان، أباحت فيما بعد، التعامل معهما على أنهما موضوعان خاليان من أي نفحة مقدسة، وهو ما جعلهما موضوعين يتم تناولهما من منظور النزعة الآلية، كما هو الحال مع جاليليو، وديكارت، ونيوتن.

وفيما يتعلق بجاليليو (1564 – 1642)، فتتعدى إنجازاته من وجهة نظر كابرا، مجال علم الفلك، وتفسيره لحركة الأجرام السماوية، بل وحتى اختراعه للتلسكوب. إن الإنجاز الأكبر لجاليليو هو أنه أرسى معالم لغة جديدة ومنهج جديد في التعامل مع العالم الطبيعي. وقد أفصح جاليليو عن هذه اللغة قائلا: “إن الفلسفة مكتوبة في هذا الكتاب العظيم، أعني الكون الذي يظل مفتوحا أمام أعيننا باستمرار، لكن لن يمكن فهمه إن لم يتعلم المرء اللغة والرموز التي كُتب بها، إنه مكتوب بلغة الرياضيات، ورموزه هي الدوائر والمثلثات والأشكال الهندسية الأخرى، والتي دونها من المستحيل أن نفهم كلمة واحدة فيه، ودونها سيتوه المرء في المتاهات المظلمة” ([26]). أسس جاليليو في هذا النص للنظرة الهندسية للكون، التي أصبح الكون بمقتضاها موضوعا ماديا قابلا للقياس والحساب، ولا يمكن التعامل معه إلا باستخدام المصطلحات والرموز الكمية. وهكذا، لم يعد الكون مع جاليليو محاطا بأي مبدأ روحي لا نقوى على تفسيره، ولا يسير وفقا لنزعة غائية غامضة، بل يسير ويعمل وفقا لقوانين رياضية وهندسية محضة.

لم يفصل جاليليو النظر عن العمل، بل استخدم المعادلات الرياضية والهندسية في المجال العملي التجريبي “فالظاهرة التي يتم وصفها هندسيا يجب أن تنتج نتائج مطلوبة” ([27]). هكذا دمج جاليليو المنهجين: الاستنباطي والتجريبي، وهو ما ترتب عليه أن أصبح الكون ليس موضوعا مطروحا للمعرفة الرياضية فحسب، بل مجالا مفتوحا للتجارب العملية، وهو ما أثمر بعد ذلك عن استغلاله، والتحكم فيه، والسيطرة عليه.

بالتأكيد لم يتفق كابرا مع هذه التصورات؛ إذ يشير إلى المخاطر الأخلاقية والجمالية المترتبة على فيزياء جاليليو، والتي تتجلى في إقصائها لأية نظرة غير موضوعية، وغير كمية خارج الإطار العلمي، وهو ما مهد السبيل، فيما بعد، لرؤية الكون على أنه آلة مادية ميكانيكية تخلو من الروح والحياة، يقول كابرا: “إذا كانت استراتيجية جاليليو لتوجيه انتباه العلماء إلى الصفات الكمية قد أثبتت نجاحها الفائق في العلم الحديث، إلا أنها تركت لنا حملا ثقيلا، إذ قدمت لنا عالما ميتا، خاليا من الجمال، والحس الأخلاقي، والقيم، والوعي، والمشاعر(…) لقد دمر جاليليو العالم في مجال النظرية، قبل أن ندمره نحن في مجال الممارسة” ([28]). إن التعامل الكمي والرياضي مع الطبيعة قد جردها من أي قيمة جمالية أو روحية لا يمكن قياسها أو حسابها، وهو ما أثار حفيظة مفكرين كثيرين تجاه هذه النظرة الكمية، مثل وليم ليس William Leiss  الذي يتفق مع كابرا في أن “تكميم الطبيعة يستثني الحدس الجمالي، والبعد الذاتي الداخلي” ([29]).

نقول نعم، قدم كوبرنيكوس وجاليليو المبررات العلمية للنظرة المادية والآلية للكون، عندما فسراه وفقا لقوانين فيزيائية محضة مثل: الحركة والسكون وقوة الدفع …، وبعيدا عن أي تفسيرات دينية أو غائية، إلا أنني ينتابني شكا في أن أي منها قد قال إن الكائنات الحية الآت محكمة الصنع، فآلية الكائنات الحية يعد تصورا خاصا بديكارت.

نقد كابرا لديكارت:

لا يستطيع أحد أن ينكر أن لفلسفة ديكارت دورا بارزا وتأسيسيا في العصر الحديث، حتى يمكننا أن نقول إن الحداثة الفلسفية برمتها قد انطلقت من أفكاره لتستكمل مسيرتها في القرون اللاحقة، ويندر أن توجد فلسفة في الحقبة الحديثة لا نجد لديكارت أثرا فيها، سواء بالاتفاق معه، أو برفضه، أو بإدخال تعديلات على مذهبه الفلسفي.

ولعل أهم ما تتميز به فلسفة ديكارت هي ثنائيتها المشهورة بين النفس والجسد، إذ يفصل ديكارت بينهما فصلا باترا، فيعلي من قيمة النفس على حساب الجسد. إذ تتسم النفس لديه بالخلود، والبساطة والوضوح، وهي ليست في حاجة إلى الجسد في شيء، بل إنها مكتفية بذاتها في الوجود والمعرفة. أما الجسد فقد نزل به ديكارت إلى مستوى الشيء المادي (الموضوع)، فما ينطبق على أي مادة ينطبق على الجسد أيضا، فهو كم قابل للعد والقسمة والتجزئة. هذا الاختلاف الجذري بينهما هو ما أبرزه ديكارت قائلا: “إننا لا نتصور الجسم إلا منقسما، في حين أن الذهن أو النفس الإنسانية لا يمكن تصورها إلا غير منقسمة (…) وعلى هذا النحو يتبين أن طبيعتهما ليستا متباينتين فحسب، بل هما متضادتان بوجه ما“([30]).

تكمن خطورة هذه النظرة في أنها قادت ديكارت إلى اعتبار الجسد آلة محكمة الصنع، فوفقا لديكارت، إننا إذا استثنينا من الإنسان جوهره المفكر، فلن يكون سوى آلة تخلو من الحياة والعقل، ولا يُقدر لها أن تعمل من تلقاء نفسها، بل تخضع في حركاتها القوانين الآلية والميكانيكية للمادة الممتدة في المكان والزمان. لكن ما تتميز به آلة الجسد الإنساني عن غيرها من الآلات الأخرى هي أنها مخلوقة لله، ويقول ديكارت في هذا الصدد: “لن يبدو غريبا أبدا للذين هم بسبب معرفتهم أن كثيرا من المتحركات بذاتها والآلات المتحركة التي تستطيع الناس عملها (…) سيعتبرون هذا الجسم كآلة، لكنها لما كانت مصنوعة بيد الله، فهي إلى حد يجل عن المشابهة خير نظام” ([31]). إذن، بالنسبة ديكارت، كل الأجسام آلات، “فالأجسام التي تؤلف الكون مصنوعة كلها من المادة نفسها التي هي قابلة للقسمة إلى كل أصناف الأجزاء” ([32]).

في الحقيقة، نالت الثنائية الديكارتية ومقاربتها الآلية للجسد والطبيعة من النقد ما لم تنله فلسفة أخرى، إذ نجد أن معظم فلاسفة الإيكولوجيا ينتقدون الفلسفة الديكارتية انتقادا لاذعا، وهو ما يتجلى لدى قطاع عريض منهم مثل: يوناس، وسنجر، وتايلور …، وبالتأكيد كابرا، الذي يتصدى لفلسفة ديكارت، ويرفع ضدها ألوية النقد الأعنف والأكثر شمولا. فإذا كان الفلاسفة الآخرون يحملون فلسفة ديكارت مسئولية الأزمات البيئية الحالية، فإن كابرا يحملها مسئولية أزمات الحضارة الغربية برمتها. فهذه الفلسفة، من وجهة نظره، لم تسهم في تحرر البشرية، بقدر ما أورثتها أعباءً ثقيلة ينبغي أن تتخلص منه حتى تنال حريتها الحقيقة.

وأول ما ينبغي أن نتخلص منه، حسبما يرى كابرا، هو ما أفضت إليه هذه الثنائية من مشكلات ميتافيزيقية ترتبت على إقصاء الجسد خارج مجالات المعرفة والوجود الإنساني، فنتيجة “للثنائية الديكارتية، أدرك الأفراد أنفسهم ذوات معزولة داخل أجسادهم، وأصبح للعقل مهمة التحكم في الجسد، وهو ما أحدث صراعا كبيرا بين الإرادة الواعية والغرائز الجسدية غير الواعية” ([33]).

لم يقتصر أثر الرؤية الديكارتية السلبية للجسد في خلق العديد من المشكلات الميتافيزيقة فحسب، بل امتد إلى قطاعات أخرى تشكل خطرا على حياة البشر، مثل القطاع الطبي، وهو ما يحذرنا كابرا من عواقبه الوخيمة قائلا: “بسبب فلسفة ديكارت تم التعامل مع الجسد الإنساني على أنه آلة يمكن تحليلها إلى أجزائها، وتمت رؤية المرض على أنه خلل وظيفي في الآلات البيولوجية، وأن دور الطبيب هو أن يتدخل لإصلاح هذا الخلل” ([34]). إن ما يستهجنه كابرا في هذا النص هو أن رؤية الجسد كآلة تخلو من النفس، قد أحاله إلى موضوع للتلاعب والتجريب، وهو ما يتجلى الآن بوضوح بسبب تطور التكنولوجيا الطبية في مجالات متعددة مثل: الهندسة الوراثية، والاستنساخ، وزراعة الأعضاء، وسوف نشير لاحقا إلى نقد كابرا التفصيلي لنموذج  الطب الحيوي المعاصر باعتباره وريثا للثنائية الديكارتية.

انعكس هذا التشظي والانقسام الداخلي للإنسان، والناتج عن ثنائية النفس والجسد، على علاقة الإنسان بالطبيعة، فأوجد فجوة هائلة لا يمكن تجاوزها بينهما. إذ نظر ديكارت إلى الطبيعة على أنها آلة يجب استغلالها لتحقيق رفاهية الإنسان ومنفعته، وهو ما قدم المبررات للتعامل معها على أنها مستودع هائل مطروح للاستهلاك ويجب استغلاله، وهذا ما ولد بدوره صراعا عنيفا، وحروبا دامية بين البشر من أجل السيطرة على هذا المستودع “لقد جعلنا هذا الانقسام مغتربين عن طبيعتنا، وعن الآخرين، إذ جلب توزيعا غير عادل للمصادر الطبيعية، وهو ما أحدث نزاعات سياسية، واقتصادية، وتصاعدا كبيرا للعنف” ([35]). إذن، ترتب على الفجوة الموجودة بين الإنسان والطبيعة، فجوة أخرى بين الإنسان والإنسان، وهو ما أدى إلى اغتراب الإنسان عن الطبيعة وعن الآخرين، وهذا ما ولد بدوره الكثير من المشكلات والتحديات الأخلاقية التي فرضت نفسها على الفكر الفلسفي المعاصر، ولن يمكن رأب هذا الصدع، من وجهة نظر كابرا، إلا بإعادة المصالحة بين الإنسان والطبيعة

وفي المقابل من هذه الرؤية الآلية لديكارت يعلي كابرا من قيمة ليوناردو دافنشي فنان عصر النهضة وعالمها المتميز، ويحتفي به احتفاءً بالغا، للدرجة التي يخصص معها مؤلفا كاملا عنه بعنوان العلم عند ليوناردو تقديرا لرؤيته العلمية والكلية للكون. ويلخص كابرا هذه الرؤية قائلا: “قدمت علوم ليوناردو صورة حية وموحدة ومتماسكة للظواهر الطبيعية، إنها صورة مغايرة تماما لتصورات جاليليو وديكارت ونيوتن” ([36]). انطلاقا من هذا النص، تتميز نظرة دافنشي، بأنها على النقيض التام من النظرة الديكارتية، فهو لم ينظر إلى الطبيعة ولا إلى الكائنات الحية الأخرى غير الإنسانية على أنها الآلات لا عقل لها ولا روح كما فعل ديكارت، بل تميزت نظرته إلى الطبيعة بأنها تموج بالحياة، والإبداع، والقدرة على التجديد الذاتي.

في الحقيقة، لم تكن فكرة حيوية الطبيعة وفاعليتها التي يعزوها كابرا لدافنشي نتاجا لتصورات ميتافيزيقة مثل الغائية الأرسطية، بل كانت نتاجا لملاحظة الطبيعة ومعرفة قوانينها. فالطبيعة، من وجهة نظر دافنشي، تعمل وفقا لقوانين حتمية لا يمكن أن تحيد عنها، وهذا ما عبر عنه قائلا:” إن الضرورة هي حاكمة الطبيعة، وقانونها الأبدي” ([37]). إننا نلاحظ في هذا النص تشابها كبيرا بين رؤية دافنشي لقوانين عمل الطبيعة، ورؤية ديكارت لها، إذ يتشابه الاثنان في رؤيتهما لحتمية القوانين الطبيعية. لكن انتهت هذه الحتمية بديكارت إلى آلية ومادية الطبيعة والكائنات الحية، في حين قادت دافنشي إلى نزعة حيوية تتخلل الكون كله بفضل عمل هذه القوانين، ويعبر دافنشي عن هذه النزعة الحيوية قائلا: “يوجد في أعماق كل شيء غير حي حياة غير محسوسة” ([38]).

لم يتوقف الأمر مع دافنشي عند القول بحيوية الكون، بل يضيف إلى فكرة الحيوية فكرة أخرى ملازمة لها وهي فكرة العضوية، فاستمرار الحياة يتطلب تشابكا وترابطا بين كل الكائنات الحية، فالأجزاء تعيش في كنف الكل، ويتوازن الكل بفضل عمل الأجزاء بداخله. ويؤكد دافنشي في أكثر من موضع على أن هذا الكون الحي تسود بين أجزائه علاقة عضوية قوامها الارتباط والتكامل، فلا مجال لديه للحديث عن أجزاء دون الكل، أو الكل دون الأجزاء، فالكل وأجزاؤه متشابكان ومتلاحمان، هذه الوحدة هي ما عبر عنها قائلا: “ينزع الجزء إلى الاتحاد مع الكل، لكي ينجو من الفساد وعدم الكمال” ([39]).

أثرت نظرة دافنشي العضوية إلى الكون في نظرته للإنسان، إذ نظر دافنشي إلى الإنسان أيضا في كليته وشموله، فلم يقل بثنائية النفس والجسد، بل قال بوحدتهما، فبالنسبة له، لا يستطيع المادي أن يفعل ددون تأثير الروحي فيه، لأنه علة الانسجام والتوازن بداخله، وكذلك لا وجود للروحي دون المادي. هذه الوحدة بين النفس والجسد هي ما أبرزها دافنشي قائلا: “تريد الروح أن تبقى مع جسدها، لأنه من دون الوسائل العضوية للجسد، لا يمكن أن تفعل الروح أو تشعر بأي شيء” ([40]). لم يعط دافنشي للروح وجودا مستقلا عن الجسد كما فعل ديكارت، بل جعل من وجود الجسد ضامنا لفاعلية الروح وعملها في الإنسان. وبالتالي، يلعب الجسد لدى دافنشي دورا بالغ الأهمية في عمليتي الوجود والمعرفة اللتين لن تحدثا من دونه، وهذا ما جعل كابرا يربط بين رؤية دافنشي للجسد وبين العلوم الإدراكية المعاصرة ، يقول كابرا: “على العكس من ديكارت، لم يفكر ليوناردو أبدا في الجسد على أنه آلة (…) فتصور ليوناردو للجسد متلائم تماما مع فكرة العقل المتجسد” ([41]).

لكن لا يكمن الإسهام الأهم لدافنشي، من وجهة نظر كابرا، في رد الاعتبار للجسد الإنساني فحسب، بل في رؤيته للحيوانات أيضا. فإذا كانت الديكارتية قد جردت الحيوانات من أي شعور أو أحساس واعتبرتها آلات، نجد أن دافنشي يعزو للحيوانات شعورا بالسعادة والألم، وبهذا تشترك الحيوانات مع الإنسان في العديد من المشاعر، ويمتدح كابرا هذه الرؤية قائلا: “وفقا لليوناردو، تشعر الحيوانات بالألم، لذا رفض ذبحها من أجل الحصول على الطعام” ([42]).

تقدير دافنشي للطبيعة والكائنات الحية جعل كابرا يعده المفكر الإيكولوجي الأكثر أهمية في تاريخ الفكر الغربي منذ عصر النهضة وحتى القرن التاسع عشر. فكم راوده التمنى لأن تُكتب لأفكار دافنشي السيادة، بدلا من سيادة وهيمنة الفلسفة الديكارتية. فلو سادت هذه التصورات والأفكار الدافنشية  لما وصلنا إلى  كل هذه الأزمات التي نعاني من مغباتها في عصرنا الراهن، وقد عبر كابرا عن هذه الأمنية بنغمة ملؤها الشعور بالحزن قائلا: “إنني لأتساءل عن وضع العلوم الغربية الآن، لو عُرفت كتابات دافنشي، أو تمت دراسة مؤلفاته بعد وفاته مباشرة ” ([43]).

إن نظرة فاحصة ومدققة لنصوص دافنشي تجعلنا نميل إلى تبني آراء مغايرة لآراء كابرا، إذ يدعو دافنشي في العديد من نصوصه إلى الإعلاء من قيمة العقل الإنساني على الطبيعة، بل وإلى اللجوء للمنهج التجريبي لإخضاع الطبيعة لتحقيق منفعة الإنسان ومصلحته، إذ يقول: ” التجربة (…) تُعلم كيف تلعب الطبيعة دورها بين البشر، ولأن الطبيعة مقيدة بالضرورة، فهي لا تستطيع أن تتصرف بخلاف ما يملي عليها المنطق أن تفعل، فلا إنجاز يتحقق في الطبيعة من دون المنطق” ([44]). انطلاقا من هذا النص، لا نرى تمايزا بين دافنشي وديكارت في دعوتهما للسيطرة على الطبيعة واستجوابها من أجل تحقيق المنافع الإنسانية. بالإضافة لذلك، فقد كان دافنشي من أشد المتحمسين لدقة الرياضيات وبراهينها، لدرجة أن اعتبر الرياضيات هي النموذج الأمثل لليقين الذي لا يضاهيه يقين، بل واعتبرها الداعم له في عملية استجواب الطبيعة، وهو الموقف الديكارتي نفسه من الرياضيات.

كذلك فإن آراءه عن حتمية عمل قوانين الطبيعة، وخضوعها للضرورة تجعله مبشرا بالنظرة الآلية والميكانيكية للكون، بل وقد تجعل منه سلفا لفلاسفة القرن السابع عشر الذين ينتقدهم كابرا. لكن رغم حماس دافنشي للرياضيات والتجارب العلمية، واعتبارهما مصدرا لكل معرفة يقينية، إلا أنه لم يترك لنا نسقا علميا متكاملا، ولا منهجا تفصيليا على غرار منهج بيكون التجريبي، أو منهج ديكارت الاستنباطي، بل أتت تأملاته العلمية على شكل شذرات لا رابط بينها. لذا نرى أن كابرا قد جانبه الصواب عندما رأى أن العلم الغربي كان سيتطور على نحو أفضل إذا سادت الرؤية الدافنشية محل فلسفتي ديكارت وبيكون. فما خلفه لنا دافنشي لا يرقى إلى مستوى العلوم، بل إن تأملاته بخصوص الطبيعة والكائنات الحية الأخرى لم تخرج عن إطار الفلسفة الأرسطية التي لم تنتج إلا علوما سطحية لم تؤد إلى أي تقدم معرفي حقيقى.

ومن جانب آخر، نرى إنه لمن الإجحاف أن يحمل كابرا فلسفة ديكارت المسئولية عن كل الأزمات التي نكابدها في عصرنا الراهن. لقد كان ديكارت مهموما بمشكلات عصره، وكان يدرك جيدا أن البشرية لن تتحرر من مشكلات الفقر والجوع والمرض إلا عن طريق التقدم العلمي، لذا سعى سعيا دءوبا إلى وضع منهج يمكننا من إنجاز هذا التحرر، وكان سيغدو هذا الأمر مستحيلا دون فهم الطبيعة وتسخيرها لتحقيق مصلحة الإنسان آنذاك.

إننا من جهتنا نؤمن أشد الإيمان بمقولة هيجل بأن الفلسفة ابنة زمانها، لذا لا ينتابنا شكا بأن هذه المشكلات لو كانت مطروحة على فلاسفة القرن السابع عشر، لكان ديكارت أول من تصدى لها. ونود أن نضيف إلى ذلك أن العلوم المعاصرة عامة، والفيزياء خاصة، قد تخلت عن نظرتها المادية المحضة للكون، ورغم ذلك، لم يعش الإنسان في وفاق وانسجام مع الطبيعة، ومازال المد العدواني عليها مستمرا. كذلك لم تجد تحذيرات الفلاسفة  منذ ستينيات القرن المنصرم أذنا صاغية بين صناع القرارات.

لذا نرى أن  سوء استخدام الإنسان وتهوره هو السبب الرئيس في إحداث هذه الأزمات، إضافة إلى السياسات الاقتصادية التي جعلت من تحقيق الأرباح، وتراكم رؤوس الأموال هدفا أسمى تبغي بلوغه. لقد أغفل كابرا، من وجهة نظرنا، فارق التوقيت التاريخي والحضاري بين مقتضيات القرنين: السابع عشر، والعشرون، فحَمَل فلاسفة القرن السابع عشر عامة، وديكارت خاصة، ما لا طاقة لهم به.

على أية حال، إذا كان إعجاب كابرا بدافنشي ينبع من رؤيته العضوية والحيوية  للطبيعة والكائنات الحية، فمن المؤكد أن دافنشي لم يعزو للطبيعة عقلا وإدراكا، فهذا الإنجاز خاص بكابرا، وبالعديد من فلاسفة البيئة المعاصرين. إن حديث كابرا عن وجود الإدراك والعقل في الطبيعة هو بمثابة استكمال لمهمته النقدية على ديكارت الذي جرد الطبيعة والكائنات الحية غير الإنسانية من العقل والوعي.

في البداية، يرفض كابرا أن يكون الإدراك حكرا على الإنسان وحده، لذا ينسبه إلى جميع الكائنات الحية دون استثناء، فيقول: “إن الكائنات الحية الأكثر بساطة قادرة على الإدراك، إنها تدرك التغيرات في بيئتها” ([45]). الإدراك بهذا المعني ليس فعلا عقليا خالصا، أو ملكة من ملكات التفكير التي يتميز بها الإنسان عمن سواه من الكائنات الأخرى، أنه بالأحرى فعل من أفعال المحافظة على الذات واستمرارية الحياة. فالإدراك، بحسب توصيف كابرا له، هو جوهر الحياة، إذ تدرك الكائنات الحية بيئتها والتغيرات الحادثة فيها، ويتغير سلوكها وفقا للعمليات الإدراكية التي تتفاعل بواسطتها مع بيئتها، فتفاعلات الكائنات الحية مع بيئتها هي تفاعلات إدراكية مقصودة، وبعيدة عن العفوية أو الصدفة. هذا التلازم والاقتران بين عمليتي الإدراك والحياة هو ما عبر عنه كابرا قائلا: “يتضمن الإدراك العملية الكلية للحياة” ([46]).

ولا يقتصر الأمر مع كابرا عند عزو الإدراك للكائنات الحية غير الإنسانية فحسب، بل أنه يعزو إليها أيضا صفتي التكاثر الذاتي Autopoiesis والاستقلال Autonomy، متكئا في ذلك على نظرية يُطلق عليها نظرية سانتياجو في الإدراك Santiago Theory of Cognition وهي النظرية التي صاغها هامبرتو ر. ماتيورانا Humberto R. Maturana وفرانسسكوا ج. فاريلا Francisco J. Varela وتقوم هذه النظرية في جوهرها على معارضة النظرية الداروينية التي ترى أن وجود الكائنات الحية مشروط بقدرتها على التكيف والاستجابة للتغيرات البيئية، في حين يرى ماتيورانا وفايرلا أن “الكائنات الحية هي أنظمة ذاتية التكاثر والصنع، وأنها تتمتع باستقلال نسبي عن البيئة” ([47]).

وفيما يتعلق بفكرة التكاثر الذاتي، يرى كابرا أن الكائنات الحية تجدد نفسها باستمرار، فالخلايا تجدد ما يتلف منها، وتستبدل الأنسجة والأعضاء خلاياها باستمرار، ويدمج غشاء الخلية مواده من بيئته أثناء العمليات الأيضية للخلية، ويغير الجهاز العصبي للكائن الحي اتصالاته مع كل تصور حسي جديد([48]).

ولا تحدث كل هذه العمليات التي يطلق عليها كابرا مصطلح عمليات إدراكية حياتية بسبب الضغط البيئي الخارجي، بل يتحدد سلوك الكائن الحي بواسطة بنيته الداخلية، فالبيئة تحفز التغيرات في بنية الكائن الحي، لكنها لا تحددها ولا توجهها، وهذا ما أكده كابرا قائلا: “تستجيب الكائنات الحية على نحو مستقل للاضطرابات البيئية عن طريق التغير في بنيتها” ([49]). إن ما يشدد عليه كابرا هنا هو استقلال الكائنات الحية النسبي عن بيئتها، فهي لا تفعل بطريقة آلية حتمية مفروضة عليها من الخارج، بل إن سلوكها يتسم بالحرية النسبية، فالبيئة تفرض التحدي، وتأتي استجابة الكائن الحي غير متوقعة بسبب حريته النسبية التي تقترن ببنيته المتغيرة.

لكن إذا كانت كل الكائنات الحية تحظى بقدر من الإدراك يجعلها قادرة على المحافظة على حياتها، فإن الوعي الذي يعد بمثابة مرحلة أعلى وأكثر تعقدا من الإدراك، هو قاسم مشترك فقط بين الإنسان والحيوان، وإن كانت تختلف درجة الوعي عند كل منهما تبعا لتعقد العمليات الإدراكية. ويميز كابرا في هذا الصدد بين درجتين من درجات الوعي قائلا: “هناك الوعي المبدئي الذي ينشأ عندما تكون العمليات الإدراكية مصحوبة بخبرات حسية وعاطفية، ويوجد هذا النوع من الوعي في الثدييات والفقاريات ومعظم الطيور. أما النوع الثاني فهو الوعي بالذات، بواسطة الذات المفكرة والتأملية، وقد ظهر هذا الوعي مع القردة العليا والإنسان البدائي، وصاحب هذا الوعي بزوغ اللغة، والفكر المجرد، وكل السمات الأخرى التي تتكشف بشكل كامل في الوعي الإنساني التأملي” ([50]).

إن ما يشدد عليه كابرا في النص السابق هو إلغاء التمايز الذي أسس له ديكارت بين الإنسان والحيوانات، فمن وجهة نظر كابرا، لا توجد أية مبررات بيولوجية أو عقلية تجعل الإنسان يحظى بهذه الهالة التي يسمو بها على سائر الموجودات الأخرى. فلا توجد فوارق بين الإنسان والحيوان من حيث النوع، فالإنسان نتاج لتطور بيولوجي طويل بدأ من الكائنات وحيدة الخلية وصولا إلى الإنسان. وطالما أن الأصل واحد، فهناك بالتأكيد قواسم كثيرة تجمع بين جميع الكائنات الحية، مثل الإدراك والوعي والعقل، فهذه السمات ليست حكرا على الإنسان وحده، وقد عبر كابرا عن هذا قائلا: “لا يعد العقل جوهرا يفصلنا عن الحيوانات الأخرى، بل إنه يضعنا في استمرارية وتواصل معها” ([51]).

لكن ثمة سؤال يطرح نفسه: إذا كان الإدراك ودرجات الوعي والعقل قواسم مشتركة بين الإنسان والمملكة الحية، فما هي المعايير والسمات التي يتميز بها الإنسان من وجهة نظر كابرا؟

في الحقيقة، لا نجد لدى كابرا مزايا واضحة يختص بها الإنسان وحده، فانتفاء الفوارق لديه لا يقتصر على الجوانب البيولوجية فحسب، بل يمتد أيضا إلى المجالين الاجتماعي والثقافي. ويستند كابرا إلى إحدى الدراسات التي تؤكد أن بعض القردة العليا تعيش في منظومات اجتماعية وثقافية، ولها عادات وتقاليد مشابهة لعادات الإنسان وتقاليده، ليمحو بذلك وجود أي تمايزات بين البشر والقردة العليا، وهذا ما يبرزه كابرا قائلا: “وضحت الأبحاث الحديثة في الدي إن أيه D.N.A أن نسبة الاختلاف بين الإنسان والشمبانزي لا تتجاوز 1.6% (…) كذلك، فالتشابه بينهما لا ينتهي عند التشريح، بل يمتد إلى السمات الثقافية والاجتماعية. فمثلنا، تعد الشمبانزي مخلوقات اجتماعية، إذ تعاني من الشعور بالوحدة، كما أنها تصنع الأدوات وتستخدمها، وقد بينت الدراسات أن مجتمعات الشمبانزي لديها ثقافة الصيد والجمع. والشيء المذهل هو تطابق المطارق والسندان التي تستخدمها الشمبانزي مع أدوات أسلافنا البدائيين” ([52]). بهذا النص يتهاوى التمايز والانفصال الذي أسسه ديكارت بين الإنسان والحيوان، فمع كابرا يمكننا رفع الشعار التالي: لا تمايز بين الإنسان والحيوانات من حيث النوع، ولا من حيث درجة الوعي، والعقل، والثقافة.

نقول نعم، إن تصدي فلاسفة البيئة لنظرية ديكارت في آلية الحيوانات قد دفعهم إلى أن ينسبوا إليها صفات تنفي عنها هذه الآلية، فنسبوا إليها الإحساس، والعاطفة، والغرضية، والوعي؛ إذ أكد هانز يوناس ( 1903- 1993) وبول تيلور (1923- 2015) على فكرة أن الكائنات الحية عامة، والحيوانات خاصة تشعر باللذة والألم، كما أن لديها أغراضها الخاصة التي تسعى إلى تحقيقها، ولكي تحقق هذه الأغراض فيجب أن تتمتع بدرجة من درجات الوعي. ومضى بيتر سنجر لأبعد من ذلك عندما نسب إليها استخدام اللغة والكلام. لكننا مع كابرا نجد أنفسنا بصدد تطور أبعد بكثير في رؤيته للحيوانات، تطور يمكننا وصفه بالمتطرف إلى حد كبير، إذ يعزو لها، كما ذكرنا، ليس الوعي والعقل فحسب، بل القدرة والإرادة على تشييد الأنظمة الاجتماعية والثقافية، نافيا بذلك أي أفضلية للعقل البشرى على عقول الحيوانات.

ومن جانبنا نعتقد، إن هدف كابرا من إلغاء التمايزات بين الإنسان والحيوانات ليس التقليل من شأن الإنسان، أو وضعه على قدم المساواة مع الحيوانات، بل إن ما يريده كابرا هو تبديد عجرفة مركزية الذات الإنسانية، وتعاليها وتطاولها على الذوات الأخرى غير الإنسانية، فمطالبته بإلغاء الفجوة بين الإنسان والحيوانات هو بمثابة تحذير الإنسان من التطاول على هذه الكائنات، ومن التطاول على الأنظمة الإيكولوجية التي يعيش في كنفها، فهو جزء من هذه الأنظمة، ولا تدين له بالفضل في شيء، بل إنه المدان لها بالفضل في وجوده، ورغم ذلك فهو الوحيد الذي يهدد استقرارها وتوازنها. إن غرض كابرا من رد الاعتبار للحيوانات ومنحها سمات إنسانية هو محاولة إيقاظ وتعميق شعور الإنسان بمسئولياته تجاه هذه الموجودات، إضافة إلى مطالبته بضرورة المحافظة على سلامة المنظومة الإيكولوجية ضمانا لاستمرار الحياة على كوكب الأرض. وسنرى لاحقا، كيف أن النموذج الإرشادي الجديد الذي يقدمه كابرا في معرض نقده للاتجاهات الآلية في البيولوجيا والطب والاقتصاد غرضه الأول والأخير هو بلوغ التكامل الإنساني، وعيش الإنسان في وفاق مع الطبيعة، ومع باقي الكائنات الحية في المنظومة الإيكولوجية.

لكن كل هذا لا يمنعنا من أن نقول إن محاولة كابرا – المتطرفة إلى حد كبير –  لرأب الصدع بين الإنسان وباقي الكائنات الحية قد أوقعته في براثن النزعة التشبيهية anthropomorphism، فعزا لبعض الحيوانات مثل: القردة العليا، والشمبانزي أخص خصوصيات الإنسان، مثل: العقل، والثقافة، وتشييد الأنظمة الاجتماعية. لكننا بالخلاف لكابرا نرى أن الإنسان هو تاج الخليقة ودرتها، وأن العقل سمة إنسانية بامتياز لا يضاهيه فيه أي كائن حي آخر. صحيح، أن الكائنات الحية ليست آلات كما قال ديكارت، وإنها تتمتع بالإحساس، وربما بدرجة من درجات الوعي والغرضية، إلا أنها لا تمتلك عقولا مماثلة للعقل الإنساني، فالإنسان وحده هو صاحب رسالة العقل والعقلانية، وهو وحده الذي شيد المدن والحضارات، وهو من أبدع الفنون، والعلوم، والآداب، والثقافات الإنسانية الراقية

لقد أودت الكوارث الطبيعية بحياة ملايين الكائنات الحية، وانقرضت ملايين الكائنات، لكن بقى الإنسان، لأن العقل الإنساني وحده هو الذي استطاع التغلب على هذه الكوارث، بل وعلى قسوة ووحشية الطبيعة، وترويضها لتحقيق مصالحه. صحيح، إننا نواجه أزمات كارثية مثل: ارتفاع نسبة التلوث، والاحتباس الحراري، بسبب التمادي في تحقيق المصالح الإنسانية على حساب الطبيعة، والكائنات الحية الأخرى، لكن في الأخير لا مخرج لنا من هذه الأزمات من دون العقل الإنساني، ولن تساعدنا لا القردة العليا ولا الشمبانزي في ابتكار حلول للخروج من هذه الأزمات والتحديات.

على أية حال، إذا كان كابرا قد شدد في نقده لثنائية ونظرته الآلية، وأبرز خطورتهما على الإنسان والطبيعة والكائنات الحية غير الإنسانية، فما الداعي لنقده لبيكون وهو لم يقل بمثل هذه الثنائية؟ 

نقد كابرا لبيكون:

رغم أن فلسفتي ديكارت وبيكون توضعان في تاريخ الفكر الفلسفي الحديث على طرفي نقيض، فالأول هو مؤسس المثالية العقلية التي لا تعترف إلا بالوجود العقلي فقط، والثاني هو مؤسس المذهب التجريبي الحديث الذي لا يعترف إلا بالخبرة الحسية ودورها في تشكيل العقل والواقع، إلا إننا يمكننا القول أنه رغم اختلاف فلسفتيهما، إلا أن أهدافهما كانت واحدة  منذ البداية، ويمكن تلخيصها في: التخلص من فكرة الغائية الأرسطية التي أعاقت تقدم العلوم لقرون طويلة، فأصبح إقصاؤها بالنسبة لهما مقولة لا تقبل الجدل في القرن السابع عشر. كذلك سعيهما لتأسيس علوم جديدة تقوم على أنقاض العلوم القديمة بهدف تحقيق سعادة البشر ورفاهيتهم، وحدة الهدف هذه هي التي أدت إلى تماثل في رؤيتهما للطبيعة، ولأهداف العلم.

هذا ما جعل كابرا يستكمل مهمته النقدية لبيكون، باعتبار أن بيكون هو من أرسى دعائم المنهج الذي حقق فلسفة ديكارت على أرض الواقع، فلولا المنهج التجريبي، لما استطاع العلماء اكتشاف أسرار الطبيعة واستعبادها، ولظلت فروضهم مجرد تأملات لا يمكن تحقيقها.

بالفعل، لقد رفع بيكون في مستهل كتابه الأورجانون الجديد شعار السيطرة على الطبيعة لصالح الإنسان ولتحقيق منفعته، إذ يقول: “الطبيعة يجب هزيمتها بجعلها مطيعة” ([53]). إن ما يشدد عليه بيكون في هذا النص هو أن هزيمة الطبيعة، والسيطرة عليها، وإخضاعها يتطلب قوى معرفية، وهذا ما يجسده شعاره المشهور: المعرفة قوة تمكننا من اكتشاف أسرار الطبيعة للسيطرة عليها لصالح الإنسان.

إن ما يريده بيكون هو أن يكون للعلم بعد نفعي، فهو يرى أن العلوم التي تظهر وتختفي دون أن يكون لها أي منفعة حياتية  ليست علوما على الإطلاق، ولهذا نجده يزدري العلوم التأملية والنظرية، ويمجد العلوم التجريبية التي تكشف لنا عن أسرار هذا الكون لتحقيق رفاهية البشر. التشديد على هذا الجانب النفعي للعلم عند بيكون هو ما أشاد به ماركو بلتونين Markku Peltonen عندما قال: “لم تهتم فلسفة بيكون بمنهج العلم فقط، بل إنها اهتمت أيضا بوظيفة العلم في حياة الإنسان” ([54]).

لكن لكابرا رأى آخر، وهو أن نظرة بيكون الاستغلالية للطبيعة قد بررت التعامل معها بمنتهى القسوة والوحشية، ويربط كابرا بين هذه النظرة وبين أوضاع النساء في القرن السابع عشر، لينتهي إلى أن نظرة  بيكون هي نظرة ذكورية تقوم على قهر الطبيعة الأم والسيطرة عليها، وهي نظرة الرجل نفسها للمرأة آنذاك، ويكشف لنا كابرا عن مضمون هذه النظرة قائلا: “الطبيعة لدى بيكون يجب أن تُطارد، وأن تكون خادمة، وعبدة. إنها يجب أن توضع في القيود لانتزاع أسرارها (…) وتشبه هذه الطريقة في التعامل مع الطبيعة طرق التعذيب المنتشرة بين النساء في ذلك الوقت” ([55]).

وينتهي كابرا إلى أن نظرية بيكون من الممكن أن تخضع الطبيعة لتحقيق الأهداف الإنسانية، لكنها لن تحرر الإنسان بواسطة الحكمة من سيطرة الأشياء المادية عليه. فالإنجاز الأكبر لبيكون، حسبما يرى كابرا، هو إعلاء القيم المادية على القيم الروحية، وهو ما نجحت التكنولوجيا في تحقيقه في عصرنا الراهن، لهذا يقول كابرا: “غيرت الروح البيكونية بعمق طبيعة وغرض البحث العلمي، فقديما كانت الحكمة هي الهدف من العلم (…) لكن أصبح هذا الهدف منذ بيكون هو السيطرة والتحكم” ([56]). وسنرى أن كثيرا من النقد الذي وجهه كابرا لديكارت وبيكون ينسحب على نقده لنيوتن، فالثلاثة من وجهة نظره مناصرون للرؤية الآلية والميكانيكية للكون.

نقد كابرا لنيوتن:

اكتملت الرؤية الآلية للعالم في فيزياء نيوتن، فمعه لم تعد هذه الرؤية مجرد تأملات فلسفية، بل أصبحت حقيقة علمية راسخة تؤكدها قوانين رياضية لا يتطرق إليها الشك. وقد أبرز كابرا دور نيوتن في تحويل الحلم الفلسفي إلى حقيقية علمية قائلا: “لم تكن فيزياء نيوتن شيئا سوى تكملة للفلسفة الديكارتية (…) فالإنسان الذي أدرك الحلم الديكارتي، وأكمل الثورة العلمية هو نيوتن” ([57]).

ويلخص ويلبور أبلباوم Wilbur Applebaum رؤية نيوتن للكون بأنه مادة مكونة من جسيمات في حالة حركة، وما يحكم هذه الحركة هي قوانين الجاذبية، ويمكن معرفة هذه الجسيمات من حيث الشكل والحجم فقط، أما الصفات الكيفية مثل: الحرارة، والبرودة، والصلابة، والليونة، فلا وجود لها في حد ذاتها، لأنها مجرد إحساسات تحدث بسبب تأثير الجسيمات فينا ([58]).

يأخذ كابرا على رؤية نيوتن الآلية أنها ترد كل شيء في الكون إلى عناصره الأولية، فالذرة هي الوحدة الأساسية التي تتشكل منها أي مادة، ولا يمكن اختزالها إلى ما هو أصغر منها. لكن هذه النظرة الاختزالية وإن نجحت في معرفة البنية المادية للكون، إلا أنها أخفقت في فهم عمليات الحياة وتفاعلاتها الكلية داخل هذا الكون، وفي هذا الصدد ينتقد كابرا نيوتن قائلا: “وفقا لنيوتن، التكوين الداخلي للجسيمات مستقل تمام الاستقلال عن تفاعلاتها” ([59]). وبالتالي، يخفق النموذج النيوتني في فهم التفاعلات بين المواد وبعضها، لقد نجحت فيزياء نيوتن في فهم المادة في ضوء مصطلحات العلاقة العلية، إلا أنها فشلت في فهم العالم الداخلي للمادة وتفاعلاته مع العالم الخارجي.

ويستكمل كابرا مهمته النقدية لنيوتن، لكن لا يتعلق النقد هذه المرة بنسق نيوتن العلمي أو بنظريته الآلية في الفيزياء، بقدر ما يتعلق بأثر نظرياته في تطور المسار العلمي اللاحق عليه، ويبرز كابرا هذا الأثر قائلا: “منذ القرن السابع عشر انطلق العلماء في تطوير نظرياتهم من فيزياء نيوتن” ([60]).

نقول نعم، لقد حققت العلوم الطبيعية تقدما هائلا في القرنين: السابع عشر، والثامن عشر، واتسمت نتائجها بمنتهى الدقة واليقين، وهو ما لفت انتباه الفلاسفة، وعلماء النفس، والاجتماع …، ووجدوا أن دقة العلوم الطبيعية تعود إلى دقة مناهجها، وإلى نظرتها المادية والميكانيكية للكون. إن ولعهم الشديد بدقة هذه المناهج هو ما جعلهم يسعون إلى محاكاتها وتطبيقها على شتى الفروع المعرفية الأخرى، بل وعلى العلوم الإنسانية أيضا، فظهر لدينا، على سبيل المثال وليس الحصر، نماذج للفيزياء الاجتماعية عند جون لوك الذي نظر إلى الأفراد على أنهم “جواهر منعزلة مثلها مثل الذرات المادية في فيزياء نيوتن، تدخل فيما بينها في علاقات جذب وطرد” ([61]).

الفكرة نفسها هي ما أكدها كابرا قائلا: “عندما طور لوك، متبعا في ذلك فيزياء نيوتن، رؤية ذرية للمجتمع (…) فاختزل النماذج الاجتماعية إلى سلوك الأفراد الذين تتحفز أفعالهم بواسطة المصلحة الخاصة” ([62]). لكن ينتقد كابرا هذه النظرة الإختزالية، لأنها قادت لوك إلى ترقية نمط شخصية يسعى إلى إثبات ذاته، وإلى تحقيق مصالحه الخاصة على حساب الآخرين، ومن خلال المنافسة معهم، وهذا ما أسهم بشكل كبير، فيما بعد، في إعلاء قيم المنافسة والصراع.

كذلك ظهرت نماذج للفيزياء السياسية عند توماس هوبز، الذي حاول تشييد علم جديد للسياسة، مستلهما فيزياء نيوتن. فمن وجهة نظر، بيير مورو، يكمن تفرد هوبز في أنه “لم يؤسس علم السياسة فحسب، بل أنه بحث فى الفيزياء وفى علم الجسم الإنساني عن أسس له” ([63]). إن ما يشدد عليه مورو فى هذا النص هو أن جميع أفعالنا السياسية، كما يراها هوبز، من طاعة أو تمرد أو تحرك نحو الأمن والسلام يمكن ردها إلى الفيزياء والفسيولوجيا، فأفعالنا مجرد انعكاسات مادية مشروطة ببنيتنا الفسيولوجية والعصبية. وهو ما يعنى أننا إذا تمكنا من دراسة وفهم فسيولوجيا الشعوب، سيساعدنا ذلك على التنبؤ بالتطورات السياسية لها.

لكن ما تغاضى عنه هؤلاء المتحمسون لتطبيق مناهج العلوم الطبيعية على الإنسان، هو أن الإنسان ليس موضوعا ماديا ثابتا تتكفل بتفسيره قوانين الطبيعة. إنه ظاهرة كلية، شديدة التعقيد، تستعصى على الاختزال والرد إلى عنصر واحد، أو إلى بضعة عناصر كما هو الحال في العلوم الطبيعية. إنه ذات حرة فريدة، تستعصى على التفسيرات المادية المحضة، بل وتستعصى على أي تفسيرات أحادية تحاول أن تجتزئه من السياقات التي يوجد فيها، ولا تنظر إليه في كليته وشموله.

ورغم تعالي الصحيات المطالبة بالتخلي عن النظرة الآلية إلى الإنسان والكائنات الحية، إلا أن هذه الصيحات لم تجد لها آذانا صاغية منذ العصر الحديث وحتى عصرنا الراهن. فلا زالت النظرة الديكارتية إلى الجسد الإنساني وإلى الحيوانات على إنهما الآلات هي السائدة والمسيطرة في الكثير من المجالات العلمية.

كابرا وموقفه النقدي من تجليات النظرة الآلية في عدد من العلوم الحديثة والمعاصرة:

سنرى مع كابرا، فيما يلي، تجليات النظرة الآلية في عدد من العلوم الحديثة والمعاصرة مثل: البيولوجيا، والطب، والاقتصاد.

1- البيولوجيا والرؤية الآلية للحياة:

لم يكتف كابرا بنقد نماذج متعددة من فلاسفة القرن السابع عشر، بل مضى لأبعد من ذلك عندما تتبع الآثار الخطيرة لفلسفة ديكارت في الجسد، وفيزياء نيوتن الاختزالية على علوم الحياة منذ القرن السابع عشر، وحتى القرن العشرين. وانتهى كابرا إلى أن علوم الحياة الحديثة والمعاصرة لم تتحرر بعد، في رؤيتها للإنسان والكائنات الحية، من إرث النموذج الإرشادي: الديكارتي والنيوتوني، لذا جاءت تفسيراتها مشوبة بالخطأ وعدم الدقة، لافتقارها إلى النظرة الكلية والشاملة للحياة. هذا الأثر البالغ الخطورة لدور الفلسفة الديكارتية حاليا هو ما عبر عنه كابرا قائلا: “ما زالت الرؤية الديكارتية تقدم الإطار المفاهيمي المسيطر حتى الآن (…) فالاعتقاد السائد حاليا هو أن الكائنات الحية يمكن فهمها بردها إلى عناصرها الأولية، وفهم آلياتها البنائية” ([64]).     

ويوضح كابرا امتداد الرؤية الآلية إلى العلوم الحديثة والمعاصرة من خلال اختياره لمجموعة من العلماء البارزين الذين عولوا على هذه الرؤية الآلية في تفسيراتهم العلمية. ففي القرن السابع عشر اكتشف وليم هارفي (1578 ـ 1657) William Harvey  الدورة الدموية، وفسر حركة سريان الدم في أجزاء الجسم  في ضوء مصطلحات آلية خالصة، فقد “حدث الانتصار العظيم في الفسيولوجيا عندما طبق هارفي النموذج الميكانيكي على الدورة الدموية” ([65]).

بالفعل، فسر هارفي في كتابه بحث تشريحي في حركة القلب والدم في الحيوانات الدورة الدموية بطريقة آلية، إذ شبه القلب بالمضخة التي تعمل بواسطة قوة عضلية تدفع الدم إلى كل أجزاء الجسم عبر قنوات هي الأوردة والشرايين. لكن ما حدا بهارفي إلى هذا التفسير هو الاعتقاد السائد وقتها بأن كل بنية لها وظيفة محددة تؤديها بشكل ميكانيكي، فالأداء الوظيفي والسلوكي مقترن بالبنية الجسدية. هذا التصور هو ما عبر عنه جول شاكلفورد Jole Shackelford عندما قال: “البنيات المختلفة تعكس وظائف مختلفة لدى هارفي” ([66]).

إن تفسير هارفي الميكانيكي الذي لم يرق لكابرا، هو ما احتفى به شاكلفورد احتفاءً بالغا، واعتبره السبب في حدوث الثورة الطبية والبيولوجية في القرن السابع عشر، بل واعتبره الأساس الذي بنيت عليه كل علومنا الطبية والبيولوجية المعاصرة، والذي ما زلنا ننهل منه حتى الآن. يقول شاكلفورد: “إن تأملات هارفي الطبية، ومنهجه التجريبي، كانا بمثابة الثورة في عالم الطب والبيولوجيا، وما زالت العديد من ممارساتنا العلمية الحالية تعتمد على المناهج والممارسات التي كانت موجودة في زمن هارفي” ([67]).

ليس هارفي وحده هو من تأثر بالنظرة الديكارتية الآلية للجسد، بل يضيف كابرا إليه علماء آخرون مثل جيوفاني بوريللي Giovanni Borelli  ( 1608ـ 1679) الذي “شرح حركة عضلات الحيوانات في ضوء مصطلحات ميكانيكية خالصة” ([68]).

في الحقيقة ترجع شهرة بوريللي، الطبيب والفيزيائي الإيطالي، الذي عاش في القرن السابع عشر إلى محاولته الرائدة في شرح وظائف العضلات في ضوء المباديء الفيزيائية والرياضية، ونظرا لأهمية هذه المحاولة، وما قدمته من إسهامات كبرى في تقدم العلوم الفسيولوجية آنذاك، فقد تم تشبيه قيمة إسهاماته الكبرى بإسهامات جاليليو قائلا: “إن ما قدمه بوريللي لتقدم الفسيولوجيا لا يقل في أهميته عما قدمه جاليليو لتقدم الفيزياء” ([69]). لكن يأخذ كابرا على بوريللي أنه فسر حركة العضلات في ضوء مصطلحات كمية خالصة: رياضية وفيزيائية، ولم يعز أي دور للعوامل غير المادية، سواء أكانت روحية، أم ذاتية، أم حيوية.

فسر دافنشي أيضا حركة عضلات الإنسان والحيوانات في ضوء مصطلحات كمية وميكانيكية، لكنه لم يتوقف عند حد هذه التفسيرات، بل إنه نسب الفضل في هذه الحركة الميكانيكية إلى قوى أخرى هي قوى الإنسان الروحية. إن عدم تعويله على التفسير المكيانيكي الآلي وحده هو ما دفع كابرا إلى المطالبة باستلهام تصوراته العلمية في عصرنا الراهن، على اعتبار أنها تمثل ثقافة علمية وفلسفية مضادة للنزعات المادية والاختزالية الحالية، ويقول كابرا في هذا الصدد: “يختلف علم دافنشي عن الإطار الميكانيكي لجاليليو وديكارت ونيوتن. (…) ورغم أن دافنشي درس باستفاضة الجوانب الميكانيكية لأجسام الحيوانات والبشر، إلا أنه كان يراها كوسائل تستخدمها الروح للتنظيم الذاتي للكائنات الحية” ([70]).

ومن وجهة نظر كابرا، لم يقتصر أثر الآلية الديكارتية في القرن السابع عشر فحسب، بل انتشر بصورة أكثر تطرفا في القرن الثامن عشر، وبالتحديد عند الفيلسوف الفرنسي دي لامتري (1709ـ 1751) de la Mettrie  الذي ولد بعد وفاة ديكارت بأكثر من نصف قرن. إذ يذهب دي لامتري بالتصور الميكانيكي إلى أقصى حدوده عندما ينتقد الثنائية الديكارتية لأنها أقرت بوجود نفس عاقلة في الإنسان، وهو ما يتنافى مع رؤية دي لامتري الآلية الصارمة. نقد دي لامترى لديكارت هو ما أبرزه كابرا قائلا: “هجر دي لامتري الثنائية الديكارتية، وأنكر أن البشر يختلفون عن الحيوانات في شيء، فعقل الإنسان أشبه بالساعة” ([71]). إن ما يشدد عليه كابرا هنا هو أن دي لامتري قد اختزل الإنسان في جسده المادي فقط، وتعامل معه على أنه آلة، تؤدي أفعالها بطريقة ميكانيكية مستقلة عن الإرادة والرغبات والمشاعر “فالإنسان آلة شديدة التعقيد” ([72]). والجسم البشري، وفقا لدي لامتري، هو مجموعة كبيرة من التروس، فهو أشبه بالساعة الكبيرة، والنفس مصطلح فارغ ليس لدى أحد فكرة  حقيقية عنه.

ساد هذا الاتجاه الاختزالي لدى كثيرين من علماء البيولوجيا في القرن العشرين مثل: جوزيف نيدهام Joseph Needham الذي ألف مقالة ســنة 1928 بعنوان: مثل دي لامتري الإنسان آلة، وضح فيها أن كل العلوم لكي تتسم بالدقة واليقين يجب أن تتطابق مع المقاربة الميكانيكية. وأنهى نيدهام مقالته بعبارة بلور فيها رؤيته الميكانيكية للإنسان والعالم قائلا: “في المجال العلمي يعتبر الإنسان آلة، وإن لم يكن كذلك، فهو ليس شيئا على الإطلاق” ([73]). لكن عدل نيدهام بعد ذلك عن الرؤية الميكانيكية، وأصبح من أشد المتحمسين للرؤية العضوية والكلية.

لا يقتصر الأمر على نيدهام وحده، بل أصبح الاتجاه الاختزالي الميكانيكي بمثابة الموضة بين علماء البيولوجيا، إذ نجد عالم البيولوجيا الأمريكي جاك لوب Jacques Loeb يناصر هذا الاتجاه بقوة في كتابه التصور الميكانيكي للحياة. حيث يرى لوب أن كل العمليات الحيوية للكائنات الحية، بل وحتى الجوانب النفسية والأخلاقية للإنسان، يمكن ردها إلى التفاعلات الفيزيائية والكيميائية التي تحدث داخل الأجساد، وهذا ما يؤكده عندما يقول: “يمكن شرح كل ظواهر الحياة في ضوء المصطلحات الفيزيو ـــــــ كيميائية، (…) لكن لن يكون التصور الميكانيكي للحياة كاملا إن لم تشمل التفسيرات الفيزيو ــــــ كيميائية الظواهر النفسية” ([74]).

لكن يرفض كابرا رفضا باتا اختزال سلوك الكائنات الحية ووظائفها في التفاعلات الكيميائية والفيزيائية، مؤكدا أن هذا المنهج الاختزالي وإن نجح في معرفة بنية الكائنات الحية ووظائفها، إلا أنه يخفق في تقديم تفسير شامل وكلي لسلوكها وتفاعلها مع بيئتها. إن المنهج الاختزالي يصل إلى معرفة سطحية بالكائنات الحية، ولن يصل أبدا إلى المعرفة الكلية بهذه الكائنات الحية، إذ “نجح علماء الأعصاب في توضيح جوانب عديدة لوظائف المخ، لكنهم لم يعرفوا حتى الآن كيف تعمل الأعصاب معا، وكيف تدمج نفسها في وظائف الكل الحي” ([75]). إن ما يشدد عليه كابرا هنا هو أن العلماء عندما يختزلون كل مكتمل في وحدات بنائه الأولية، ويحاولون شرح هذا الكل انطلاقا من هذه الوحدات الأولية فقط، فإنهم سيفقدون القدرة على فهم النسق الكلي لهذا الكل، وبالتالي، سيخفقون في تقديم صورة حقيقية عنه.

على أية حال، عندما تمتد هذه الرؤية الاختزالية إلى العلوم الطبية، وتؤثر بشكل مباشر في حياة الإنسان، فيصبح الخطر أكثر وضوحا، وتصبح محاولة تفاديه ضرورة قصوى.

2- علم الطب والرؤية الآلية للجسد:

في كتابه المعنون بتاريخ الطب يرى جان سورنيا أن البدايات الحقيقية لعلم الطب قد بدأت في القرن السابع عشر، وقبل ذلك كانت الممارسات الطبية تعتمد على السحر والتصورات الدينية. فعلى سبيل المثال، تم تفسير المرض في العصور الوسطى، على أنه اختبار للإنسان، أو عقاب له لمخالفته الأوامر الإلهية، وساد اعتقاد بأنه لا أحد يعاني إلا بأمر السماء. لكن تغير وضع الطب تماما في القرن السابع عشر، وحدث تقدم ملحوظ، ويُرجع سورنيا الفضل في ذلك إلى تطور المنهج التجريبي على يد بيكون، لكنه لم يتطرق بقدر كبير إلى فلسفة ديكارت وأثرها في تطور علوم الطب ([76]).

في الحقيقة لم يشر سورنيا ولا كابرا إلى أن ديكارت كان عالما فذا في علوم الطب، أو أن له اكتشافات طبية هامة، واتفق الاثنان على أن رؤية ديكارت للجسد الإنساني هي رؤية آلية ميكانيكية، لكن توقف سورنيا عند هذا الحد، ومضى كابرا ليوضح خطورة هذه الرؤية على الطب سواء في عصره، أو في عصرنا الراهن.

ونرصد مع كابرا بعض مخاطر الثنائية الديكارتية التي انتقلت من الفلسفة إلى مجال العلوم الطبية، والخطر الأول، من وجهة نظر كابرا، هو تأثر هذه العلوم برؤية ديكارت للجسد على أنه آلة، فانتقال هذه الرؤية إلى العلوم الطبية جعل الأطباء يتعاملون مع جسد المريض على أنه آلة قد يصيبها عطل ما، أو خلل ما، في بعض الأجزاء، وبالتالي سيكون دور الطبيب في تعامله مع المرضى أشبه بدور المهندس الذي يقوم بإصلاح سيارة أو جهاز تليفزيون.

لقد تم اختزال دور الطبيب في المنظومة الطبية الحديثة في البحث عن العضو المريض والمصاب فقط، والسعي لإصلاحه، وتناسى الأطباء أنهم يتعاملون مع ظاهرة كلية شديدة الترابط والتلاحم، ترتبط جوانبها الفسيولوجية بالسيكولوجية والعقلية، التي تتأثر بدورها بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية … وغيرها. هذه التوجه الاختزالي الآلي الذي ساد في الطب الحديث والمتأثر إلى حد كبير بالثنائية الديكارتية، هو ما أبرزه كابراقائلا: “نتج عن تمييز ديكارت الحاد بين العقل والجسد، رؤية المرض على أنه خلل وظيفي في الآلات البيولوجية، وأن دور الطبيب هو التدخل لإصلاح الخلل الموجود بهذه الآلات” ([77]).

نتج عن الخطر الأول خطر ثانٍ أشد وطأة، وهو أن هذه النظرة الآلية لجسد المريض واعتباره شيئا ماديا، شأنه شأن أي ظاهرة طبيعية أخرى، قد اقترن بالسيطرة عليه، والتحكم فيه بواسطة التكنولوجيا، التي نظرت إلى المريض على أنه مجرد شيء، وجعلت منه موضوعا للتلاعب والتجريب. بل وصل الأمر أن أصبح بإمكان التكنولوجيا الطبية المتطورة توفير قطع غيار إنسانية بديلة للأجزاء التي يصيبها العطل أو الخلل. لكن يرفض كابرا تطبيق هذه التكنولوجيا على المرضي، حتى وإن كانت تحقق بعض التقدم، فهي في النهاية تهمل المريض كإنسان، لصالح  المعرفة العلمية بالمرض، وهذا ما يرفضه كابرا قائلا: “طورت التكنولوجيا الطبية طرقا متعددة لإزالة وإصلاح أجزاء متعددة للجسم، وقد قلل هذا من معاناة بعض الضحايا، لكنه قد ساهم في تشويه الصحة والعناية الكلية بالمريض” ([78]).

ليس كابرا وحده هو من يرفض هذا التعامل المادي والآلي مع جسد المريض، أو التجريب عليه، أو الاستعانة بالتكنولوجيا من أجل ترويضه والتحكم فيه، بل إننا نجد يوناس يتفق معه أيضا في رفض هذا التوجه اللا إنساني، مستنكرا بشدة أي محاولة للتجريب على جسد المرضى، فجسد الإنسان ليس آلة، وقد أبرز يوناس الاختلاف بينهما قائلا: “هناك اختلاف جوهري بين التجريب على الذوات الإنسانية، والتجريب على الموضوعات المادية، فالتجريب المادي يوظف بدائل صناعية لهذا الذي ينبغي أن نحصل على معرفة بخصوصه. فهناك شيء ما ينوب عن الشيء الحقيقي (…) لكن لن يكون هذا البديل ممكنا في المجال البيولوجي، حيث يجب أن نجرب على الأصل نفسه، وربما نؤثر فيه بأخطاء يتعذر محوها” ([79]). إن ما يشدد عليه يوناس هنا هو أنه في حالة التجريب على البشر ستكون المسألة محفوفة بالمخاطر، وغير مأمونة العواقب، فالأخطاء قد تكلفنا حياة إنسان.

في الحقيقة، أحرزت العلوم الطبية تقدما مذهلا في القرن العشرين، ويرجع الفضل في ذلك إلى تطور التكنولوجيا التي حققت ابتكارات ما كان لأحد أن يسمع عنها أو يحلم بها من قبل، مثل: الاستنساخ، والهندسة الوراثية، وأطفال الأنابيب، وزراعة الأعضاء … إلخ، واحتفى كثيرون بهذه الإنجازات الطبية التي مكنت غير القادرين على الإنجاب على أن يكون لديهم أطفال، بل أصبح بمقدورهم تحديد الصفات الوراثية لأطفالهم. لكن في المقابل، يحذرنا كثيرون من الفلاسفة مثل: إلول من التمادي والتوسع في تطبيق التكنولوجيا في المجال الطبي، لأنهم يرون خلف ذلك وشائج خفية تهدر قيمة الإنسان وكرامته، ودعا إلول إلى تضييق الحدود على التكنولوجيا الطبية، وحصر استخداماتها في حالات محددة مثل “تصحيح بعض الأخطاء الطبية، وتلافي بعض المآسي النفسية والجسدية فقط، فمهمتها ليست اختراع بشرية جديدة” ([80]).

نحن إذن أمام تصورين مختلفين، التصور الأول الذي قدمه كابرا، والذي تحفظ فيه على استخدام التكنولوجيا الطبية، حتى وإن كان غرضها إصلاح بعض العيوب الجسدية، لما سيترتب على ذلك من أعراض جانبية بالغة الخطورة، تنتج عن إغفال النظرة الكلية والشاملة إلى المريض بوصفه إنسانا. أما التصور الثاني الذي قدمه إلول، والذي لا يمانع من استخدام التكنولوجيا الطبية لإصلاح بعض العيوب الموجودة، فهو وإن كان يتحفظ على التوسع في استخدام التكنولوجيا الطبية، إلا أنه ينطلق من فكرة تخفيف الألم و المعاناة عن المرضى. لكن يتفق الاثنان في النهاية على توخي الحذر من المخاطر المترتبة على استخدام هذا النوع من التكنولوجيا.

لكن إذا كان كابرا يحذر من تعامل الطب الحديث مع أجساد المرضى على أنها الآلات، فما هو الحال مع الأمراض غير الجسدية: العقلية والنفسية؟ وهل سيتعامل معها الطب الحديث بأساليب  علاجية مختلفة أم أن ما ينسحب على التعامل مع الأمراض العضوية، سينسحب أيضا على التعامل مع الأمراض العقلية والنفسية؟

ننتقل هنا مع كابرا إلى الخطر الثالث، فهو يرى أن الدراسات والممارسات الطبية في تعاملها مع الاضطرابات النفسية والعقلية قد انتهجت طريقة التعامل نفسها مع الأمراض العضوية، فبدلا من أن يركز الأطباء على فهم الجوانب السيكولوجية والسوسيولوجية للمرض، اهتموا بالبحث عن أسباب المرض العضوية التي تتمثل في تلف خلايا المخ أو العدوى. وقد عزز هذا التوجه اكتشاف عدد كبير من الأدوية النفسية، وخاصة المهدئات، والأدوية المضادة للاكتئاب، وهو ما حقق نجاحا كبيرا، إذ اعتقد الأطباء النفسيون أنهم قادرون على التحكم في هذه الأمراض. لكن يحذر كابرا من هذا النجاح المزعوم، ويؤكد على أن هذه الأدوية، بجانب آثارها الجانبية بالغة الخطورة، فهي تتحكم فقط في الأعراض، وليس لديها أي تأثير في منع الاضطرابات الأساسية، وبالتالي، فهي لا تعالج المرض، بقدر ما تهديء من العرض ([81]).

إن ما يأخذه كابرا على هذا النموذج هو أنه يغفل أي أبعاد غير بيولوجية للمرض، لكن تتسم هذه النظرة بضيق الأفق، وعم الجدوى في التعامل مع الأمراض غير العضوية، وهذا ما يوضحه كابرا قائلا: “ينتج المرض العقلي من إخفاق في تقييم خبرات التكامل، وتتم المعالجة الحقيقية بتقديم الدعم العاطفي للمريض” ([82]). يستبدل كابرا في هذا النص بالمقاربة العضوية للمرض المقاربة السيكولوجية التي تركز على جوانب أخرى أكثر أهمية مثل: حالة المريض النفسية، والوجدانية، وعلاقته بأقرانه وأسرته، ووضعه الاقتصادي والاجتماعي. فمعرفة هذه الجوانب ومحاولة تلافي ما فيها من قصور تلعب دورا مهما في عملية العلاج، ولا يعني هذا أن كابرا يرفض أي تدخل عضوي في عملية العلاج، لكنه يرى أن المعالجة العضوية ستكون هامشية، وليست مركزية كما هو الحال في النظام الطبي القائم، إنها بمفردها غير كافية بالمرة، ولن تجد في عملية شفاء الأمراض غير العضوية، بل والعضوية أيضا.

بالفعل، إن المقاربات العضوية للأمراض العقلية والنفسية تنم عن قصور في الرؤية، وفي فهم الفروق الهائلة بين النفسي والجسدي. ويؤكد الدكتور محمود عواد على أن عدم جدوى التعامل العضوي مع الأمراض النفسية قد أدى إلى ظهور فرع طبي جديد وهو الطب النفسي، وهو مختلف كثيرا عن الطب العضوي. يقول عواد: “إن كثيرا من الأمراض النفسية التي انتشرت أو قل عُرفت في هذه الأيام بشكل ملفت للنظر، أصبحت تُعالج بطرق تعتمد على العلاج النفسي وليس على العلاج العضوي” ([83]).

بجانب المخاطر السابقة يكشف لنا كابرا عن خطر جديد، وهو أن النموذج الطبي الحالي يعطل أي قدرة أو إمكانية للمريض على المشاركة في شفاء نفسه. فعملية الشفاء، وفقا لهذا النموذج، لن تتم دون تدخل الطبيب الذي يعرف أكثر من المريض، فهو وحده القادر على تقديم العلاج وتخفيف المعاناة. وبالتالي، تكون تحليلات المعامل، وغرف الفحص والأشعة أكثر أهمية من الحالة النفسية والعاطفية للمريض، وهذا ما يرفضه كابرا قائلا: “يعتمد النظام الطبي الحالي على قوى خارجية للشفاء، دون أن يأخذ في الاعتبار الإمكانيات الشفائية الموجودة داخل المريض نفسه” ([84]). إن ما يريده كابرا هو أن يقتصر دور الطبيب على تحفيز قوى الشفاء الذاتية الموجودة في المريض، ومساعدة المريض على تحقيق شكل من أشكال التوازن مع بيئته. فما يريده كابرا هو تأسيس نموذج طبي جديد يرتكز على الذات التي تعاني وتشعر بالألم، أكثر من ارتكازه على العلم الموضوعي وحده.

لم يقف كابرا عند تسليط الضوء على جوانب الضعف المتأصلة في البنية الداخلية لرؤية النظام الطبي الحالي ــــ الجسد الآلة وما ترتب على ذلك من آثار ــــ  بل يمضي لأبعد من ذلك عندما يكشف عن المخاطر الاقتصادية التي يحملها هذا النظام بين طياته. فهذا النظام، من وجهة نظر كابرا، موسوم بالاستغلال، والجشع، والسعي إلى تحقيق أرباح طائلة على حساب المرضى، إنه يسعى إلى تطوير نفسه من حيث المظهر فقط، لكنه يبقى على جوهر الرعاية الصحية بالمرضى دون تطوير، هذا الطابع التجاري الذي أصبح يطغى على ممارسات النظام الطبي الحالي هو ما يوضحه كابرا قائلا: “تبدو المراكز الطبية الحديثة مثل المطارات الفارهة (…) وإن نسبة تتراوح من 30% إلى 50% من المرضى الموجودين في المستشفيات ليس لوجودهم أي مبرر طبي سوى الرغبة في الربح” ([85]).

لكن قد لا تجد مثل هذه الصيحات التحذيرية من الاستغلال صدى في ظل المجتمعات المعاصرة، فإحراز بعض النجاحات النسبية في معالجة الأمراض العضوية جعل كثيرين يعتقدون أنه النظام الطبي الأمثل، “فالجمهور لن يكون قانعا بمغادرة عيادة الطبيب إن لم يأخذ الوصفة الطبية (الروشتة) (…) فعندما تأتي أم بطفلها الذي يعاني من الحمى، تقول للطبيب أعطه حقنة البنسلين، فإذا رفض الطبيب لأن البنسلين لن يكون مجديا في حالته، فتصرخ الأم في وجه الطبيب قائلة أي نوع من الأطباء أنت؟ إن لم تفعل سأذهب لآخر” ([86]). إن تماهى الأفراد مع هذا النظام سيعطل من عملية تغييره، وبالتالي فإن المطلوب هو تغيير جذري في الثقافة الطبية السائدة، إذ يجب أن يدرك الأفراد أن الرعاية الطبية السليمة لا ترتكز على المعارف الطبية وحدها، ولا على التقدم التكنولوجي، بل تلعب الحكمة، والتعاطف، والشعور بالأمان، والإحساس بمشكلات المريض العاطفية والنفسية دورا مهما في عملية العلاج.

وهذا ما يجعلنا نتنبأ بملامح النظام الطبي الجديد الذي ينشده كابرا، والذي سيعزو فيه الدور الأهم للجوانب التي أهملها النظام الحالي. لكن قبل توضيح ملامح هذا النظام المرجو نجد أنفسنا بصدد سؤال هام: ماذا عن الإنجازات الطبية التي تحققت على مدى القرون الثلاثة الماضية؟

لقد عانت البشرية لقرون عديدة من الأوبئة والأمراض، ومات ملايين البشر في العالم بسبب الكوليرا، والملاريا، والتيفود، والطاعون. وقد وصف ويليام باينم في كتابه تاريخ الطب ضراوة هذه الأوبئة قائلا: “كان الموت الأسود أول وباء جائح ــــ عابر للقارات ــــ أباد ما بين ربع ونصف السكان في أوروبا ما بين منتصف القرن الرابع عشر ومنتصف القرن السابع عشر” ([87]). لكن تناقصت أعداد الوفيات تدريجيا بفضل اكتشاف الأمصال واللقاحات المضادة لهذه الأمراض، وهو ما يعني أنه كان للطب دور بارز في القضاء على هذه الأمراض الفتاكة، حسبما يرى باينم.

نعم، هذا الدور البارز للطب في محاربة الأمراض والقضاء عليها هو ما أكده أيضا توماس مالتوس Thomas Malthus في كتابه مقالة في مبدأ السكان، حيث قام مالتوس برصد العوامل التي أدت إلى الزيادة السكانية، وتصدر التقدم الطبي ودوره في تحسين صحة البشر هذه العوامل. يقول مالتوس في هذا الصدد: “بسبب تطور الطب، واستخدام طعام صحي، ووجود مساكن صحية، تحسنت قوة الجسد، وزاد معدل السكان” ([88]).

لكن في الوقت الذي يعزو فيه باينم ومالتوس الدور الأهم للطب في محاربة هذه الأمراض والقضاء عليها، ينفي كابرا عن الطب أي قدرة في هذا الشأن، ونجده يعطي الأولوية في القضاء على هذه الأمراض إلى عوامل أخرى يأتي الطب في المؤخرة منها أحيانا، بل وأحيانا أخرى لا يدرجه ضمن هذه العوامل من الأساس، وهذا ما يوضحه عندما يقول: “حدثت زيادة كبرى في متوسط أعمار الأفراد عبر المائتين سنة الماضية، وأرجع البعض هذه الزيادة إلى الآثار المفيدة للطب الحديث (…) لكن زيادة متوسط عمر الفرد ارتبطت بتقليل مستوى الفقر، وتحسين التغذية، إضافة إلى عوامل اقتصادية أخرى، ولم يلعب الطب دورا مؤثرا في ذلك” ([89]).

ليس كابرا وحده من يشكك في جدوى الطب الحديث في القضاء على الأمراض، بل يتفق معه توماس ماكوين Thomas McKeown الذي يرى أنه من الخطأ أن ننسب للطب الحديث دورا كبيرا في انخفاض معدل الوفيات، إذ “بدأ التراجع السريع لمعدل الوفيات الناتج عن أمراض الرئة المميتة في نيويورك قبل عدة سنوات من اكتشاف العقاقير والأدوية” ([90]). ربما يرى ماكوين أن تراجع معدل الوفيات يعود إلى التحسن الكبير في التغذية، وهو ما جعل البشر أكثر مقاومة للعدوى، إضافة إلى الاهتمام بالنظافة، ومكافحة الفقر، وتقليل معدل المواليد الذي أدى إلى التحسن العام لظروف الحياة.

نقول نعم، لا أحد يستطيع أن ينكر أن للتغذية الجيدة، والنظافة، والبيئة النقية، دورا مهما في المحافظة على صحة البشر، وفي التقليل من نسبة الأمراض. لكننا لا نستطيع أن ننكر أيضا الدور البارز للطب الحديث في شفاء الكثير من الأمراض العضوية وغير العضوية، فهو أحد العوامل الحاسمة في تقليل نسبة الوفيات، وزيادة أعداد السكان، فوجود البيئة النقية، والتغذية الجيدة، لم يمنع من ظهور العديد من الأوبئة والأمراض الخطيرة، التي لا شفاء منها إلا بفضل التقدم الطبي، فقد لعب الطب الحديث ولا زال يلعب دورا مهما في  حياة البشر، وفي تقليل معاناتهم وآلامهم.

على أية حال، إذا كان كابرا ينكر أي فضل للطب الحديث في حياة البشر، فما البديل الذي يطرحه لتفادي السلبيات الناجمة عن النظام الطبي الحالي؟

يستهل كابرا تأسيس رؤيته الطبية الجديدة، والتي يطلق عليها الرؤية الطبية الإيكولوجية أو الكلية، بنقد مفاهيم شاعت واستقرت في تاريخ الطب الغربي منذ القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. وأول هذه المفاهيم هو مفهوم الصحة، إذ يرفض كابرا رؤية الصحة على أنها غياب المرض، أو استمرارية الجسد في أداء وظائفه دون حدوث خلل أو عطل يعوقه عن تأدية هذه الظائف. فهذه الرؤية الخاطئة للصحة متوارثة عن المقاربة الديكارتية للجسد على أنه آلة قابلة للإصلاح في حالة تعطلها، إذ “سيطر على ثقافتنا الغربية في القرون الثلاثة الماضية تعريف الصحة على أنها غياب للمرض، ورؤية المرض على أنه خلل وظيفي للآليات البيولوجية” ([91]). يتسم هذا التعريف بضيق الأفق والمحدودية، إذ يختزل الصحة في البعد البيولوجي فقط، ويعتبرها شأنا فرديا خاصا، ولا يتخطى مفهوم الصحة إلى المجالات الأخرى: الاجتماعية، والسيكولوجية، والثقافية، والبيئية.

لكن تداركت منظمة الصحة العالمية سـنة 1948 هذا التعريف الضيق، وقدمت تعريفا أكثر شمولا وعمومية. فالصحة، وفقا لتعريف منظمة الصحة العالمية هي “حالة من حالات الوجود الحسن: الجسدي والعقلي والاجتماعي، وليست فقط مجرد غياب الضعف والمرض” ([92]). وفقا لهذا التعريف، تقترن الصحة بحالة جيدة للوجود الإنساني، فالإنسان السليم هو الذي يحيا في مجتمع سليم. فالسلامة الاجتماعية المتمثلة في تحقيق الاحتياجات الوجودية والبيولوجية للإنسان تعد شرطا جوهريا لبلوغ السلامة العقلية والجسدية، وبالتالي، لوجود الصحة العامة.

رغم معقولية التعريف الذي قدمته منظمة الصحة العالمية، إلا أنه لا يرضى كابرا، ويعتبره تعريفا غير واقعي إلى حد كبير، فالأنظمة السياسية والاقتصادية الموجودة لا يمكن أن يتحقق في ظلها الوجود الحسن للإنسان، فهذه الأنظمة تعزز اغتراب الإنسان أكثر مما تعزز شعوره بالأمان الاجتماعي. كذلك فإن الحالة الجيدة للوجود الإنساني، من وجهة نظر كابرا، ليست حالة ثابتة لا يعتريها التغير، وبالتالي، فالصحة أيضا ليست معطى ثابتا غير قابل للتغير. فالإنسان يمر بمراحل تعتريها الصحة والمرض، والصحة وفقا لكابرا “تغير مستمر وعملية متطورة” ([93]). إن ما يريد كابرا أن يقوله هو أن تعريف منظمة الصحة العالمية لا يختلف كثيرا عن النظام الطبي الحالي، فكلاهما ينظر إلى الصحة نظرة استاتيكية، وبمعزل عن الجوانب الروحية والعاطفية والأخلاقية للإنسان، في حين أن ما ينشده كابرا هو تأسيس نموذج طبي جديد لا يغفل أهمية الدور الذي تلعبه هذه الجوانب في المحافظة على الصحة بشكل عام.

يستلهم النموذج الطبي البديل الذي يقدمه كابرا من الحضارتين: الشرقية والغربية الكثير من التصورات والمفاهيم، فالحضارات القديمة لم تر في الصحة والمرض ظاهرتين معزولتين عن السياقات التي يعيش فيها الإنسان، بل على العكس، ركزت الممارسات الطبية القديمة على الجوانب الروحية والأخلاقية أكثر من تركيزها على الجسد، وتعاملت مع الجسد على أنه مرآة للروح، وهو ما يعني أن سلامة الروح تعد شرطا جوهريا لصحة الجسد، وبالتالي فإن الأمراض الجسدية يمكن علاجها عن طريق العناية بروح المريض ونفسه وعقله.

كذلك ساد تصور في الحضارات القديمة بأن الإنسان جزء من الكون، وأنه يجب أن يعيش في تناغم معه، ويكون الإنسان سليما في حالة انسجامه  مع النظام الكوني، معتلا في حالة عدم الانسجام والتوازن. وفي حالة المرض ترتكز عملية الشفاء على إعادة إحياء التناغم والانسجام  بين الإنسان وعالمه، وهذا ما يؤكده كابرا قائلا: “يقوم العلاج الشاماني، على تجديد التوازن في الطبيعة، وفي العلاقات الإنسانية، وفي العلاقات مع عالم الروح” ([94]).

وننتقل مع كابرا من الإجمال إلى التفصيل لنضع أيدينا على ما يمكن استلهامه من الحضارات القديمة ليكون نبراسا نتجاوز به الأزمات الناتجة عن انحرافات النموذج الطبي الحالي.

رغم وجود تماثلات كبيرة بين الحضارتين: الشرقية والغربية مثل اهتمامهما بالنوازع الروحية والأخلاقية، إلا أن كابرا يقيم بينهما تمايزا نسبيا في المجال الطبي، فيعزو إلى الطب الغربي القديم ممثلا في أبقراط سمة الموضوعية، بينما يعزو إلى الطب الشرقي القديم، ممثلا في الحضارة الصينية، سمة الذاتية، وسنرى كيف أن رؤية كابرا الجديدة ستتشكل من المزج بين الجانبين: الموضوعي والذاتي.

يبدأ القسم الأبقراطي بالعبارة التالية “أقسم بأبوللو الطبيب وباسكيليبيوس وبالصحة ( الإله هايجيا) وبكل الآلهة أن ألتزم بهذا القسم … ” ([95]). يعلن أبقراط منذ البداية خضوعه للإله أبوللو، وهو إله العقل عند اليونان، ولا يعني هذا أن أبقراط سيعزو المرض والصحة إلى رضا الآلهة أو غضبها، بل يعني أنه سيلتزم بالمنهج العقلي مبتعدا عن التفسيرات الخرافية والأسطورية التي كانت سائدة آنذاك، وهذا ما يعلنه أبقراط عندما يقول: “إنني لا أعتقد بوجود ما يسمى بالأمراض الإلهية (…) وإن من يعلنون هذا إنما يخفون إخفاقهم في تقديم معالجة ملائمة لهذه الأمراض” ([96]).

يصادق كابرا على علمية وموضوعية الرؤية الأبقراطية للطب، قائلا: “وفقا لأبقراط، لا تحدث الأمراض بسبب الشياطين، ولا بسبب أي قوى متجاوزة للطبيعة، إنها ظواهر طبيعية يمكن دراستها علميا” ([97]). إن ما يشدد عليه كابرا في هذا النص هو أن المرض لدى أبقراط ظاهرة طبيعية، شأنها شأن أي ظاهرة طبيعية أخرى، تخضع للملاحظة والتجربة، ولا تخضع لأية تفسيرات تتجاوز العالم الطبيعي، ولهذا نجد أبقراط يرد الأمراض إلى العوامل الطبيعية والجغرافية والبيئية، وليس إلى أي عوامل أخرى.

هذه النظرة العلمية لأبقراط هي ما أقرها أيضا ستيفين هـ. ميلز Steven H. Miles الذي رأى أن ابقراط قد حرر الطب مما لحق به من خرافات، عندما رفض أي تفسيرات تتجاوز الإطار الطبيعي، وهذا ما يبرزه قائلا: “بفضل إسهامات ابقراط تم الانتقال من الشفاء الإلهي إلى الشفاء العلمي” ([98]).

لكن صفة الموضوعية التي يعزوها كابرا إلى أبقراط لا تقتصر على الموضوعية بمعناها المنهجي، لكنه يقصد بها وجود عوامل موضوعية تتسبب في حدوث الأمراض، وهذه العوامل خارجية ومستقلة عن الإرادة الإنسانية، أي ليس للإنسان أي دخل فيها، وتتحدد هذه العوامل في البيئة الطبيعية والجغرافية، وهذا ما يؤكده أبقراط في كتابه الأهوية والمياه والبلدان عندما يقول: “من أراد التعمق في الطب فينبغي له أن يفعل ما يأتي: أولا، أن ينظر إلى فصول السنة وإلى أثر كل منها (…) ثم يتعرف ما هي الأهوية الحارة والباردة على كل البلدان، ويتعرف أيضا على صفات المياه التي تختلف في الخواص“([99]). فهذه العوامل البيئية تحدد أيضا الحالة النفسية والمزاجية للبشر “فشكل البدن، واستعدادات النفس موافقة لطبيعة المكان” ([100]). يرد أبقراط الاضطرابات النفسية إلى المؤثرات البيئية، وليس إلى أي خلل وظيفي أو عضوي. وبالتالي، يتطلب العلاج قدرا من التكيف مع البيئة، أو الانتقال إلى بيئة آخرى. بالإضافة  لذلك لم يفصل أبقراط النفس عن الجسد بل جعلهما متحدين، ويتأثران معا بنفس العوامل البيئية والجغرافية.

يحتفي كابرا بهذه المقاربات الأبقراطية احتفاءً بالغا، ويدعو إلى إحيائها في عصرنا الراهن، لأنها عزت للبيئة الطبيعية دورا هاما في حدوث الأمراض والشفاء منها، وهو ما غاب عن النموذج الطبي الحالي الذي اختزل سبب حدوث الأمراض في عامل واحد مثل: البكتريا أو الجراثيم، وتناسى دور البيئة في الصحة والمرض. كذلك يتميز أبقراط بأنه لم ينظر إلى المرض على أنه خلل وظيفي في الأجهزة البيولوجية يعوقها عن أداء وظائفها، ويحتاج إلى تدخل خارجي، بل رأى أن المرض نتاج لعدم التوازن بين الإنسان وبيئته الطبيعية، وأن الصحة تتطلب شكلا من أشكال الانسجام والتواؤم بين الإنسان والبيئة، ولهذا سعى كابرا إلى رد الاعتبار للنموذج الطبي الأبقراطي قائلا: “يعد طب ابقراط بمثابة مقالة في الإيكولوجيا الإنسانية التي توضح أن الوجود الحسن للأفراد يتحدد بالعوامل البيئية؛ هذه الجوانب قد تم تجاهلها بقوة مع نشأة العلم الديكارتي، لكن ينبغي إعادة دمجها في النموذج الطبي الحالي” ([101]). يشدد كابرا في هذا النص على فكرة أن الصحة الفردية هي جزء لا يتجزأ من الصحة الإيكولوجية، لذا يدعونا دائما إلى المحافظة على البيئة الطبيعية وعدم الإخلال بتوازنها، ويعد هذا شرطا جوهريا لبلوغ الصحة. وهذا التصور هو جزء لا يتجزأ من فلسفة كابرا الإيكولوجية التي تقوم على أن سلامة الكل ضرورية لسلامة الأجزاء.

إذا كان أبقراط قد حرر الطب من الخرافات والأساطير، واعتبر الصحة والمرض ظاهرتين طبيعيتين، فإن الطب الشرقي عامة، والصيني خاصة، قد ربط الممارسات الطبية بالعالم المتجاوز للطبيعة؛ عالم الأرواح والآلهة، وهو ما يترتب عليه ضرورة اتصال المريض بالعالم الروحي، الذي يلعب دورا جوهريا في عملية الشفاء، التي غالبا ما تتم بمشاركة الوسطاء الدينيين. أي من خلال تواصل الوسيط الروحي أو الديني مع عالم الأرواح لتشخيص أسباب الداء، التي قد تكون عقابا على أثم أو ذنب اقترفه المريض، أو نتاجا لخلل في العلاقات الأسرية والاجتماعية للمريض، أو بسبب تقصير في حق الآلهة. وتكون عملية الشفاء بمثابة تطهير للمريض.

مشاركة المريض هذه في عملية الشفاء هي ما يطلق عليها كابرا مصطلح البعد الذاتي للشفاء، والذي يرتكز على الذات المريضة وعلاقاتها بالعالم الروحي والاجتماعي. هذه النزعة الذاتية هي ما طالب كابرا باستلهامها من الطب الصيني ودمجها في النموذج الحالي لتجاوز نزعته الاختزالية ضيقة الأفق، وقد عبر كابرا عن هذا المطلب قائلا: “إن الإعلاء من قيمة المعرفة الذاتية للمريض هو أمر يجب تعلمه من الشرق، فثقافتنا منذ جاليليو وديكارت ونيوتن متيمة بالموضوعية الصارمة وبالنزعات الكمية” ([102]). يشدد كابرا على ضرورة أن يولي النموذج الطبي الجديد اهتماما أكبر للحكمة الإنسانية التي يمتاز بها الشرق، والتي تضع في اعتبارها الحياة بمجملها، وعلاقاتها الروحية والاجتماعية، ومكانتها في الكون.

إن هدف كابرا هو أن يسلك الطبيب الغربي مسلك المعالج الصيني الروحي: الشامان Shaman، الذي يغوص في أعماق نفس المريض ليصل إلى موطن الضعف والخلل بها. وبالتالي، فإن وظيفة الشامان في الطب الصيني القديم تشبه وظيفة الطبيب النفسي الذي يحاول استنطاق لا وعي المريض ليصل إلى العقدة المسببة للمرض، هذا التشابه بينهما، ودعوتهما إلى التركيز على الجوانب النفسية للمريض، وليس على الجوانب البيولوجية فقط، هو ما أبرزه كابرا قائلا: “لشعائر الشامان وظيفة الخروج بالصراعات غير الواعية إلى مستوى الوعي لإيجاد حل، وهذا هو الأساس  الذي ينبغي أن يرتكز عليه العلاج النفسي الحديث” ([103]).

لا تتوقف المعالجة الشامانية عند فحص الأبعاد النفسية للمريض فحسب، بل إنها تركز أيضا على الأبعاد الاجتماعية للمرض، فقد تكون الضغوط  والمشاكل الأسرية والاجتماعية هي سبب حدوث المرض “فالمريض هو جزء من الجماعة الاجتماعية، وقد ينشأ المرض بسبب الأفعال الخاطئة من قبل أسرة المريض، أو بسبب المنافسة والحقد والطمع، أو بسبب مخالفة النظام الأخلاقي السائد” ([104]).

هكذا، يقدم لنا كابرا نموذجيين طبيين مختلفين إلى حد كبير؛ النموذج الطبي المعاصر، والنموذج الطبي القديم ممثلا في: الطب الأبقراطي، والطب الصيني. وعند المقارنة بينهما يظهر انحياز كابرا الواضح إلى النماذج القديمة، فرغم التقدم الهائل الذي حققته العلوم الطبية المعاصرة، إلا أنها تغض الطرف عن العوامل غير البيولوجية المسببة للمرض مثل: العوامل الطبيعية، والنفسية، والاجتماعية، وهي العوامل التي يوليها كابرا اهتماما كبيرا.

ولا ينتهي الأمر مع كابرا عند حد إدماج جوانب من الحضارات القديمة ضمن رؤيته الطبية الجديدة، بل يمضي ليرسم ملامح استراتيجية جديدة لنظام الرعاية الصحية، وتقوم هذه الاستراتيجية على إعادة هيكلة النظام الطبي الغربي، وإدخال مفاهيم جديدة داخل النظرية والممارسة الطبيين، وإعطاء القدر الأكبر من الأهمية للتعليم الصحي ولتنفيذ السياسات الصحية التي ينبغي أن يرسمها القائمون على إدارة الشئون الصحية، وليس أصحاب رؤوس الأموال وشركات الأدوية. وتتحدد هذه الملامح لدى كابرا فيما يلي:([105]).

  • إدماج نظام الرعاية الصحية الإيكولوجية أو الكلية في التعليم الصحي، إذ يجب أن يهدف التعليم الصحي إلى توعية البشر بأن سلوكهم وبيئتهم يؤثران في حالتهم الصحية، ولن يقتصر هذا التعليم على كليات الطب فحسب، بل يجب أن يبدأ في المدارس مع المراحل المبكرة للتعليم، ويمكن توسيع نطاقه جماهيريا من خلال وسائل الإعلام.
  • يجب أن تلتزم الحكومات بتنفيذ السياسات الصحية الإيكولوجية أو الكلية، وأن تتضمن التشريعات القانونية والطبية نصوصا للحد من المخاطر الصحية ونموها. وفي هذا الإطار يجب أن تمنع الحكومات كل إعلانات المنتجات غير الصحية، كما يجب أن تفرض ضرائب الرعاية الصحية على الشركات والأفراد الذين يتسببون في إيجاد مخاطر صحية. بالإضافة لذلك، يجب أن تطور الحكومات خدمات التخطيط الطبي للأسرة، ومراكز العناية اليومية، وهو ما يمكن اعتباره رعاية صحية وقائية.
  • يجب أن تدعم الحكومات السياسات الغذائية لإنتاج أطعمة صحية، وهو ما يرتبط بتطوير الزراعة العضوية.
  • تبدأ عملية الرعاية الجديدة بالممارس العام، وهو ليس طبيبا، ولا متخصصا في المعرفة الطبية الدقيقة، إنه إنسان يتمتع بحساسية تجاه مسببات المرض، ولديه القدرة على أن يقرر أياً منها أكثر اتصالا بالموضوع، وفي حالة الضرورة يرشد المرضى إلى المتخصصين.
  • كما ستلعب الممرضات دورا محوريا في نظام الرعاية الصحية الجديد، فالممرضات المؤهلات تأهيلا جيدا هن في موقع المسئولية عن إرشاد الممارسين العموميين، وهن القادرات على تقديم التعليم والاستشارة الصحيين، ويكن في اتصال دائم مع المرضى لكشف المشكلات الصحية قبل تطورها. وسوف تتخصص الممرضات في العلاج الطبيعي، والطل البديل، والولادة.
  • في نظام الرعاية الجديد يجب أن تتحول المستشفيات إلى مؤسسات إنسانية أكثر فاعلية، وتتخلى عن طابعها التجاري لتكوين بيئات علاجية مريحة.
  • يجب أن يتحرر نظام الرعاية الصحية الجديد من الصناعات الدوائية، وأن يتعاون الأطباء والصيادلة في تحديد الأدوية الأساسية فقط.
  • سيتعامل الأطباء في هذا النظام على أنهم متخصصون يصفون الأدوية، ويجرون العمليات الجراحية في الحالات الطارئة فقط.

إن النموذج الطبي الذي ينشده كابرا  لا يرتكز على الأطباء في المقام الأول والأخير، بل سيكون للطبيب فيه دورا  هامشيا ومحدودا، وفي ظل الحالات الطارئة فقط. كذلك يدعو كابرا إلى ابتكار طرق جديدة للعلاج ترتكز على الطب البديل: العلاج بالأعشاب، والمساج، والإبر الصينية، وتبتعد في الوقت نفسه عن الطرق التقليدية القائمة على استخدام الأدوية والعقاقير.

لكن سيغدو تحقيق النظام الجديد مستحيلا في حالة استمرار النظام الاقتصادي الحالي، فهل سيسمح مالكو شركات الأدوية وأصحاب المستشفيات الخاصة بتخفيض مكاسبهم وأرباحهم؟

يجيب كابرا عن هذا السؤال بالنفي، إذ يرى أن الهدف الأساسي للنظام الرأسمالي هو تحقيق القدر الأكبر من الفوائد والأرباح، فهذا النظام لا يعبأ بالمرضى وآلامهم، فشغله الشاغل هو زيادة رؤوس المال، فالمرضى داخل هذا النظام هم مجرد مستهلكين لسلع طبية محددة، ويجب استغلالهم إلى أقصى حد. وقد كشف كابرا عن هذا الطابع التجاري والاستغلالي للنظام الطبي في ظل المجتمعات الرأسمالية المعاصرة  قائلا: “إن هدف صناعة الصحة هو تحويل الرعاية الصحية إلى سلعة تباع للمستهلكين وفقا لقواعد السوق الحرة” ([106]). وسوف نضع أيدينا فيما يلي على نقد كابرا للنظام الرأسمالي وممارساته غير الإنسانية، وغير الأخلاقية ليست في المجال الطبي فحسب، بل في شتى المجالات.

3- الرأسمالية والرؤية الآلية للطبيعة والإنسان:

تقوم الرأسمالية في جوهرها على إعلاء قيم الإنتاج والاستهلاك وتحقيق أرباح وفوائد الحد الأقصى، كما تقوم أيضا على تشجيع المنافسة الحرة بين المنتجين، وهو ما ترتب عليه سيادة مبدأ البقاء للأقوى اقتصاديا، وإقصاء غير القادرين خارج دائرة المنافسة، وقد أدى ذلك إلى حرمان الفقراء من المزايا الاقتصادية.

لذا تعرضت الرأسمالية في القرنين: التاسع عشر، والعشرين لأعتى وجوه النقد، ولعل أهمها هو النقد الماركسي. ويبرز نقد ماركس للرأسمالية جانبين مهمين: أثرها في علاقة البشر ببعضهم البعض، وأثرها في علاقة البشر بالطبيعة. وفي كلتا الحالتين توسم الرأسمالية، بالأنانية، والجشع، ومجافاة النوازع الأخلاقية. وقد كشف ماركس عن هذا الطابع غير الأخلاقي الكامن في ممارسات الرأسمالية حينما قال: “أوجد المجتمع البرجوازي الحديث (…) ظروفا جديدة للاضطهاد” ([107]).

وإذا ما حاولنا وضع أيدينا على ملامح نقد كابرا للرأسمالية، سنجده لا يخرج عن النقد الماركسي لها. فرغم الاختلاف والتباين الشديدين بين كابرا وماركس، حيث أن الأول صاحب نزعة روحية، بينما يعد الثاني مناصرا للنزعة للمادية، إلا أن الاثنين يقتربان في موقفهما النقدي من عدم أخلاقية النظام الرأسمالي، لا أخلاقية الرأسمالية هي ما يؤكدها كابرا أيضا عندما يقول: “فاقمت الرأسمالية الفقر، والظلم، والإقصاء الاجتماعي، عندما استثنت من مجال اهتمامها كل السكان والمقاطعات التي لا تمثل قيمة أو مصلحة مالية لها” ([108]).

وقبل أن نستفيض في توضيح نقد كابرا للنظام الرأسمالي، ومخاطره الاجتماعية، والسياسية، والإيكولوجية، نريد أن نوضح أن ثمة فرق آخر بين كابرا وماركس، وهو أنه إذا كان العامل الاقتصادي، بالنسبة لماركس، هو العامل الحاسم في تطور رأسمالية القرن التاسع عشر، فإن فلسفة وفيزياء القرن السابع عشر هما اللذان مهدا السبيل لتطور الرأسمالية من وجهة نظر كابرا. وكعادته دائما يحاول كابرا إيجاد أواصر قربى بين الأزمات والتحديات الراهنة وبين فلسفة ديكارت وفيزياء نيوتن، ويحملهما مسئولية كل شرور وآثام الرأسمالية المعاصرة، يقول كابرا في هذا الصدد: “إن إخفاق علماء الاقتصاد في فهم ومقاربة الوقائع الاقتصادية الحالية يعود إلى انبهارهم بالنموذج الديكارتي والنيوتوني في الدقة والموضوعية” ([109]).

نقول نعم، هناك فلاسفة كثيرون يُحملون ديكارت مسئولية استغلال الطبيعة واستنزاف مواردها من قبل النظام الرأسمالي، وهناك بالفعل العديد من النصوص والشواهد التي تبرر إلقاء اللوم عليه. إذ يدعو ديكارت في كتابه مقال عن المنهج لأن نستبدل بالفلسفة التأملية فلسفة عملية تمكننا من تسخير الطبيعة واستغلالها لتحقيق رفاهية البشر، يقول ديكارت: “بدلا من الفلسفة النظرية التي تُعلم في المدارس، فإنه يمكن أن نجد عوضا عنها فلسفة عملية (…) وبذلك نستطيع أن نجعل أنفسنا سادة ومسخرين للطبيعة” ([110]). نفهم من هذا النص أنه لن يُكتب للبشر السيادة والرفاهية إلا بالإخضاع القهرى والقسري لعالم الطبيعة، وهو ما كان ليحدث أبدا إلا بفضل تطور الاقتصاد الصناعي الرأسمالي.

فمع ديكارت، لم تعد العلاقة بين الإنسان والطبيعة قائمة على الترابط والحميمية كما كانت من قبل، بل أصبحت أشبه بعلاقة حربية يحاول طرف أسر، واستعمار، وإبادة،  الطرف الآخر لتحقيق مصالحه. هذه النظرة التدميرية هي ما أعتبرها الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير Michel Serres عصب الفلسفة الديكارتية عندما قال: “غذت الفلسفة الديكارتية عالم السيادة وجعلتنا نتمسك بهزيمة العالم (…) فأصبحت علاقاتنا بعالم الموضوعات هي الحرب والملكية” ([111]). إعلان حالة الحرب على الطبيعة واستعمارها، من وجهة نظر سير، تمت بفضل التقدم التكنولوجي الرأسمالي، وهو ما يعني أن ثمة علاقة بين فكرة هزيمة الطبيعة التي دعا إليها ديكارت، وبين التقدم الرأسمالي.

أما كابرا، فهو وإن كانت تغيب عن نصوصه الشواهد التي تؤكد وجود صلة مباشرة بين فلسفة ديكارت والاقتصاد الرأسمالي، إلا أنه يرى أن ثمة أوجه للتشابه بينهما، فجوهر الفلسفة الديكارتية، لديه، موسوم باستغلال الطبيعة والسيطرة عليها لتحقيق رفاهية البشر، وهو أيضا توجه الرأسمالية نفسه حيث تستنزف موارد الطبيعة، ليس لتحقيق رفاهية البشر لكن لزيادة أرباح أصحاب رؤوس الأموال فقط. كذلك فإن تعامل ديكارت الكمي مع الطبيعة بمصطلحات القابلية للعد، والقسمة، والتجزئة، والقياس قد انتقل إلى الاقتصاد الرأسمالي الحديث الذي لا يعترف في تعاملاته الاقتصادية إلا بهذه المصطلحات الكمية، وقد أبرز كابرا فضل هذه الأفكار الديكارتية على الاقتصاد الرأسمالي قائلا: “يدين الاقتصاد الحديث بالفضل الكبير لديكارت، إذ يتأسس المنهج الاقتصادي الحديث أيضا على الأعداد والأوزان والمقاييس” ([112]).

كذلك يرى كابرا أن هناك تشابها بين فيزياء نيوتن والاقتصاد الرأسمالي، فمصطلحات نيوتن الكلاسيكية قد تبناها علم الاقتصاد الحديث، فالحركة، والسكون، وسقوط الأجسام لدى نيوتن تناظر قوانين العرض والطلب، ودوران رؤوس الأموال في علم الاقتصاد الحديث، وقد وضح كابرا هذا عندما قال: “تتلاءم قوانين العرض والطلب مع رياضيات نيوتن” ([113]).

هناك مقاربة أخرى بين فلسفة ديكارت والاقتصاد الرأسمالي الحديث، وهي أن الثنائية الديكارتية عندما أقامت انقساما حادا بين مملكتي: العقل والمادة، سلبت من عالم المادة ( الطبيعة ) كل قيمة، إلا قيمتي المنفعة والاستخدام، فالقيمة الوحيدة للطبيعة تكمن في انتفاع البشر بها، ودون ذلك ليس لها أي قيمة في حد ذاتها. لكن تكمن خطورة هذه النظرة عندما ننتقل بها من مجال الميتافيزيقا الديكارتية إلى مجال الممارسات الاقتصادية العينية، إذ أصبحت الغاية الأساسية لعلم الاقتصاد الحديث هي البحث عن وسائل لزيادة الثروات والفوائد والأرباح، بغض النظر عن الخسائر الإيكولوجية التي تنتج من جراء تحقيق هذه الفوائد المادية.

إن الخطأ الأكبر لعلماء الاقتصاد المعاصرين، حسبما يرى كابرا، هو نزوعهم الاختزالي، الذي يفصل علم الاقتصاد عن باقي الفروع المعرفية الأخرى مثل: العلوم البيئية، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والعلوم السياسية …، لقد تناسوا أن الاقتصاد جزء من كل. لكن ترتب على هذا العديد من المشكلات الاجتماعية مثل: البطالة والتطرف، والعديد من المشكلات السياسية مثل: الحروب والاستعمار، والعديد من المشكلات الإيكولوجية مثل: نضوب المصادر الطبيعية، ومشكلات الطاقة، والتلوث. وقد أبرز كابرا المخاطر المترتبة على انعزال الاقتصاد عن باقي العلوم قائلا: “أخفق رجال الاقتصاد بسبب اتجاهاتهم المتشظية أن يدركوا أن الاقتصاد يمثل مشهدا واحدا من الكل الاجتماعي والإيكولوجي (…) إنهم لم يدمجوا الوقائع السياسية والاجتماعية ضمن نظرياتهم” ([114]).

إن الاقتصاد الرأسمالي، من وجهة نظر كابرا، يسعى إلى فرض سيطرته وهيمنته على سلوك البشر، وعلى توجهاتهم السياسية والاجتماعية والأخلاقية، ويمتد لأبعد من ذلك عندما يسعى لرسم السياسات الوطنية بما يحقق مصالح الرأسماليين، هذا التوصيف هو ما صادق عليه كابرا قائلا: “ترسم شركات البترول الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية خريطة الطاقة، وتسهم بقدر كبير في التأثير في العملية السياسية، إنها تخضع القرارات الحاسمة ليس لمصالح الدولة، بل لمصالحها الخاصة. فالشركات العملاقة لديها السلطة في تحديد سياسة الطاقة، وفي نظام مواصلاتنا، ونظام الرعاية الصحية، والعديد من الجوانب الأخرى في حياتنا” ([115]).

ولا يقف طغيان الرأسمالية واستبدادها الاقتصادي والسياسي عند المستوى المحلي فحسب، بل يمتد ليشمل المستوى الدولي أيضا، وهذا ما نجده في ممارسات الشركات متعددة الجنسيات، التي توغلت سلطاتها وصلاحياتها في العالم بأسره، ويصف لنا الدكتور فؤاد مرسي في كتابه الرأسمالية تجدد نفسها آلية عمل هذه الشركات بأنها آلية استغلالية واستعمارية، وخاصة في تعاملاتها مع الدول النامية، يقول مرسي: “في ظل التدويل المضطرد للعلاقات الاقتصادية تواجه البلدان النامية والمتخلفة ما يمكن أن يكون استعمارا جماعيا يمثل السيطرة الكامنة والفعلية لرأس المال المتخطي للقوميات” ([116]).

ويتشابه رأي كابرا مع مرسي في توصيفه الاستعماري لتوجهات الشركات متعددة الجنسيات إزاء تعاملاتها مع الدول النامية، فهو يرى أن الاستعمار الاقتصادي الذي تمارسه هذه الشركات لا يختلف في مضمونه عن الاستعمار العسكري، فكلاهما يهدف إلى تدمير، وإبادة، ونهب خيرات الدول والشعوب المستعمرة، ويصف كابرا هذا المضمون الاستعماري التدميري لهذه الشركات  قائلا: “تنهب الشركات متعددة الجنسيات المصادر الطبيعية في دول العالم الثالث، ويستخدمون تقنيات ملوثة ومدمرة، ويطرحون نماذج غير صحية للاستهلاك، تشمل بيع منتجات شديدة الخطورة ومحرمة قانونيا. إن احترام الطبيعة، والبشر، والحياة، ليس مهما بالنسبة لأصحاب هذه الشركات” ([117]).

كما يشير كابرا إلى بعد آخر لا يتعلق بعلاقة هذه الشركات بالدول النامية، بقدر ما يتعلق بتوغل سلطات هذه الشركات في الداخل، فيرى أن سلطات هذه الشركات تفوق بكثير سلطات الحكومات القائمة، إذ تتحكم في العملية التشريعية، وفي رسم السياسات الداخلية والخارجية للدولة على شتى المستويات، وفقا لمصالحها، إذ “تهدد الشركات متعددة الجنسيات السيادة القومية، والاستقرار المالي العالمي، إنها تحدد أيضا نظامنا التعليمي، واتجاه الأبحاث الأكاديمية” ([118]).

لكن ثمة سؤال يطرح نفسه وهو أنه إذا كانت هذه الشركات تقوم بكل هذه الممارسات الجائرة، فلماذا لا يقاطع البشر منتجاتها في محاولة منهم لتقليص سلطاتها شبه المطلقة؟ في الحقيقة، إن قدرة هذه الشركات على خلق مشكلات مزعومة للبشر عبر الدعاية والإعلان هو ما يضمن بقاءها واستمراريتها في تحقيق أهدافها، إنها قائمة في جوهرها على الزيف والخداع. ويكشف لنا كابرا عن الوشائج الخفية الكامنة وراء شعاراتها الرنانة، فشعار مثل الثورة الخضراء الذي تروج له الشركات الزراعية متعددة الجنسيات، وتؤكد من خلاله أنها تسعى إلى محو المجاعات العالمية عن طريق إحداث تقدم هائل في العلوم الزراعية، هو محض خرافة. إنهم في واقع الأمر يسعون إلى “التحكم في كل مراحل إنتاج الغذاء، والتلاعب بالأسعار عن طريق الممارسات الاحتكارية، لكن هذا سيجعل من المستحيل التخلص من الجوع والمجاعات” ([119]).

كذلك يفند فرانسيس مور لاب Frances Moore Lappe وجوزيف كولنز Joseph Collins في كتابهما أساطير الجوع العالمي ادعاءات هذه الشركات التي ترفع شعارات الثورة الخضراء، ويؤكد المؤلفان على أن فكرة الجوع العالمي هي أسطورة لا يمكن قبولها عقليا، فالوقائع والإحصائيات تكذب مثل هذه الادعاءات، لأنه لا يوجد بلد في العالم يعاني من الجوع، فالوفرة وليست الندرة هي ما تسود في مجال إمدادات الغذاء، وهذا ما يؤكدانه قائلين: “لا توجد دولة في العالم، حتى الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة، ليس لديها المصادر الضرورية لتحرير نفسها من الجوع” ([120]).

إن انتشار المجاعات في دول العالم الثالث ليس نتاجا للندرة، أو لقلة الموارد وزيادة عدد السكان، أو لعدم كفاية الطبيعة، أو لعدم فاعلية الطرق التقليدية في الزراعة، إنما هو نتاج لسيطرة الشركات الرأسمالية متعددة الجنسيات على خيرات ومقدرات هذه الدول، إنها نتاج للتفاوت الطبقي الهائل بين من يملكون ومن لا يملكون، ونتاج لسيطرة دول الشمال على دول الجنوب، والسعي لإفقارها وتجويعها عمدا حتى ترضخ لسياساتها. باختصار، نتاج لغياب العدالة بكافة أشكالها على المستوى الدولي. ويصادق كابرا على هذا قائلا: “يجوع البشر لأن وسائل إنتاج الغذاء وتوزيعه يتم التحكم فيها بواسطة الأغنياء وأصحاب النفوذ. إن الجوع العالمي مشكلة سياسية في الأساس” ([121]).المعنى نفسه هو ما يؤكده في موضع آخر قائلا: “يمكن التغلب على المجاعات العالمية بتغيير العلاقات الاجتماعية، بطريقة تقلل اللا مساواة إلى حدها الأدنى (…) فعندما تسود العدالة سيكون بإمكان الجائعين أكل ما يتم إنتاجه” ([122]).

ولا تقف مخاطر الرأسمالية عند غياب العدالة الاجتماعية دوليا، بل إن الرأسمالية باتت تهدد بنهاية كل حياة على كوكب الأرض. هذا التعارض بين الرأسمالية واستمرارية الحياة على الكوكب هو ما بلوره جويل كوفيل Joel Kovel في كتابه المعنون بـــ عدو الطبيعة: إما نهاية الرأسمالية أو نهاية العالم؟ إذ يرى أن الرأسمالية تؤذن بأفول العالم، وعلينا المفاضلة والاختيار” فإما الرأسمالية أو مستقبل الحياة ؟” ([123]).

ويعرض كابرا لأهم أزمات الرأسمالية التي تهدد بفناء الحياة على كوكب الأرض، وتأتي مشكلة الطاقة النووية في مقدمة هذه الأزمات. فمن الشائع أن الحاجة الماسة للبحث عن مصادر بديلة للطاقة قد ظهرت بسبب استنزاف الرأسمالية المفرط لمصادر الطاقة، فنضوب مصادر الطاقة معناه أفول الرأسمالية ونهايتها، ولهذا دعت الدول الرأسمالية الكبرى إلى استخدام الطاقة النووية كبديل لمصادر الطاقة التقليدية، وروجت لفكرة أنها مصدر آمن ونظيف ورخيص. لكن يكشف كابرا عن زيف هذا الادعاء، مؤكدا أن الطاقة النووية ليست مصدرا آمنا، ولا نظيفا، ولا رخيصا.

فمن حيث الأمان، فهي تقترن دائما بتطوير المفاعلات النووية التي يعد وجودها مصدرا دائما للتهديد، وجميعنا يتذكر حادثة التسرب الإشعاعي لمفاعل تشيرنوبل الذي طال أجزاءً كبيرة من أوروبا، وكاد أن يحدث الكثير من الكوارث. كذلك لا يمكن فصل الطاقة النووية عن تطوير الأسلحة النووية التي تهدد بالإبادة الشاملة لكل حياة على ظهر الكوكب، وهذا هو الغرض الحقيقي وراء تطوير الطاقة النووية، والذي يفصح عنه كابرا قائلا: “إن الطاقة النووية والأسلحة النووية مرتبطان إلى حد كبير، وبسببهما تتزايد احتمالات الفناء العالمي” ([124]). وهكذا يتبدد الادعاء المزعوم لفكرة آمان وسلمية استخدام الطاقة النووية.

ولا ينتهي الأمر مع كابرا عند نفي عنصر الأمان عن الطاقة النووية، بل ينفي أيضا فكرة أنها طاقة نظيفة وغير ملوثة، فالتلوث الناتج عن استخدامها محفوف بمخاطر أكبر، تهدد حياة الإنسان والكائنات الحية الأخرى، فمع” تسرب الآلاف الأطنان من عناصر الراديوم المشع إلى البيئة، وتراكمها في الهواء الذي نتنفسه، وفي الطعام الذي نأكله، والماء الذي نشربه، تزداد مخاطر الإصابة بالأمراض السرطانية المميتة” ([125]).

ورغم هذه المحاذير من استخدام الطاقة النووية، إلا أن هناك أنصارا كثيرين لاستخدامها، إذ يرى فريد ب. بوسيلمان Fred P. Bosselman إن الطاقة النووية أكثر نظافة من الطاقة الناتجة عن استخدام الوقود الحفري، وبالتالي، فهي أقل من حيث التلوث، ومن حيث التهديد للبيئة الطبيعية، وهذا ما يصرح به في مقالته المعنونة بالمزايا الإيكولوجية للطاقة النووية إذ يقول: “من وجهة النظر الإيكولوجية، تعد الطاقة النووية أفضل بكثير من الفحم” ([126]).

لكن يتصدى كابرا لهذه الآراء، ويؤكد، في المقابل، على استحالة الوقاية من التلوث الإشعاعي الناتج عن استخدام الطاقة النووية، فآثار الملوثات النووية تبقى لمئات الآلاف من السنين، وتستمر على المدى البعيد “فالبلاتنيوم الذي يُعد أحد أخطر المنتجات الثانوية للإشعاع النووي يبقى ساما لخمسمائة ألف سنة (…) فالحيوان الملوث عندما يموت تأكله الحيوانات الأخرى، أو يتحلل ويتطاير ويتبعثر غباره بواسطة الرياح (…) ولا يمكن أن توجد تكنولوجيا لصنع حاويات آمنة لهذا الامتداد الزمني الهائل” ([127]).

بجانب المخاطر السابقة التي أشرنا إليها، يضيف كابرا فكرة التكاليف الباهظة لإنتاج الطاقة النووية، فهي ليست اقتصادية وموفرة كما يدعي البعض، لأن “تشييد وصيانة المفاعلات النووية ذو تكلفة مرتفعة جدا” ([128]). وهكذا، بعد أن فند كابرا الادعاءات الخاصة بفكرة أن الطاقة النووية آمنة ونظيفة ورخيصة، نجده ينتهي إلى رأي حاسم لا لبس فيه وهو أن الرأسمالية على استعداد للتضحية بالبشر من أجل تحقيق مكاسبها الخاصة، فاستخدام الطاقة النووية لن يؤد إلى تحقيق الرفاهية، ولا لتحقيق السلم بين الشعوب، بقدر ما يؤدي إلى المزيد من السيطرة والهيمنة الرأسمالية على الدول والشعوب.

ويضيف التقدم التقني فصلا جديدا لفصول أزمات الرأسمالية، ويمكننا رصد مخاطر التقنية على مستويين: الطبيعة والإنسان. أما فيما يتعلق بخطورتها على الطبيعة، فهناك شبه إجماع على أن التقدم التقني هو السبب الرئيس في إهدار واستنزاف موارد الطبيعة، وإزعاج أنظمتها، فلولا هذا التقدم لما تمكن الإنسان من السيطرة على الطبيعة بالقدر الذي وصل معه إلى تهديد بقائها، وهذا ما أشار إليه مجموعة من الباحثين عندما قالوا: “زادت التكنولوجيا من وتيرة استغلال الإنسان للموارد الطبيعية بصورة مذهلة خلال القرون الأخيرة، حتى بلغت ذروتها في القرن العشرين، فأفسدت قدرتها على التجديد التلقائي، وأخلت بالتوازن الطبيعي للحياة” ([129]).

ولا يختلف رأي كابرا عن رأي هؤلاء الباحثين كثيرا، إذ نجده يتفق معهم في خطورة تعدي التقنية على الطبيعة، لكنه يضيف عليهم بعدا آخرا، وهو أن هذه الخطورة لا تؤذن بأفول الطبيعة فحسب، بل بأفول الإنسان أيضا. فطالما أن الإنسان هو جزء من الطبيعة، فما يسري على الطبيعة يسري عليه، إنهما أصحاب مصير مشترك، فبقاؤه مقترن ببقائها. وفي هذا الصدد يحذرنا كابرا من التمادي في استخدام هذه التقنيات لأنها “مقلقة ومدمرة للأنظمة الإيكولوجية التي يعتمد عليها بقاؤنا” ([130]). يلفت كابرا انتباهنا إلى أن تطاول التقنية على الطبيعة، هو تطاول على حق الإنسان في الوجود، وتطاول على حقوق الأجيال المقبلة، وعلى شروط وجودها وبقائها المستقبلي.

لم تؤد التقنية إلى القلق المتعلق بمصير الوجود البشري ومستقبله فحسب، بل أدت أيضا إلى العديد من الأزمات الاجتماعية والسياسية والنفسية. ولقد نبهنا ماركس منذ القرن التاسع عشر إلى خطورة التقنية على الإنسان، عندما رأى فيها وسيلة من وسائل السيطرة والهيمنة، ووسيلة لتعزيز التفاوت الطبقي، وتعميق الشعور باغتراب الإنسان عن ذاته وعمله والآخرين. وفي القرن العشرين سار فلاسفة مدرسة فرانكفورت على النهج الماركسي، وكشف ماركوزه في كتابه الإنسان ذو البعد الواحد عن طابع التقنية اللاعقلاني، ودورها في زيادة تزييف وعي الإنسان المعاصر، وزيادة اغترابه، لذا وصفها قائلا: “إنها الناقل الأكبر للتشيؤ” ([131]).

يسير كابرا على الدرب الماركسي فهو يرى، مثله مثل ماركس والماركسيين، أن التقدم التقني في ظل المجتمعات الرأسمالية المعاصرة يقوم على تزييف الوعي والتلاعب بالعقول، لتحقيق المزيد من السيطرة والهيمنة، ويبرز كابرا سمات التقنية المعاصرة قائلا: “إنها مبنية على التلاعب، والتحكم، وتأكيد الذات، والتوجه نحو المركزية، إنها غير اجتماعية وغير إنسانية” ([132]). لا يجب أن نفهم من هذا النص أن كابرا يدين التقنية في حد ذاتها، فهي تتسم، من وجهة نظره، بأنها محايدة، ومخاطرها تنبع من إساءة استخدامها في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة. وبهذا يتشابه كابرا مع ماركس والماركسيين الذين نادوا بضرورة تغيير البنية الاقتصادية والسياسية المعاصرة حتى تصير التقنية في خدمة الإنسان وليست وسيلة للسيطرة عليه. وسنرى كيف أن كابرا يريد أن يستبدل بالتقنية الرأسمالية المعاصرة تقنية أخرى يطلق عليها التقنية الناعمة soft technology، ويتحدد هدفها في عدم تكريس التفاوت الطبقي، وإعادة المصالحة بين الإنسان والطبيعة من جهة، والإنسان والإنسان من جهة أخرى.

على أية حال، لاحظنا فيما سبق اقترابا بين أفكار كابرا وتصورات ماركس، وخاصة فيما يتعلق بموقفهما النقدي من التقنية، والسؤال الآن: هل يريد كابرا أن يستبدل بالنظام الرأسمالي النظام الاشتراكي؟ وهل يرى كابرا في الاشتراكية حلا أمثل يمكننا من تجاوز أزمات الرأسمالية؟ أم أن رؤيته مغايرة للنظامين الرأسمالي والاشتراكي؟

للإجابة عن هذا السؤال، نجد كابرا يفرق في البداية بين فلسفة ماركس وبين تطبيقاتها في الدول الاشتراكية، فهو يحتفي بنزوع ماركس الإنساني، ودقة تحليلاته الاقتصادية وموضوعيتها. كذلك يتميز ماركس، من وجهة نظر كابرا، بفكره الموسوعي، ونظرته الشاملة والكلية للتاريخ والمجتمع والحضارة، ومما يزيد من إعجاب كابرا به هو موقفه من الطبيعة، فهو يرى أن الطبيعة تحتل مكانا مرموقا في فلسفة ماركس، هذه المكانة هي ما أبرزها كابرا قائلا: “اعترف ماركس بالدور الهام للمصادر الطبيعية (…) فرؤيته لدور الطبيعة في عملية الإنتاج كانت جزءا من تصوره العضوي” ([133]).

ويدلل كابرا على وجهة نظره هذه بالإستناد إلى العديد من نصوص ماركس التي يحذر فيها من التمادي في استنزاف المصادر الطبيعية، لخطورة ذلك على توازن الطبيعة وخصوبة التربة، إذ يقول ماركس في كتابه رأس المال: “إن كل تقدم في الزراعة الرأسمالية لا يعتبر مجرد تقدم في نهب العامل وحسب، بل وفي نهب التربة أيضا. وكل تقدم في زيادة خصوبتها لأمد معين هو في الوقت نفسه تقدم في تدمير المصادر الدائمة لهذه الخصوبة” ([134]). ويشير في نص آخر إلى أن الطبيعة هي مصدر الحياة الآمنة وغير المغتربة، فيقول: “إن العامل لا يستطيع أن يخلق شيئا دون الطبيعة، إنها المادة التي يتحقق فيها عمله، التي يمارس فيها عمله، التي ينتج منها وبواسطتها” ([135]). إن ما يريد أن يقوله كابرا هو أن رؤية ماركس للطبيعة تقترب من الرؤية الإيكولوجية لها، فهي الأم التي تتوقف عليها حياتنا وبقاؤنا، والتي يجب أن نكف عن استغلالها وتدميرها لأنها المصدر والأساس للوجود الإنساني.

هذا التقارب بين رؤية ماركس للطبيعة وبين التصورات الإيكولوجية هو ما يؤكده أيضا جون بلامي John Bellamy في كتابه الإيكولوجيا عند ماركس، فهو يرى أن ماركس كان يتمتع بوعي إيكولوجي عميق في العديد من كتاباته، وقد وصف بلامي هذا الوعي قائلا: “لم تكن بصيرة ماركس الإيكولوجية مجرد ومضة عابرة، بل كانت نتاجا لفهم نسقي وفلسفي عميق للتصور المادي للطبيعة” ([136]). ويتجلى هذا الوعي، من وجهة نظر بلامي، في تحليل ماركس لمفهومي الاغتراب والنزعة المادية. فاغتراب العامل عن عمله يعود في الأساس إلى اغترابه عن الطبيعة، وهو ما يفسره بلامي، بأن الاغتراب عن الطبيعة، بالنسبة ماركس، هو الأصل في كل اغتراب. أما نزعة ماركس المادية فيفسرها بلامي بأنها تعني أن كل شيء مرتبط بكل شيء آخر، وأن الطبيعة تعرف أفضل، وأنه لا شيء يأتي من العدم. وبالتالي فالطبيعة المادية هي مصدر كل حياة.

لكن تقف في وجه هذه القراءة الإيكولوجية لماركس العديد من القراءات الأخرى التي ترى أن ماركس ضد الإيكولوجيا، وأنه من أنصار مركزية الذات الإنسانية، والدعوة إلى السيطرة على الطبيعة من أجل تحقيق رفاهية الطبقة العاملة، وهذا ما يؤكده موراى بوكشين Murray Bookchin عندما يقول: “إن الطبيعة في النظريات الاشتراكية هي مجرد موضوع لصالح البشر، ومادة خاصة للانتفاع، وكفت عن أن تكون أهلا للاعتراف بها كقوة في حد ذاتها” ([137]). لا يفصل بوكشين هنا بين ماركس والاشتراكية، معتبرا أن الاشتراكية هي التطبيق الفعلي للنظرية الماركسية، فتوصل إلى أن نظرة ماركس للطبيعة لا تختلف عن النظرة الرأسمالية لها. وبالتالي، فإن الطبيعة وفقا للنظرتين، موضوعو للسيطرة والاستغلال لتحقيق رفاهية طبقة بعينها على حساب الطبقات الأخرى.

وفي الحقيقة، عندما نتأمل كتابات ماركس في هذا الخصوص، نجده لا ينظر إلى الطبيعة بوصفها كيانا مستقلا، بل نظر إليها من خلال علاقتها بالإنسان، وبالأحرى من خلال تفاعل الإنسان معها عن طريق العمل. فالطبيعة تستمد قيمتها من عمل الإنسان فيها، وحول هذا التصور تدور كل فلسفة ماركس عن البراكسس الذي يشير إلى أثر الفاعلية الإنسانية في الطبيعة. ويسلب ماركس من الطبيعة أي قيمة خاصة بها بعيدا عن فاعلية الإنسان، إذ يقول: “إن الطبيعة إذا ما أُخذت بشكل مجرد، إذا ما أُخذت لذاتها(…) ليست شيئا بالنسبة إلى الإنسان” ([138]).

كذلك فإن النصوص التي يستند إليها كابرا وبلامي عن الطبيعة لا تعزو لها أي قيمة في حد ذاتها، ولا تحذر من التمادي في استغلالها لخطورة ذلك عليها وعلى الكائنات الحية غير الإنسانية، بل إن تحليلات ماركس الاقتصادية لتعامل الرأسماليين مع الأرض الزراعية، وتحليله لفكرة الريع في مخطوطات 1844، وفي كتاب رأس المال، ترتكز كلها على مجانية المصادر الطبيعية التي لا تكلف صاحب رأس المال شيئا، في حين أنها تزيد من ثروته دون عمل “فالموارد الطبيعية المُستغلة استغلالا إنتاجيا، والتي لا تؤلف عنصرا من قيمة رأس المال ـــــ كالأرض والبحر وخامات المعادن والغابات … ــــــ يمكن أن تُستغل بسعة أكبر (…) دون زيادة رأس المال النقدي” ([139]).

ومن وجهة نظرنا، إن عدم اهتمام ماركس بالشأن الإيكولوجي لا يقلل من قيمة إسهاماته العظمى في شتى المجالات الأخرى، فربما لا يعود اهتمامه بالإيكولوجيا في القرن التاسع عشر إلى عدم وجود تحديات بيئية تزعج وتهدد الوجود البشري والموجودات الأخرى كما هو الحال في عصرنا الراهن، لقد كانت الثورة الصناعية في مهدها، ولم تصل السيطرة على الطبيعة وتهديدها آنذاك إلى وضع مشابه لما نحن عليه الآن. لقد كان هم ماركس هو تحرير الطبقات العاملة من نير الهيمنة الرأسمالية، وحول هذه القضية تدور كل كتاباته.

على أية حال، إن رؤية كابرا لوجود إرهاصات إيكولوجية في فلسفة ماركس لا يعني أنه يرى في فلسفته أو في الاشتراكية حلا يمكننا من تجاوز مخاطر وشرور الرأسمالية المعاصرة، فوجود تشابهات بينهما لا يلغي وجود اختلافات جوهرية تجعل من الصعب على كابرا تبني الاشتراكية.

ولعل أبرز هذه الاختلافات بينهما تتركز حول الدور الذي يشغله العنف في فلسفة ماركس، فمن المعروف أن ماركس يرى في العنف وسيلة للحراك والتقدم الاجتماعي، فالانتقال من المجتمعات الطبقية إلى المجتمعات غير الطبقية لن يحدث إلا بفضل الصراع الطبقي الثوري، الذي تطيح فيه البروليتاريا بالبرجوازية، وقد شبه ماركس الثورات العنيفة بالمحركات التي تجر التاريخ وراءها، فهي التي تصنع هذا التاريخ وتحركه، يقول ماركس: “الثورات هي قاطرات التاريخ” ([140]).

العنف والصراع، إذن، فكرتان حاكمتان في فلسفة ماركس، لكن يرفض كابرا هذه الأسس العنيفة كشرط قبلي لحدوث التغيرات الاجتماعية، لما سيترتب على ذلك من مآسي إنسانية يوضحها كابرا قائلا: “ستكون المعاناة والتضحية هما الثمن الضروري الذي ينبغي أن يُدفع من أجل التغير الاجتماعي” ([141]).

ويرى كابرا أن فكرة العنف والصراع لا يمكن أن تفيدنا في حل المشكلات الإيكولوجية، لأننا إذا ما تابعنا ماركس في أن التحرر سيكون نتاجا للممارسات الإنسانية الثورية والعنيفة فقط، فإن الأنواع الأخرى غير الإنسانية لن تتحرر أبدا من سيطرة الإنسان عليها، لعدم قدرتها على ممارسة العنف الثوري ضده. وبالتالي، ستظل الأزمات الإيكولوجية، لأنه لن يكون للكائنات الحية الأخرى القدرة على المشاركة في إحداث تغيرات اجتماعية واقتصادية لتعديل الوضع الراهن، فطالما “أن الأنواع الأخرى مثل: النباتات والحيوانات لا يمكنها أن تقدم طاقة ثورية لتغيير المؤسسات الإنسانية، ستكون المعارف الإيكولوجية عديمة الجدوى” ([142]).

في الحقيقة لا يتطلب حدوث التغير عند كابرا قضاء طرف على الآخر، أو إقصاء طرف من الحياة الاجتماعية، كما هو الحال عند ماركس، بل يتطلب تغيير منظومتي القيم الأخلاقية والثقافية، ويتطلب تغييرا جوهريا في رؤية الإنسان للإنسان، وفي رؤيته للعالم والطبيعة. باختصار، تغييرا في الوعي الإنساني نفسه بالظروف الكونية الجديدة، فما “نحتاجه هو  الانتقال من المنافسة إلى التعاون، ومن تأكيد الذات إلى التكامل، ومن التوسع والامتداد إلى المحافظة، من السيطرة إلى المشاركة” ([143]).

إن انحياز كابرا لرؤية ماركس للطبيعة، لم تجعله يرى فروقا جوهرية بين الأنظمة الاشتراكية والرأسمالية، إذ تخلو نظرة النظامين من تقدير حقيقي للطبيعة. فهي، وفقا للنظامين مستودع مطروح للاستهلاك الإنساني، وليس لها أي قيمة مستقلة خاصة بها. بالإضافة إلى هذا، فإن المنافسة بين هذين النظامين جعلتهما يتباريان في توسعهما في المشاريع التنموية، وفي تطوير خطط التصنيع والتطور التكنولوجي بما يحقق رفاهية شعوبهما، فالتحرر من الندرة، وتشجيع إنتاج واستهلاك الحد الأقصى أصبح قاسما مشتركا بين النظامين، و يتم كل هذا على حساب تدمير الطبيعة. وفي هذا الصدد يقول كابرا: “لم تعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي مختلفين، فكلاهما يخضع للتنمية الاقتصادية، والتكنولوجيا المتقدمة“([144]).

لكن في ظل  تمادي النظامين: الرأسمالي والاشتراكي في التوسع في المشاريع التنموية، وإخفاقهما في تقديم حلول ناجعة للخروج من الأزمات الراهنة يصبح سؤال ما العمل؟ سؤالا ملحا.

في الحقيقة قدم الكثير من الفلاسفة العديد من الحلول، إذ نجد هانز يوناس، على سبيل المثال، يطالب بفرض ديكتاتورية إيكولوجية  تطيح بالحريات الفردية من أجل حماية البيئة الطبيعية والحفاظ عليها ” فالطغيان أفضل من الانقراض ” ([145]).

إن الحلول التي يطرحها بعض الفلاسفة أمثال: يوناس تستعصي على التطبيق في القرن العشرين: قرن الحرية، كما أنها تتسم، من وجهة نظرنا، باللامعقولية، فلن يضحي البشر بحريتهم ويخضعون لنير الاستبداد السياسي مرة أخرى من أجل الحفاظ على البيئة. إن الحلول الموضوعية الحقيقية هي التي تحقق شكلا من أشكال التوازن بين المتطلبات المختلفة، ولا تقوم بالتضحية بطرف على حساب الطرف الأخر.

وهنا تأتي أهمية الأطروحات التي يقدمها لنا كابرا، ولعل أهم ما تتميز به هذه الأطروحات هي قابليتها للتطبيق، فهو لم يقدم لنا تأملات فلسفية مجردة مبتورة الصلة بالواقع، بل قدم وصفة علاجية تتمتع بقدرتها الشفائية الكبرى، إذا ما تبنتها السلطات التنفيذية. كذلك فهو، على العكس من كثيرين، لا يضحي بالمصالح والاهتمامات الإنسانية، ولا يطالبنا بالتخلي عن التكنولوجيا، والعودة إلى مجتمعات ما قبل التكنولوجيا، بل إنه يطالب بترشيد الاحتياجات والمصالح الإنسانية لتحقيق التوازن والانسجام بين الإنسان وعالمه، بغية استمرار الحياة على كوكب الأرض.

وتتطلب أول الحلول التي يطرحها كابرا تغيرا جوهريا في البني والمصطلحات الأساسية للنظريات الاقتصادية سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية. إن النظريات الاقتصادية التي ينشدها كابرا ينبغي أن تضع في اعتبارها الأبعاد الإيكولوجية والاجتماعية المترتبة على تكوين الثروات، وينبغي أن تدرك أيضا أن كل تقدم في تحقيق الثروات المادية على حساب البيئة الطبيعية لهو خطر ينذر بحدوث كوارث إنسانية في المقام الأول. ويطرح كابرا مقاربة جديدة في الاقتصاد يطلق عليها مصطلح المقاربة النسقية للاقتصاد، ويتحدد هدفها في” أنها سوف تجعل في الإمكان إدخال قدر من النظام على فوضى المصطلحات الموجودة، وذلك عندما يتم السماح لعلماء الاقتصاد أن يصيغوا نظرياتهم داخل السياق الإيكولوجي. ووفقا للرؤية النسقية يُعتبر الاقتصاد نظاما حيا مكونا من الموجودات البشرية، والتنظيمات الاجتماعية، وهما في حالة تفاعل مستمر مع بعضهما ومع الأنظمة الإيكولوجية ” ([146]).

ويرى كابرا أن تبني رجال الاقتصاد لهذه الأفكار، سيؤدي إلى الحد من استنزاف الموارد الطبيعة، والبحث عن موارد بديلة بما لا يكلف البيئة الطبيعة أعباءً إضافية. هذه الضرورة المُلحة لتغيير الفكر والممارسة الاقتصاديين هي ما عبر عنها كابرا قائلا:” إن إعادة رسم الخريطة الاقتصادية ليس مجرد ترف عقلي، لكنه سوف يتضمن تغيرات عميقة في نسق القيم، إذ ينبغي أن نتجاوز الدلالة المادية لمصطلح الثروة، ونضفي عليها المعنى الأعمق للثراء الإنساني ” ([147]). إن ما يشدد عليه كابرا في هذا النص هو أن نستبدل بالنموذج الاقتصادي السائد نموذجا آخرا تُدمج فيه القيم الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية داخل المنظومة الاقتصادية.

فالاقتصاد، من وجهة نظر كابرا، ليس علما محايدا متحررا من القيم الأخلاقية، فطالما أنه مرتبط بحياة الإنسان الاجتماعية، والسياسية، والإيكولوجية، ويؤثر فيها، فلا يمكن أن يخلو من القيم، وينبغي أن تكون الأخيرة هي الضابط الذي يحد من اندفاعه وتهوره وممارساته غير الإنسانية. ربط الاقتصاد بالقيم الأخلاقية هو ما امتدحه كابرا في العصور الوسطى كثيرا، وتمنى وجوده في العصر الحديث قائلا:” لم تنعزل الظواهر الاقتصادية في العصور الوسطى وحتى القرن السادس عشر عن باقي مظاهر الحياة. حيث سيادة القيود الأخلاقية ضد إقراض النقود لتحقيق الأرباح، والقناعة بأن المكاسب الشخصية والادخار لا يجب تشجيعهما، وأن العمل يجب أن يكون لتحقيق قيم الاستعمال، وتحقيق الوجود الروحي الحسن ” ([148]). إن خضوع الاقتصاد للمقولات اللاهوتية في العصور الوسطى قد أضفى عليه بعدا أخلاقيا مصبوغا بصبغة دينية، وهو ما جعل الأنشطة الاقتصادية وسيلة لبلوغ غاية محددة وهي إشباع الاحتياجات الضرورية للإنسان، فضلا عن بلوغ الغاية القصوى المتمثلة في بلوغ الخلاص، فلم يكن يُنظر للثروات الاقتصادية آنذاك على أنها غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق غايات إنسانية ودينية أبعد. وهي الغاية نفسها التي يريدها كابرا، في عصرنا الراهن، إذ يريد أن يكون الاقتصاد في خدمة الاحتياجات الإنسانية، وليس العكس.

لكننا لا ينبغي أن نفهم من إعجاب كابرا بالنموذج الاقتصادي الذي كان سائدا في العصر الوسيط أنه يدعو إلى ربط الاقتصاد بالمقولات اللاهوتية والدينية المسيحية مرة أخرى. لا، في الحقيقة لا نجد في أي من كتاباته دعوة لإحياء هذه التصورات، إذ أعلن منذ البداية تخليه عن المسيحية لصالح التصوف الشرقي، الذي لا يعبأ إلا بتحقيق أفضل حال للوجود الإنساني، حيث ” يتأسس النظام البوذي في الاقتصاد على فكرة الحياة الصالحة، والإعلاء من الوجود الإنساني الحسن” ([149]). إن ما يريده كابرا هو اقتصاد إنساني، يكون الاقتصاد خادما للإنسان واحتياجاته الضرورية والحقيقية، ووسيلة لبلوغ الوجود الإنساني الحر غير المغترب.

ضرورة المزاوجة بين الاقتصاد والأخلاق هي ما جعلت كابرا يدعو إلى إعادة مراجعة العديد من المصطلحات الاقتصادية الشائعة مطالبا بإضفاء طابع أخلاقي عليها، فمصطلحات مثل الكفاءة، والإنتاجية، والفائدة ينبغي أن تتحرر من مضمونها المادي الخالص، وتضع في اعتبارها الأبعاد الاجتماعية والإيكولوجية، يقول كابرا في هذا الصدد:” ماذا يقصد رجال الاقتصاد عندما يتحدثون عن الكفاءة؟ هل يقصدون الكفاءة على مستوى الأفراد أم على مستوى الشركات أم على المستوى الاجتماعي أم على المستوى الإيكولوجي؟ (…) كذلك فهم يقصدون بمصطلح الإنتاجية إنتاج العامل في ساعة العمل، ولكي تزداد هذه الإنتاجية يدعو رجال الاقتصاد إلى زيادة آلية عملية الإنتاج، لكنهم عندما يفعلون ذلك تزداد نسبة البطالة. كذلك فهم يقصدون بمصطلح الفائدة تحقيق الأرباح الخاصة، لكن تتراكم الفوائد الآن على حساب الاستغلال البيئي والاجتماعي ” ([150]). ما يريد أن يقوله كابرا في هذا النص هو عدم ملائمة مصطلحات الاقتصاد التقليدية للمستجدات المفروضة علينا الآن، فهذه المصطلحات تتسم بقصر النظر والمحدودية، لأنها لا تضع في اعتبارها إلا المصالح الآنية والعاجلة، وتغض الطرف عن الآثار السلبية المترتبة على تحقيق هذه المصالح على المدى البعيد.

لم يقف كابرا عند المطالبة بإعادة هيكلة النظريات الاقتصادية ومساءلة مصطلحاتها الأساسية، بل أنه يمضي لأبعد من ذلك حينما يقدم لنا حلولا تمكننا من تخفيف الضغط على البيئة الطبيعية دون التضحية بمصالح واهتمامات البشر الضرورية، إذ نجده يؤيد وبقوة فكرة إعادة تدوير النفايات، بل وإدخالها ضمن المنظومة الاقتصادية المنشودة، بحيث تكون بديلا للمصادر الطبيعية، هذا المطلب هو ما عبر عنه قائلا:” بقدر ما يكون الاقتصاد مؤسسا على إعادة تدوير المخلفات، فإنه يكون في انسجام مع البيئة المحيطة ” ([151]).

ويقدم لنا كابرا طرحا آخرا يتمثل في فرض المزيد من الضرائب، على استخدام المصادر الطبيعية ومصادر الطاقة، ويطلق كابرا على هذه الضرائب مصطلح الضرائب الإيكولوجية، والغرض منها الحد من استنزاف المصادر غير المتجددة، والموارد القابلة للنضوب، وفي هذا الصدد يقول كابرا:” إننا نحتاج الآن إلى قلب منظومة الضرائب الحالية، فبدلا من فرض الضرائب على الدخل والأجر، ينبغي أن نفرض ضرائب على استخدام المصادر غير المتجددة، وخاصة الطاقة، ونسبة انبعاث الكربون ” ([152]).

وبالتأكيد، سيصاحب فرض ضرائب متزايدة على أسعار الطاقة ارتفاعا في أسعار باقي السلع المستهلكة، وهو ما سيضطر البشر إلى تغيير سلوكهم الاستهلاكي، والسعي إلى ترشيد الاستهلاك وتقنينه تجنبا لزيادة التكاليف، لذا ” سيتخلى البشر عن سياراتهم العادية ويتجهون إلى سيارات الهايبرد التي تعمل بالطاقة الشمسية، ويستخدمون الدراجات والمواصلات العامة (…) إن تغيير نظام الضرائب سوف يخلق دوافع قوية لتبني استراتيجيات التصميمات الإيكولوجية ” ([153]). إن ما يريده كابرا هو أن نستبدل بالتكنولوجيا المتطورة نوعا آخرا من التكنولوجيا يطلق عليه اسم التكنولوجيا الناعمة، ويقصد بها التكنولوجيا المُصممة وفقا لاعتبارات إيكولوجية، تكنولوجيا صديقة للبيئة لا نعاني من آثارها السلبية والتدميرية في الطبيعة.

لكن إذا كان كابرا يرى ضرورة تغيير منظومة التكنولوجيا السائدة، لأنها لم تزد الأمر إلا سوءا، فإن مارك ساجوف Mark Safoff يعرب عن تفاؤله وثقته في قدرة التكنولوجيا الموجودة في وضعها الراهن على إيجاد حلول للمشكلات الإيكولوجية، وأنه لا داعي للخوف أو القلق، لأن العلم والتكنولوجيا يأتيان كل يوم بجديد ” فحفظ المواد الخام غير القابلة للتجديد يزيد كل يوم (…) والتقدم في مجال التكنولوجيا يزيد من إنتاج الغذاء كل عام ” ([154]).

ولا يقف ساجوف وحده في صف المدافعين عن التكنولوجيا الراهنة، بل ينضم إليه كثيرون منهم، جيمس جاربرينو James Garbarino الذي يعرب أيضا عن ثقته في قدرة التكنولوجيات الحديثة على حل مشكلة نقص الطاقة في القرن الحادي والعشرين، وتعتمد رؤيته على التقديرات الاستقرائية للتاريخ، وعلى الثقة المفرطة في القدرات العلمية والتكنولوجية، إذ يقول:” إذا كنا قد فعلناها فيما مضى، فمن الممكن أن نفعلها مرة أخرى، وإذا أردنا أن نخلق الحل فسوف نستطيع ” ([155]).

بالتأكيد، لم ترق لكابرا فكرة أن التكنولوجيا الموجودة ستقدم حلولا ناجعة لأزمتي الطاقة والغذاء، لأن هذه التكنولوجيا تدعم استخدام الطاقة النووية، وتدعو إلى تطبيق الهندسة الوراثية في مجال الزراعة لإحداث طفرة في إنتاج الغذاء. وقد وضح كابرا، فيما سبق، المخاطر التي تحملها استخدامات هذه التكنولوجيات بين طياتها، لذا نجده يدعو وبشدة إلى التخلى عن هذه التكنولوجيات، ويطالب في المقابل باستخدام مصادر نظيفة ودائمة للطاقة، مثل: الطاقة الشمسية، والتي يصفها بأنها “مصدر للطاقة قابل للتجديد، وفعال اقتصاديا، وصحي بيئيا، إنها النوع الوحيد من الطاقة الذي يحقق كل هذه المعايير” ([156]). يقدم كابرا الطاقة الشمسية على إنها البديل الإيكولوجي للطاقة النووية، إنها، تتسم من وجهة نظره، بأنها آمنة، ونظيفة، ورخيصة.

على أية حال، تعامل كابرا مع الرأسمالية على أنها تمثل امتدادا للفلسفة الديكارتية ونزوعها نحو الهيمنة والسيطرة، وأوضح أن مخاطرها تمثل تهديدا للموجود البشري والموجودات الأخرى، ولا سبيل لدينا للتخلص من هذه المخاطر إلا بالانتقال إلى نموذج إرشادي جديد، نموذج يقوم على التكامل والاندماج في الكل الإيكولوجي.

سمات النموذج الإرشادي الجديد عند كابرا:

قدم كابرا نفسه على أنه عالم في الفيزياء المعاصرة، وبالفعل، قد أثرت الفيزياء بشكل كبير في صياغة نموذجه الإرشادي الجديد، إذ نجده يستلهم منها مصطلحات ومفاهيم، ويدمجها في فلسفته، مثل: مصطلح الكلية، والتفاعلات، والعلاقات المتبادلة. فالفيزياء المعاصرة ممثلة في نظريتي: الكوانتم، والتعضيد الذاتي bootstrap، تقدم نموذجا إرشاديا جديدا للعلوم المعاصرة، نموذجا مناهضا للرؤية الآلية والاختزالية التي سادت الفيزياء الكلاسيكية كما سيتضح فيما يلي:

والسؤال الآن، ما سبب حماس كابرا الشديد لفيزياء الكم والتعضيد الذاتي؟ بل واعتبارهما نموذجا إرشاديا جديدا إذا ما سرنا في ركابه لتغيرت نظرتنا العلمية والثقافية لأنفسنا وللعالم. يجيب كابرا عن هذا السؤال مؤكدا أن الفضل في تغيير نظرتنا الآلية إلى الكون والإنسان إنما يرجع إلى علماء فيزياء الكوانتم من أمثال: فيرنر هايزنبرج، ونيلز بور. ففيزياء الكم، تقدم من وجهة نظر كابرا، رؤية كلية لعالم المادة، هذه الرؤية هي ما يبلورها كابرا قائلا: “لم يعد العالم المادي، بالنسبة لهايزنبرج، آلة مكونة من أجزاء منفصلة، بل شبكة كلية من العلاقات غير القابلة للانقسام” ([157]). إن ما يشدد عليه كابرا في هذا النص هو أن الكون، وفقا لنظرية الكم، عبارة عن شبكة ديناميكية هائلة من التفاعلات المتبادلة، التي لا يمكن فصل أي جزء منها ودراسته بمعزل عن هذه الشبكة الكلية، فمحاولة تفسير الظاهرة عن طريق اختزالها في جانب واحد سيقودنا إلى فهم خاطيء، ويحول دون معرفتنا بالجوانب الأخرى للظاهرة، فالفهم الاختزالي لا ينتج إلا تفسيرات مشوهه ومغلوطة للواقع.

ولا تختلف فيزياء التعضيد الذاتي التي صاغ أصولها جيوفري تشو Geoffrey Chew سـنة 1960 كثيرا عن فيزياء الكوانتم، إذ يؤكد تشو أيضا على فكرة أن الطبيعة لا يمكن اختزالها إلى عناصرها الأولية، وأنه لا يوجد في الطبيعة ما يسمى بوحدات البناء الأساسية للمادة، ولا توجد أيضا فكرة الهيراركية القائمة على التمايز في الوجود بين أعلى وأدنى، بل إن المبدأ الحاكم في الطبيعة، وفي علاقات الأشياء ببعضها البعض، هو مبدأ الاتساق الذاتي، إذ “تعمل كل الفيزياء وفقا لمبدأ اتساق مكوناتها الواحد مع الآخر” ([158]).

إذن، وفقا لفيزياء الكم، والتعضيد الذاتي، لا نجد مكانا لفكرة الاستقلال، أي استقلال عناصر الكون أو الطبيعة عن بعضها البعض، فالكون كله في حالة اتساق. فالأجزاء تقود للكل، والكل مكون من أجزاء لا تنفصم عراها، ولا يمكن فهمها بمعزل عن هذا الكل.

وإذا ما حاولنا إلقاء نظرة كلية وشاملة على فلسفة كابرا، سنجد أنها تقوم على المصطلحات نفسها التي أكدتها نظريتي الكوانتم والتعضيد الذاتي، فكابرا، منذ البداية، وفي معرض نقده للنزعة الآلية رأى أن التداخل والترابط موجود بين كل الظواهر الحية وغير الحية، لذا رأىأن نستبدل بالنموذج الآلي نموذجا إرشاديا جديدا مستلهما من تصورات الفيزياء المعاصرة عن الكون والإنسان، نموذجا يبتعد عن التشظي والاختزال ويرتكز على المعرفة بالكل وشموله.

يصيغ كابرا نموذجه الإرشادي الجديد بلغة فلسفية تتسم بالدقة والبساطة، ويضعها أمام كل العلوم والمعارف الإنسانية لتسترشد بها في عملها. وترتكز مقومات هذا النموذج الجديد على المعايير التالية: ([159])

1- الانتقال من الأجزاء إلى الكل:

جعل ديكارت من قاعدة التحليل أو القسمة ضرورة منهجية لبلوغ الدقة واليقين، وطالب بتحليل ورد المشكلات إلى عناصرها الأبسط، فمعرفة الكل، لديه، تبدأ بالضرورة من معرفة خواص الأجزاء وصفاتها. أما النموذج الإرشادي الجديد، فهو على النقيض التام، إذ يعكس العلاقة بين الأجزاء والكل، ويؤكد على أن خواص الأجزاء لا يمكن فهمها بمعزل عن علاقات وديناميكيات الكل، بل ويؤكد أيضا على فكرة أنه ليس هناك أجزاء على الإطلاق، فما نسميه جزءًاهو مجرد نموذج في شبكة لا تنفصل من العلاقات، فالطريقة الوحيدة لفهم الجزء هو فهم علاقاته وتفاعلاته داخل الكل.

2- الانتقال من البنية إلى العملية:

إذا كان النموذج الإرشادي القديم يرتكز على وجود بُنى أو عناصر أولية، وهذه البنى يمكن وصفها بلغة الفيزياء والكيمياء، وإن ما يحدد تفاعل هذه البني هي آليات محددة وحتمية، فإن النموذج الجديد ينطلق من فكرة أن العمليات التي تقوم بها الأنظمة الحية هي التي  تشكل وتوجه هذه البنى، وأنه لا مجال لمعرفة البنى الأساسية بمعزل عن هذه العمليات، فهناك تداخل وترابط بين البنى والعمليات، ولا يمكن تفسير أية عملية انطلاقا من البنى المادية وحدها، لأن البنى تتغير باستمرار، فالأنسجة والأعضاء تغير خلاياها في دوائر مستمرة، وبالتالي، فإن فهم البنية الحية لا ينفصل عن فهم العمليات الأيضية والتطورية التي تقوم بها الكائنات الحية.

3- الانتقال من الوصف الموضوعي إلى الإبستيمي:

إذا كان النموذج القديم يرتكز على الموضوعية والحتمية، أي على استقلال الملاحظ الإنساني عن عملية المعرفة، وعلى أن الظواهر الطبيعية تسير في مسار محتوم لا تحيد عنه، وأن معرفة القوانين التي تعمل بمقتضاها هذه الظواهر، كفيل وحده بتفسير هذه الظواهر والسيطرة عليها، فإن النموذج الجديد يرتكز على مفهوم الإبستيمي، ولا يقصد كابرا بالإبستيمي هنا ما يقصده ميشيل فوكو بأن هناك نظاما للمعرفة يوجه كل حقبة تاريخية، بل يقصد بها الوصف التقريبي للظواهر، ويقصد بها أن ما نلاحظه ليس العالم الذي يوجد على نحو موضوعي، لكن العالم المعطى لنا عبر عملية المعرفة، أو العالم وقد خضع لمناهج استجوابنا. وهو ما يعني أن المقاربات اللاحتمية للأنظمة الطبيعية والإنسانية ينبغي أن تكون سمة أولى للعلوم المعاصرة.

4- الانتقال من البناء إلى الشبكات كمجاز للمعرفة:

إذا كان النموذج القديم يقوم على وجود بنى وأسس ثابتة ومطلقة للبناء المعرفي مثل: الأجزاء الأساسية للمادة، والقوانين الأساسية، والقوى الأساسية في الطبيعة، والمعادلات الأساسية، فإن النموذج الجديد يقوم على مفهوم الشبكة كمجاز للمعرفة، والسمة الأولى لأي شبكة هي أنها لا تسير في صورة خطية، إنها تسير في كل الاتجاهات، وتجمع كل المعارف بين طياتها، وأي شيء يؤثر في كل شيء، فلا انفصال في الشبكة، وليس هناك أعلى وأسفل، ولا هيراركيات، ولا شيء أكثر أهمية من سائر الأشياء.

في الحقيقة، يلعب مفهوم الشبكة دورا جوهريا في فلسفة كابرا، فالشبكة، لديه، هي النموذج الأمثل للتعبير عن العلاقات والتفاعلات بين الأشياء في شتى المجالات: الحيوية، والاجتماعية، والمعرفية، فالخلل الذي يصيب أحد أجزاء الشبكة يؤثر في الشبكة ككل، وهو ما يتطلب معرفة النتائج الدقيقة لأفعالنا، لأنها لن تؤثر في أجزاء محددة فحسب، بل ستؤثر، إن عاجلا أم أجلا، في شبكة الحياة الكونية برمتها.

وفي خاتمة هذا البحث نرى أن النقد الذي وجهه كابرا لنزعة ديكارت الآلية، يعد من أعنف وأقوى أوجه النقد التي وجهت للديكارتية في عصرنا الراهن، صحيح أن هناك أوجه نقد كثيرة تم توجيهها إلى الثنائية الديكارتية وخطورة نظرتها إلى الطبيعة، إلا أن كابرا أمتد بخطورة الثنائية والآلية الديكارتية إلى مجالات لم يتعرض لها كثيرون، مثل البيولوجيا، والطب، والاقتصاد، أي تعرض لخطورتها على الحياة بشكل عام، والحياة الإنسانية بشكل خاص.

كذلك، يتميز كابرا عن الآخرين الذين تعرضوا لأزمات الحضارة الغربية المعاصرة بأنه عالم وفيلسوف في آن واحد، فكتاباته تموج بالحكمة الفلسفية الثاقبة الممزوجة برؤية صوفية للكون، إضافة إلى تكوينه العلمي الرصين، ومعرفته بأحدث التطورات في العلوم الطبيعية المعاصرة لكونه عالما. هذا المزج بين دقة العلوم، وحكمة الفلسفة، هو ما جعل أطروحاته تتسم بأنها أكثر شمولا وأقرب إلى الواقعية.

ففي الوقت الذي يرى فيه كثيرون مثل: هايدجر وماركوزه … أن تقدم العلوم والتكنولوجيا هما آفة الحضارة الغربية المعاصرة، يرى كابرا أن الخطر لا يكمن في العلم والتكنولوجيا في حد ذاتهما، فهما نتاجا لسيادة نمط ثقافي عام يرتكز على نظرة ضيقة وسطحية للإنسان والكون، نمط ثقافي يشجع على تأكيد الذات، والفردية، والانفصال، والاستقلال، هذا النمط الثقافي هو ما ينبغي تغييره، وأن نستبدل به نمطا ثقافيا آخر قوامه الاندماج والتكامل والكلية، فالتغيير الحقيقي يتطلب تغييرا في سلوك الإنسان، ووعيه بذاته وبالآخرين وبالعالم.

وأيضا في الوقت الذي يرى فيه كثيرون أنه لتجاوز أزمات الحضارة الغربية ينبغي تغيير الأنظمة السياسية والاقتصادية، أو فرض أنظمة استبدادية تحد من حرية الإنسان، يقدم كابرا حلولا أكثر معقولية،  فرغم أنه يحمل هذه الأنظمة قدرا كبيرا من مسئولية الأزمات المعاصرة، إلا أننا لا نجد لديه تصريحا أو تلميحا لحديث عن الثورة أو التغيرات العنيفة والراديكالية، بل إن الإصلاح عنده يبدأ من داخل هذه الأنظمة ووعيها بالمخاطر الموجودة. كذلك، لا يرتكز الإصلاح لديه على الجوانب السياسية والاقتصادية، ويغفل الجوانب الأخرى: الاجتماعية والنفسية والروحية والثقافية، بل يسير على كافة المستويات. فعملية تغيير الوعي والثقافة تبدأ بالتعليم، وتتعمق وتنتشر بواسطة الإعلام.

إن الحلول الذي يطرحها كابرا للتغلب على الأزمات ليست عصية على التطبيق، ففرضية زيادة الضرائب  على استهلاك الطاقة، وفرض ضرائب على التلوث، واستخدام الدراجات، وسيارات الهايبرد التي تعمل بالطاقة الشمسية، وتغيير نمط الاستهلاك، هي حلول في متناول اليد، ولا تتطلب الإطاحة بالأنظمة الموجودة وتشييد أنظمة جديدة.

لكن رغم ذلك، غاب عن فلسفة كابرا وجود نسق أخلاقي فلسفي مكتمل الأركان، إذ لا نجد لديه نقدا لفلاسفة الأخلاق الذين قاموا بالتنظير لفكرة الفردية والمنفعة، وحصروا مجال النظرية الأخلاقية في الاهتمام بالهنا والآن، ولم يستشرفوا المستقبل البعيد، ولم يضعوا في اعتبارهم الشروط الأخلاقية اللازمة لبقاء البشرية والكائنات الأخرى. كذلك فقد غاب عن نموذجه الإرشادي الجديد ملامح فلسفة خلقية جديدة تُنظر لما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني، كذلك لم يصغ كابرا قواعد أخلاقية تضع في اعتبارها كل هذه التحديات التي تجابه البشرية.

لكن لا يقلل هذا من قيمة الإسهام الكبير لكابرا في التصدي للرؤية الآلية والاختزالية، وطرح بدائل فلسفية وعلمية ترفض النظرة المادية ورؤيتها الأحادية للإنسان والعالم. وستظل فكرته عن أن الحلول تتطلب رؤى وآفاقا جديدة، وحوارا مفتوحا بين الحضارات والثقافات، دليلا على تحرره من أسر المركزية الغربية التي يقع فيها كثيرون، ودليلا آخرا على احترامه وتقديره للحضارات والثقافات الشرقية التي عول علي قيمها الأخلاقية والروحية كثيرا في تجاوز الأزمات المعاصرة.

قائمة المصادر والمراجع :

المصادر الأجنبية:

  • Capra Fritjof, The Tao of Physics: an Exploration of The Paralles Between Modern Physics and Eastern Mysticism, Boulder, Shambhala, 1975.
  • Capra Fritjof, The Turning Point: Science, Society, and The Rising Culure: a Compelling Vision of a New Reality, Reconciliation of Science and The Human Spirit for a Future that will work, London, Bantam Books, 1982.
  • Capra Fritjof, Spretnak Charlene, Green Politics, London, Paladin, 1984.
  • CapraFritjof, Uncommon Wisdom:Conversations With Remarkable People, London, Simon and Schuster, 1988.
  • Capra Fritjof, Rast David Steindl Rast, Belonging to The Universe: Explorations on The Frontiers of Science and Spirituality, San Francisco, Haper, San Francisco, 1992.
  • Capra Fritjof, The Web of Life: a New Scientific Understanding of Living Systems, New York, Anchor Books, 1996.
  • Capra Fritjof, The Hidden Connections:Integrating The Biological, Cognitive, and Social Dimensions of Life Into a Science of Sustainability, New York, Double Day, 2002.
  • Capra Fritjof, The Science of Leonardo: Inside The Mind of The Great Genius of The Renaissance, New York, Doubleday, 2007.

المراجع الأجنبية:

  • ApplebaumWilbur (ed), Encyclopedia of The Scientific Revolution: from Copernicus to Newton, London, Garland Publishing, 2000.
  • Bacon Francis, The New Organon, Edited By: Liza Jardine, Michael Silverthorne, Cambridge, Cambridge University Press, 2003.
  • Badash Ido, Kleinman Nicole P. ” Redefining Health: The Evolution of Health Ideas from Antiquity to The Era Value Based Care”, in Cureus, Vol:9, 2017.
  • Bosselman Fred P., The Ecological Advantages of Nuclear Power, in ” Environmental Law Journal “, vol.15, 2009.
  • Da Vinci Leonardo, The Notebooks of Leonardo Da Vinci, Translated by: Jean Paul Richter, 1888.
  • de la Mattrie Julien Offray, Man a Machine, New York, Open Court, 1933.
  • Foster John Bellamy, Marx’s Ecology: Materialism and Nature, New York, Monthly Review Press, 2000.
  • Fye W. Bruce, Profiles in Caradiology  in ” Clin. Cardiol “, 19, 1996.
  • Garbarino James, Toward a Sustainable Society: an Economic, Social and Environmental Agenda for our Children’sFuture, Chicago, The Nobel Press, 1992.

10-Jonas Hans, ” Philosophical Reflections on Experimenting with Human Subjects ” in Philosophy in The age of Crisis, Vol.48, No. 2, 1969.

11- Kovel Joel. The Enemy of Nature: The End of Capitalism or The End of The World?London, Fernwood Publishing, 2007.

12- Lappe Frances Moore, Collins Joseph, Rosset Peter, World Hunger:12Myths, New York, Grove Press, 1998

13- Leiss William, The Domination of Nature, London, Mcgill Queen University  Press, 1994.

14- Levy David J., The Integrity of Thinking, Columbia, University of Missouri, 2002.

15- Loeb Jacques, The Mechanistic Conception of Life: Biological Essays, Chicago, Chicago University Press, 1912

16- Machamer Peter (ed), The Cambridge Companion to Galileo, London, The Cambridge University, 1998.

17- Malthus Thomas, An Essay on The Principle of Population, London, J. Johnson, 1798.

18 – Maritain Jacques, The Range of Reason, New York, Charles Scribner, 2007.

19- Maturana Humberto R., Varela Francisco J., The Tree of Knowledge: The Biological Roots of Human Understanding, London, Shambhala, 1998.

20- Mckeown Thomas, Modern Rise of Population, London, Edward Arnold Publishers, 1976.

21- Miles Steven H., The Hippocratic Oath and The Ethics of Medicine, Oxford, Oxford University Press, 2004.

22- Peltonen Markku, The Cambridge Companion to Bacon, Cambridge, Cambridge University Press, 2006.

23- Serres Michel, The Natural Contract, Translated by: Elizabeth MacArthur, William Paulson, Ann Arbor, The University of Michigan Press, 1998.

24- Singer Peter, Practical Ethics, Cambridge, Cambridge University press, 1999.

25- Taylor Paul, Respect for Nature:A Theory of Environmental Ethics, Princeton, Princeton University Press, 2011.

26- Westra Laura, Werhane Patricia H., The Business of Consumption: Environmental Ethics and The Global Economy, New York, Rowman& Little Field Publishers, 1998.

قائمة المراجع العربية :

  • ابقراط، الاهوية والمياة والبلدان، ترجمة/ شبلي شميل، القاهرة، مطبعة المقتطف، 1885.
  • أحمد محمود صبحي، محاضرات في الإيديولوجيا وفلسفة الحضارة، الإسكندرية، مؤسسة الثقافة الجامعية، 1985.
  • أغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة/ الأنبا إيساك، الإسكندرية، مكتبة كنيسة مارجرجس باسبورتنج، 1997.
  • جاك إلول، خدعة التكنولوجيا، ترجمة/ فاطمة نصر، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2004.
  • باينم ويليام، تاريخ الطب: مقدمة قصيرة جدا، ترجمة/ لبنى عماد تركي، القاهرة، مؤسسة هنداوي، 2016.
  • تورين ألان، نقد الحداثة، ترجمة/ أنور مغيث، القاهرة، المشروع القومي للترجمة، 1997.
  • جلسون إيتن، روح الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، ترجمة/ إمام عبد الفتاح إمام، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2011.
  • جيدنز أنطوني، بعيدا عن اليسار واليمين: مستقبل السياسات الراديكالية، ترجمة/ شوقي جلال، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، عدد286، 2002.
  • دافنشي ليوناردو، الأعمال الأدبية، ترجمة/ أمارجي، دمشق، دار التكوين، 2013.
  • ديكارت رينيه، مقال عن المنهج: لإحكام قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم، ترجمة/ محمود محمد الخضيري، القاهرة، المكتب المصري للطباعة والنشر، 1930.
  • ديكارت رينيه، التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة/ عثمان أمين، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1951.
  • ديكارت رينيه، العالم: أو كتاب النور، ترجمة/ إميل خوري، بيروت، دار المنتخب العربي، 1999.
  • ستيس ولتر، الدين والعقل الحديث، ترجمة/ إمام عبد الفتاح إمام، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1998.
  • سورنيا جان شارل، تاريخ الطب: من فن المداواة إلى علم التشخيص، ترجمة/ إبراهيم البجلاتي، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2002.
  • فؤاد مرسي، الرأسمالية تجدد نفسها، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، عدد 147، 1990.
  • كون توماس، بنية الثورات العلمية، ترجمة/ شوقي جلال، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، عدد: 168، 1992.
  • ماركس كارل، فريدريك أنجلس، بيان الحزب الشيوعي، د. مترجم، موسكو، دار التقدم، د.ت
  • ماركس كارل، مخطوطات كارل ماركس لعام 1844، ترجمة/ محمد مستجير مصطفى، القاهرة، دار الثقافة الجديدة، 1974.
  • ماركس كارل، النضال الطبقي في فرنسا من 1848 إلى 1850، ترجمة/ إلياس شاهين، موسكو، دار التقدم، د.ت
  • ماركس كارل، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، الكتاب الأول: عملية إنتاج الرأسمال، موسكو، دار التقدم، 1985.
  • ماركس كارل، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الثاني، الكتاب الثاني: عملية تداول رأس المال، ترجمة/ فالح عبد الجبار، غانم حمدون، موسكو، دار التقدم، 1988.
  • ماركوز هربرت، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة/ جورج طرابيشي، بيروت، منشورات دار الآداب، 1971.
  • محمود عواد، معجم الطب النفسي والعقلي: أول معجم شامل بكل مصطلحات الطب النفسي والعقلي المتداولة في العالم وتعريفاتها، عمان، دار أسامة للنشر والتوزيع، 2011.

[1] – Jacques Maritain, The Range of Reason, New York, Charles Scribner, 2007

* فيلسوف وفيزيائي نمساوي ولد في فيينا سـنة 1939 وألتحق بجامعة فيينا، وحصل على الدكتوراه في الفيزياء النظرية سـنة 1966، أهتم باكتشاف التشابهات بين الفيزياء الحديثة والفلسفات الشرقية والصوفية في كتايه الطاوية والفيزياء: اكتشاف التشابهات بين الفيزياء الحديثة والتصوف الشرقي سـنة 1975، وهو يؤكد في هذا الكتاب أن كلا من الفيزياء والتصوف تؤدي حتما إلى نفس المعرفة. وفي سنة 1982 ألف كتابه نقطة تحول: العلم، والمجتمع، والثقافة الجديدة والذي يوضح فيه خطورة النزعة الآلية لفلسفة ديكارت وفيزياء نيوتن على الثقافة المعاصرة. وفي سـنة 1984 ألف كتاب السياسات الخضراء بالاشتراك مع المؤلفة النسوية البيئية شارلين سبريتناك، ويحلل في هذا الكتاب كيفية نشأة أحزاب الخضر في ألمانيا، ويدافع فيه عن السياسات الإيكولوجية في مقابل السياسات الاقتصادية الراهنة. وفي سـنة 1988 ألف كتابه الحكمة غير المألوفة، وهو عبارة عن مجموعة من المحاورات حول الفلسفة والعلم والثقافة، وفي سـنة 1993 ألف كتاب الانتماء للكون: اكتشاف حدود العلم والروح، بالاشتراك مع ديفيد شتايندل راست ، الراهب البينديكتيني ويشرح في هذا الكتاب أوجه التلاقي والاختلاف بين العلم والدين. وفي سـنة 1996 ألف كتاب شبكة الحياة: فهم علمي جديد للأنظمة الحية، وفيه يوضح كيف أن حياتنا في العالم الطبيعي وتفاعلاتنا مع الكائنات الحية أشبه بالشبكة التي ترتبط كل نقاطها معها، ولا يمكن حدوث خلل في مكان إلا ونجد آثاره في باقي الأماكن. وفي سنة 2002 ألف كتاب الروابط الخفية، وهو بمثابة تطوير لكتابه شبكة الحياة. وفي سـنة 2007 ألف كتابه العلم عند ليوناردو: رحلة داخل عقل عبقرية عظيمة لعصر النهضة، وفيه يرى أن علوم ليوناردو كانت علوم تكاملية وضد النزعة الاختزالية، وهو يضع علوم ليوناردو وفلسفته  على النقيض التام من الفلسفة والعلم الديكارتيين. التعلم من ليوناردو: فك رموز دفاتر العبقرية (2013) ، يقدم لمحة عن أعمال المفكر البصير ، ليوناردو دافنشي ، الذي ساهم عبقريته الرائدة في العديد من المجالات العلمية، وشارك كابرا في سيناريو لفيلم mind walk  بطولة ليف أولمان، وسام واترستون، وجون هيرد، ويعتمد الفيلم بشكل كبير على كتابه نقطة تحول. وهو يعيش الآن في الولايات المتحدة الأمريكية عن عمر يناهر 81 عاما. www.en.m.wikipedia  وتم الدخول على هذا الموقع يوم 25/8/2019

[2] – Fritjof Capra, The Turning Point: Science, Society, and The Rising Culure: a Compelling Vision of a New Reality, Reconciliation of Science and The Human Spirit for a Future that will work, London, Bantam Books, 1982, p:21

[3] – ibid., p:22

[4] – أحمد محمود صبحي، محاضرات في الإيديولوجيا وفلسفة الحضارة، الإسكندرية، مؤسسة الثقافة الجامعية، 1985، صـ 114

[5] – Fritjof Capra, The Science of Leonardo: Inside The Mind of The Great Genius of The Renaissance, New York, Doubleday, 2007, p:246

[6] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:16

[7] – توماس كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة/ شوقي جلال، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، عدد: 168، 1992، صـ12.

[8] – Fritjof Capra, David Steindl Rast, Belonging to The Universe: Explorations on The Frontiers of Science and Spirituality, San Francisco, Haper, San Francisco, 1992, p: 34

[9] – ibid., p:43,44

[10] – ibid., p:34

[11] – أغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة/ الأنبا إيساك، الإسكندرية، مكتبة كنيسة مارجرجس باسبورتنج، 1997، صـ9.

[12] – إيتن جلسون، روح الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، ترجمة/ إمام عبد الفتاح إمام، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2011، صـ402

[13] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:54

[14] – Paul Taylor, Respect for Nature:A Theory of Environmental Ethics, Princeton, Princeton University Press, 2011, p:139

[15] – http://www.britannica.com/topic/great-chain-of-Being

[16] – Fritjof Capra, The Hidden Connections:Integrating The Biological, Cognitive, and Social Dimensions of Life Into a Science of Sustainability, New York, Double Day, 2002, p:6

[17] – Fritjof Capra, David Steindl Rast, Belonging to The Universe, op.cit., p:25

[18] – ibid., p:12

[19] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:61

[20] – Peter Singer, Practical Ethics, Cambridge, Cambridge University press, 1999,p:267

[21] – ibid., p:267

[22] – Fritjof Capra, David Steindl Rast, Belonging to The Universe, op.cit., p:105

[23] – Fritjof Capra, The Tao of Physics: an Exploration of The Paralles Between Modern Physics and Eastern Mysticism, Boulder, Shambhala, 1975, p:19

[24] – ولتر ستيس، الدين والعقل الحديث، ترجمة/ إمام عبد الفتاح إمام، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1998، صـ70

[25] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:54

[26] – Peter Machamer (ed), The Cambridge Companion to Galileo, London, The Cambridge University, 1998, p:65

[27] – ibid., p:67

[28] – Fritjof Capra, The Web of Life: a New Scientific Understanding of Living Systems, New York, Anchor Books, 1996,p:19

[29] – William Leiss, The Domination of Nature, London, Mcgill Queen University Press, 1994, p:111

[30] – رينيه ديكارت، التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة/ عثمان أمين، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1951، صـ55.

[31] – رينيه ديكارت، مقال عن المنهج: لإحكام قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم، ترجمة/ محمود محمد الخضيري، القاهرة، المكتب المصري للطباعة والنشر، 1930، صـ120

[32] – رينيه ديكارت، العالم: أو كتاب النور، ترجمة/ إميل خوري، بيروت، دار المنتخب العربي، 1999، صـ 14

[33] – Fritjof Capra, The Tao of Physics: an Exploration of The Paralles Between Modern Physics and Eastern Mysticism, op.cit., p: 23

[34] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:123

[35] – Fritjof Capra, The Tao of Physics, op.cit., p:23

[36] – Fritjof Capra, The Science of Leonardo: Inside The Mind of The Great Genius of The Renaissance, op.cit., p:xvii

[37] – Leonardo Da Vinci, The Notebooks of Leonardo Da Vinci, Translated by: Jean Paul Richter, 1888.

[38] – ibid.,

[39] – ibid.,

[40] – ibid.,

[41] – Fritjof Capra, The Science of Leonardo: Inside The Mind of The Great Genius of The Renaissance, op.cit., p:11

[42] – ibid., p:22

[43] – ibid., p:6

[44] – ليوناردو دافنشي، الأعمال الأدبية، ترجمة/ أمارجي، دمشق، دار التكوين، 2013، صـ7.

[45] – Fritjof Capra, The Web of Life: a New Scientific Understanding of Living Systems, op.cit., p: 175

[46] – Fritjof Capra, The Hidden Connections:Integrating The Biological, Cognitive, and Social Dimensions of Life Into a Science of Sustainability, op.cit., p: 34

[47] – Humberto R. Maturana, Francisco J. Varela, The Tree of Knowledge: The Biological Roots of Human Understanding, London, Shambhala, 1998, p: 47

[48] – Fritjof Capra, The Hidden Connections:Integrating The Biological, Cognitive, and Social Dimensions of Life Into a Science of Sustainability, op.cit., p:35

[49] – Fritjof Capra, The Web of Life: a New Scientific Understanding of Living Systems, op.cit., p:220

[50] – Fritjof Capra, David Steindl Rast, Belonging to The Universe, op. cit., p:96

[51] – Fritjof Capra, The Hidden Connections:Integrating The Biological, Cognitive, and Social Dimensions of Life Into a Science of Sustainability, op.cit., p:66

[52] – ibid., p:55-58

[53] – Francis Bacon, The New Organon, Edited By: Liza Jardine, Michael Silverthorne, Cambridge, Cambridge University Press, 2003, p:33

[54] – Markku Peltonen, The Cambridge Companion to Bacon, Cambridge, Cambridge University Press, 2006, p:26

[55] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:56

[56] – ibid., p:56

[57] – ibid., p:63

[58] – Wilbur Applebaum(ed), Encyclopedia of The Scientific Revolution: from Copernicus to Newton, London, Garland Publishing, 2000, p: 714

[59] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:64

[60] – ibid., p:47

[61] – ألان تورين، نقد الحداثة، ترجمة/ أنور مغيث، القاهرة، المشروع القومي للترجمة، 1997، صـ11.

[62] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:69

[63] –  بيير فرانسوا مورو، هوبس : فلسفة، علم، دين، ترجمة / أسامة الحاج، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1993، صـ 27.

[64] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:102

[65] – ibid., p:106

[66] – Jole Shackelford, William Harvey and The Mechanics of The Heart, Oxford, Oxford Universitty Press, 2003, p:52

[67] – ibid., p:11

[68] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:106

[69] – W. Bruce Fye,  Profiles in Caradiology  in ” Clin. Cardiol “, 19, 1996, pp: 599-600

[70] – Fritjof Capra, The Science of Leonardo: Inside The Mind of The Great Genius of The Renaissance, op.cit., p:257

[71] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:107

[72] – Julien Offray de la Mattrie, Man a Machine, New York, Open Court, 1933, p:89

[73] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:108

[74] – Jacques Loeb, The Mechanistic Conception of Life: Biological Essays, Chicago, Chicago University Press, 1912, p:3,35

[75] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:103

[76] – جان شارل سورنيا، تاريخ الطب: من فن المداواة إلى علم التشخيص، ترجمة/ إبراهيم البجلاتي، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2002، صـ76، 179.

[77] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:123

[78] – ibid., p:146

[79] – Hans Jonas, ” Philosophical Reflections on Experimenting with Human Subjects ” in Philosophy in The age of Crisis, Vol.48, No:2, 1969, pp:219- 247

[80] – جاك إلول، خدعة التكنولوجيا، ترجمة/ فاطمة نصر، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2004، صـ 480

[81] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p: 132

[82] – ibid., p:140

[83] –  محمود عواد، معجم الطب النفسي والعقلي: أول معجم شامل بكل مصطلحات الطب النفسي والعقلي المتداولة في العالم وتعريفاتها، عمان، دار أسامة للنشر والتوزيع، 2011، صـ3

[84] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:157

[85] – ibid., p:149

[86] – ibid., p:162

[87] – ويليام باينم، تاريخ الطب: مقدمة قصيرة جدا، ترجمة/ لبنى عماد تركي، القاهرة، مؤسسة هنداوي، 2016، صـ 74

[88] – Thomas Malthus, An Essay on The Principle of Population, London, J. Johnson, 1798, p:49

[89] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:135

[90] – Thomas Mckeown, Modern Rise of Population, London, Edward Arnold Publishers, 1976, p:92

[91] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:321

[92] – Ido Badash, Nicole P. Kleinman, ” Redefining Health: The Evolution of Health Ideas from Antiquity to The Era Value Based Care”, in Cureus, Vol:9, 2017, pp:1-9

[93] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:124

[94] – ibid., p:307

[95] – Steven H. Miles, The Hippocratic Oath and The Ethics of Medicine, Oxford, Oxford University Press, 2004, p: xiii

[96] – ibid., p: 20

[97] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:311

[98] – Steven H. Miles, op.cit.,

[99] – ابقراط، الاهوية والمياة والبلدان، ترجمة/ شبلي شميل، القاهرة، مطبعة المقتطف، 1885، صـ17

[100] – المرجع السابق، صـ63

[101] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:311

[102] – ibid., p:319

[103] – ibid., p:309

[104] – ibid., p:307

[105] – ibid., p:332- 337

[106] – ibid., p:262

[107] – كارل ماركس، فريدريك أنجلس، بيان الحزب الشيوعي، د. مترجم، موسكو، دار التقدم، د.ت، صـ37.

[108] – Fritjof Capra, The Hidden Connections:Integrating The Biological, Cognitive, and Social Dimensions of Life Into a Science of Sustainability, op.cit., p:145

[109] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:190

[110] – رينيه ديكارت، مقال عن المنهج: لإحكام قيادة العقل وللبحث عن الحقيقة في العلوم، ترجمة/ محمود محمد الخضيري، القاهرة، المكتب المصري للطباعة والنشر، 1930، صـ125.

[111] – Michel Serres, The Natural Contract, Translated by: Elizabeth MacArthur, William Paulson, Ann Arbor, The University of Michigan Press, 1998, p:32

[112] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:197

[113] – ibid., p:198

[114] – Charlene Spretnak, Fritjof Capra, Green Politics, London, Paladin, 1984,p:78

[115]– Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:228

[116] –  فؤاد مرسي، الرأسمالية تجدد نفسها، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،  سلسلة عالم المعرفة، عدد 147، 1990، صـ 119

[117] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:222

[118] – ibid., p:221

[119] – Fritjof Capra, The Hidden Connections, op.cit., p:187

[120] – Frances Moore Lappe, Joseph Collins, Peter Rosset, World Hunger:12Myths, New York, Grove Press, 1998, p:1

[121]– Fritjof Capra, The Hidden Connections, op.cit., p:189

[122] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:260

[123] – Joel Kovel. The Enemy of Nature: The End of Capitalism or The End of The World?London, Fernwood Publishing, 2007, 159

[124] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:23

[125] – ibid., p: 23

[126] – Fred P. Bosselman, The Ecological Advantages of Nuclear Power, in ” Environmental Law Journal “, vol.15, 2009, pp:1-52

[127] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:246,247

[128] – ibid., p:243

[129] – لفيف من الباحثين، مستقبلنا المشترك، إعداد اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، ترجمة / محمد كامل عارف، مراجعة / على حسين حجاج، الكويت، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، عدد 142، 1989، صـ 9

 

[130] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:24

[131] – هربرت ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة/ جورج طرابيشي، بيروت، منشورات دار الآداب، 1971، صـ 193

[132] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:214

[133] – ibid., p: 207

[134] – كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، الكتاب الأول: عملية إنتاج الرأسمال، موسكو، دار التقدم، 1985، صـ727

[135] – كارل ماركس، مخطوطات كارل ماركس لعام 1844، ترجمة/ محمد مستجير مصطفى، القاهرة، دار الثقافة الجديدة، 1974، صـ70

[136] – John Bellamy Foster, Marx’s Ecology: Materialism and Nature, New York, Monthly Review Press, 2000, p:20

[137] – أنطوني جيدنز، بعيدا عن اليسار واليمين: مستقبل السياسات الراديكالية، ترجمة/ شوقي جلال، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، عدد286، 2002، صـ242

[138] – كارل ماركس، مخطوطات كارل ماركس لعام 1844، مرجع سبق ذكره، صـ154

[139] – كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الثاني، الكتاب الثاني: عملية تداول رأس المال، ترجمة/ فالح عبد الجبار، غانم حمدون، موسكو، دار التقدم، 1988، صـ513

[140] – كارل ماركس، النضال الطبقي في فرنسا من 1848 إلى 1850، ترجمة/ إلياس شاهين، موسكو، دار التقدم، د.ت، صـ139

[141] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:34

[142] – ibid., p:208

[143] – Fritjof Capra, David Steindl Rast, Belonging to The Universe, op. cit., p:74

[144] – Charlene Spretnak, Fritjof Capra, Green Politics, op.cit., p: 79

[145] – David J. Levy, The Integrity of Thinking, Columbia, University of Missouri, 2002, p:4

[146] – Charlene Spretnak, Fritjof Capra, Green Politics, op.cit., p: 79

[147] – Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:228,230

[148] – ibid., p:194

[149] – ibid., p:191

[150] – ibid., p:229,230

[151] – ibid., p:391

[152] – ibid., p:258

[153] – ibid., p:259

[154] – Laura Westra, Patricia H. Werhane, The Business of Consumption: Environmental Ethics and The Global Economy, New York, Rowman& Little Field Publishers, 1998, p:8

[155] – James Garbarino, Toward a Sustainable Society: an Economic, Social and Environmental Agenda for our Children’sFuture, Chicago, The Nobel Press, 1992, p:247

[156]– Fritjof Capra, The Turning Point, op.cit., p:403

[157] – Fritjof Capra, Uncommon Wisdom:Conversations With Remarkable People, London, Simon and Schuster, 1988, p:18

[158] – ibid., p:51

[159] – Fritjof Capra, David Steindl Rast, Belonging to The Universe, op.cit., p:81- 145

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete