تكوين
تستمر الهُوية أفهومًا مثيرًا للأسئلة عند ذوي النزعاتِ الأونيفرسالية الحذرةِ من الخصوصية المفرطة، والأسئلة نفسها يُفضي إليها حذرُ الهُوياتِ على اختلافها من سياساتِ التذويب والإلغاء التي قد ينتهي إليها نهجُ الفكر الكُلِّي، والهُوية الثقافية مفهومٌ مركبٌ ينعقدُ في أساسه على شعور بالانتماء لجماعة تشترك في خصائصَ، يتداخلُ فيها النفسيُّ والاجتماعي والتاريخي والإثني واللُغوي، تواجه تحدِّياتٍ جمةً، لعلَّ أبرزها ثقافةُ العولمة وما تستبطنه من تهديد لوجودها و تهميش لحضورها ولدورها، وإنكارُ وجود الهُوية الثقافية غالبًا ما يُثير كثيرًا من الجدل والنقاش، ولعلَّ في عُنوان هذا الكتاب للفيلسوف الفرنسي فرنسوا جوليان، ما يصحُّ أنموذجًا من الكتابات التي استفاضت في نقد الهُوية الثقافية وأعلت من شأن الفكر المتجاوز للثقافة الجماعاتية والمناضل في سبيل إنجاز المشترك الثقافي تأسيسًا على القيم الأخلاقية والإنسانية الجامعة.
يأتي هذا العملُ تعبيرًا عن التزام سياسي، ضد الهُوية الثقافية، موقفٌ أفصح عنه الباحث على وقع المراجعة الجارية في أوروبا لقيم الحداثة والتشكيك في قدرتها على الصمود أمام واقعٍ مجتمعي يعيشُ رواجًا لافتًا لسوق الهُويات الثقافية والدينية والقومية المختلفة.
قد يكون العنوان على شيء من الغلوِّ في الجزم بعدم وجود هُوية ثقافية، نازعًا عن الجماعة حقَّها في استثمار مواردها استثمارًا يستجيب لنظرتها المخصوصة إلى الحياة وسُبل عيشها، ومفترضًا في الوقت نفسه أن الاختلافَ بين الثقافة التي أنتجتها تجرِبة هذه الجماعة وثقافاتِ الجماعات الأخرى منشئٌ لهُوية ثقافية إلغائية، يتوقف الباحث في معالجته عند إبراز خطرها على سلام المجتمع واستقراره.
أحاول في هذه المداخلة مناقشة بعض المصطلحات المفتاحية التي كوَّنَت قاعدة المقاربة التي قدَّمها المؤلِّف في مَعْرض إنكاره لوجود هُوية ثقافية، مُثلَّث أفهومي استلَّهُ من تراث الفلسفة اليونانية ليبني عليه هذا الإنكار ويبرِّر به ابتعاد الهُوية الثقافية في حقيقتها وجوهرها عن المقاصد الجامعة التي يستولدها نظام التفكير القائم على الكُلِّي من المقدمات.
استطاع د. بركة، وهو المتخصصُ في علوم اللغة الحديثة و صاحبُ تجرِبة غنية في مجال الترجمة والمتمكِّنُ من المصطلح في اللغتين العربية والفرنسية، أصلًا وصيغة وحقيقة، أن ينقل هذا الكتاب إلى اللغة العربية، فيضعُ بين يدي القارئ العربي نصًّا في الهُوية الثقافية، يخففُ فَهْمَ مصطلحاته وإدراكَ مستوياته النقدية من الغلو في التعصُّبِ للثقافة العربية ورؤيتها هُوية الجماعة التي ازدهرت هذه الثقافة جراء تجارِبها مع وجوه الحياة وأحوالها، و في النظر إلى أن كل انفتاح على غيرها من الثقافات مَجْلبةٌ لأسباب تفكُّكها وضياعها.
ينتمي المؤلِّفُ إلى مدرسة في التفلسف، تنهلُ من التقليد اليوناني والثقافة الصينية، يقرأ في الثقافة مواردَها، المعبِّرةُ عن خصوبتها، الصائرةُ إلى العمومية بعد انتشارها، والعصيةُ على الحصرية والامتلاك، يدافع عنها بوصفها مواردَ معرفيةٍ عامةٍ، جادت بها علومُ معينة في بيئة حضاريةٍ معينة، معرِضًا عن الدفاع عن الثقافة نفسِها خشية الوقوع في الاعتقاد الرائج عن الهُوية الثقافية الثاوي في وجدان الجماعة، وجهًا من وجوه الإيديولوجيا الحذرة من كل تواصلٍ وانفتاح مجديين.
هذا الفصلُ بين الثقافة ومواردها، هو نوعٌ من الاجتهاد الذي يحدُّ من أثر الاختلاف بين الثقافات ويُؤْثِرُ الانزياحَ، écartدفعًا لكل إلغاء ممكن، لأن الانزياحَ لا يضعُنا أمامَ حرجِ الاختيار بين مختلفين وإسقاطِ أحدهما كما الواقع الذي يُفضي إليه الاختلاف، بل يُبقي الانزياحُécart على الاثنين متقابلين بغية الاستعانة بأحدهما لفهم الآخر، واكتشافِ اللا مفكر فيه في تجربته عمومًا وفي نصوصه بخاصة، هذا ما عبَّر عنه المؤلِّفُ بالفهم الأعمق للداخل بواسطة الخارج، جريًا على الآلية المنطقية الآيلة إلى معرفة الضد بالضد، أو المختلف بالمختلف، ومارسه في تفكيكه للثقافة الأوروبية مُستعينًا بالأدوات المعنوية التي أفرزتها الثقافة الصينية.
يحفظ الانزياح «بَيْنًا» بين المختلفين والـ “بين”inter مساحة للتواصل المتفاعل والخلاق، وهو ما أشار إليه اللفظ في اللغة العربية، إذ ورد في اللسان أن من أحد معاني الـ «بَيْن» الوصل، فيُقال، تقطَّع بينُكم أي تقطَّع وصلكم.
يحرص المؤلِّف على تذويب الهُوية الثقافية بفهمها نتاجَ منطقِ الفصل بين الثقافات باعتماده على منطقٍ مقابل يقوم على الوصل بينها، من سماته التفاعل (غاب وزن تفاعلَ عن مجمل الترجمة) والتذاوت intersubjectivité(التفاعل بين ذاتين) أو كما تقول العرب التعاند (عاندت الطير فراخها) بمعنى التفاعل بين عندين، وجليٌّ أن مثل هذا المذهب هو وليدُ استثمار مفيد لمفهوم الكُلِّي الضابط لمنهج التفكير الأرسطي والضامن لعمومية النتائج الخارجة من بِنية نظامه المعرفي.
—بين الكلي universel والمشترك communوالمتماثلuniforme
يبقى التحدي عند المؤلِّف، في رفع الالتباس المرافق للكُلِّي ولمصطلحات محايثة، مثل المتماثل uniforme والمشتركcommun .هذا المثلث، كما سبقت الإشارة، هو بمنزلة المادة الصلبة لمشروع النقد المُنكر لوجود الهُوية الثقافية، ينطلق منه المؤلف في عملية تفكيك لزواياه مبتدئًا بالكُلي: يقول: “هناك الكُلي نفسَهُ الذي يحمل في الواقع معنيين… هناك المعنى الذي يُمكن أن نقولَ إنه ضعيف… وهو يُحَدُّ بالتجرِبة…. هذا المعنى هو العمومية… ولكن للكُلي معنًى قويًا، معنى العالمية الصارمة والدقيقة، إنه المعنى الذي جعلنا منه في أوروبا ضرورة من ضرورات الفكر…”(٤٦).
يُفيد هذا التمييز أن ثمة معنًى كليٌّ يرادفُ العام ويحصل عن طريق التجرِبة والاستقراءinduction، ضعفه وقوَّتُه مرتبطان في نوعية الاستقراء، هل هو استقراء كامل أو استقراء ناقص، والكمال والنقصان مردُّهما إلى نسبة الشمول في الوقائع المستقرأة، ونسبة النجاح في تعيين الصفة الحقيقية المشتركة بينها. وقد يكون العام ضعيفًا إذا بُني المشترك على صفة لازمة أو عرضية، ما يعرِّض حكمه للظن والطعن ويسمِهُ بالضعف ويُبَلْبِلُ قاعدة انتساب أفراده إليه.
أما الكُليُ القوي الذي يقع موقعَ الضروري، فقد عبَّرَ عنه أرسطو بثلاثيةٍ راجت في الفكر الفلسفي العربي، وجوب الواجبات مثل: الكل أكبر من الجزء، واستحالة المستحيلات، كأن يستحيل على الشيء أن يكون في مكانين في الوقت نفسه، وجواز الجائزات، مثل أن الشيء جائز أن يكون وجائز ألا يكون، هذه الأوَّليات الضروريةdonnées premières استوت مسلَّماتٍ يقينيةً، قامت على متنها الكُليات الخمس (الجنس، النوع، الفصل، الخاصة، عرض عام) في البِناء المنطقي الأرسطي، وأضحت منطلقًا صلبًا لتطوُّرِ العقلانية نحو حداثة ازدهرت مواردها في الثقافة الغربية عمومًا و الأوروبية بخاصة.
والسؤال الذي يجول اليوم في أذهان صُنَّاع الثقافة الحداثية الأوروبية، إلى أي حدٍّ يستطيع هذا الكُلي الضروري بأبعاده المفاهيمية والقيمية أن يصمد في مجتمع متعدِّد الجماعات والثقافات والمعتقدات الفكرية والأيديولوجية، تحمل يومياته إشارات انزلاق تدريجي نحو التفكك المُنذر باندثار القيم الحداثية الكُلية الجامعة؟
إذا كان الكُلِّيُ الضروري باب العلم، فإن المتماثلuniformeكما يقول« ملتبسٌ أيضًا، في الواقع قد يعتقد بعضهم أنه إنجازُ الكُلِّي وتحقيقٌ له، ولكنّ هذا المفهومَ عَكْسُ الكُلي أو انحرافٌ له، ذلك أن المتماثل لا يرتبط بالعقل مثل الكُلي، بل يرتبط بالإنتاج… إنّ المتماثلَ ليس سوى تكرارِ الواحد… الذي يتكوَّنُ بالتطابق وهو لا يعود إبداعيًا»
تحديدُ المتماثل على هذا النمط والقول إنه لا يرتبط بالعقل، بل يرتبط بالإنتاج، نازعًا عنه السمة المنطقية، يبدو تحديدًا قابلًا للمراجعة، لأنّ المصطلح ينتمي إلى سلالة المصطلحات المنطقية، إذ يعني الوَحْدة في الصورة والمضمون معًا، فكلمة forme في منظومة المنطق الأرسطي تعني الصورة التي تُعطي المعنى للهيوليle hilé أو المادة، صحيحٌ أن المُتماثل لا يقع بمنزلة الكُلي ولا يرقى إلى فاعليته في مسيرة تجديد الفكر، لكنَّهُ يعبِّرُ عن نشاطٍ عقلي متواضع يقوم على ما يُعرف في المعرفيات الإسلامية بقياس المثل (المماثلة) أو قياس الشبه (المشابهة)، إذ لا فرق بينهما من جهة الإلحاق، ويقترب في القصد، من مفهوم الاقتداء الشائع في الثقافة العربية والإسلامية، وأقول استطرادًا ربما مَثَّلَ هذا القياسُ الآليةَ الحاكمة في بِنية العقل العربي والإسلامي والمعبِّرِ عن نظامه المعرفي ، وهو نظامٌ يشهدُ على تقصيره وفشله الواقع المأزوم الذي تعيشه أكثر المجتمعات العربية والإسلامية والأحوال البائسة التي تُنْهِكُ شعوبها.
أما المشتركُ، فعلى عكس المتماثل، هو مصطلحٌ منطقي يُعرِّفُه أرسطو بوصفه اللفظ الواحد الذي يدل على معانٍ متعددةٍ تختلف في الحدِّ والحقيقةِ، ومحاولةُ استثمارِه في السياسة كما يجري في هذا الكتاب لا تستقيم مع فصله عن أصله، إذ ما المانع من الوقوف عند سياقه المنطقي قبل استثماره في قراءة سياسية، لا سيما أن إبراز هذا السياق من شأنه أن يُقرِّب صلاحيته في المسألة السياسية من مقاصد المؤلِّف الهادفة إلى توسعة حيِّز التشارك والتلاقي بين المختلفين في الثقافة كما في السياسة، وذلك برعاية الكُليuniversel بوصفه مفهومًا تدبيريًا ملازمًا لوظيفة العقل régulateur وليس الكُلِّى بِبُعْدِهِ الكُلياني (الشمولي)universaliste الذي انتهت برأي المؤلِّف صلاحيتُه وانقضى زمنُه.
يبقى أنْ أشيرَ إلى أنّ توظيفَ هذه المصطلحاتِ في السياسة أمرٌ جائز ومعقول، كما يمكن توظيفُها في الاقتصاد والاجتماع وسائر العلوم، لكنّ تجاوزَ ماهيتِها المعرفية وهُويتها المنطقية ونسبتها إلى غير أصلها، يحتاجُ إلى مراجعة وإعادة نظر، فالمتماثل معرفي قبل أن يكون اقتصادي والمشترك معرفي قبل أن يكون سياسي.
أما الفصلُ بين الثقافة ومواردِهاressources قد يصحُّ أنْ يكونَ خُطوة إجرائية يفرُضُها منهجُ البحث، لكنْ، أنْ نُنْكِرَ على الثقافة حقَّها في نسبة مواردها إلى تجرِبة الجماعة التي أنتجتها أو نُنْكِرَ على العقل الذي أسهم في إنضاجها، فضلَهُ وتميُّزَهُ، فهذا مما يقود المتلقي إلى تساؤلاتٍ تطول منطقيةَ المقاربة وموضوعيتَها، فإذا كان التخفيفُ من حِدَّةِ الشروط التي يفرضها الواقع أمرًا مُمكنا في سياق تعزيز دور المشترك والكُلِّي، فإن التجاوز المطلق لهذه الشروط يقع في باب المستحيل، وفي السياق نفسه، فإنّ رؤية الهُوية الثقافية غيرُ موجودةٍ قطعًا وبإطلاق، لا يشهد الواقع على صحته، لكنّ العملَ على الحدِّ من استثمارها الأيديولوجي المتعسِّف والاجتهاد في سبيل الكشف عن مواطن الاشتراك بينها وبين الهُويات المختلفة، يبقى الهدف الأسمى للعلوم الإنسانية وفي طليعتها الفلسفة.
يُذكِّرُ هذا الموقفُ، موقفُ التمييزِ بين الثقافة ومواردِها، ظاهريًا على الأقل، بإصلاحيي عصر النهضة العربية الذين أُبْهِروا بمواردِ الثقافة الغربية وإنجازاتِها، لكنهم عجِزوا عن تقبُّل الثقافة التي رعَتْها، وهضمِ هُوية العقل الذي أنتجها، وعن الاعتراف بفضله على العلم ومسيرة تطوره وعِظم إنجازاته، لم يكنْ ذلك إلا حرصًا على الهُوية الثقافية العربية وحذرًا من المَسِّ بأصولها.
يبقى أنْ أشير إلى أنّ انتصار المؤلف للقيم الأونيفرسالية وانهمامه بالمقاصد الثقافية والأخلاقية الجامعة، لا يبرِّران إنكاره وجود الهُوية الثقافية عند شعب من الشعوب، وما قام به د. بركة عن طريق ترجمة هذا النص، يُعبِّرُ عن جُهدٍ محمودٍ يتوخَّى مُصالَحةَ الكُلِّي مع الثقافة العربية، وإبرازَ قيمتِه بوصفه فعلًا عقليًا تدبيريًا يَكْسِرُ حِدَّةَ الفصل بين الثقافات المختلفة، بالكشفِ عن مواطن الوصلِ بينها تأسيسًا لمشتركٍ تنمو في تربته يستجيبُ للمقاصد الأخلاقيةِ والإنسانية الجامعة.