تكوين
يُعاني القارئُ لنص نيتشه صعوباتٍ تجعل الإحاطة بدلالاته أمرًا شاقًا؛ فتكوُّنِ المفاهيم في فضائه لا يخضعُ لمنطقٍ مُنتظم، إذ يبدو في معظم الأحيان على شيء من التناقض، ما جعل، مقاربته عبر تعقيداته أقرب المسالك إلى إبراز مهارة هذا الفيلسوف في فن قلب المنظورات وتدوير الزوايا (١) .
-نقد المذاهب المساواتية
يتناول نيتشه في نقده على سبيل المثال، المذاهب المساواتية، ويندفع في إغداق المديح على الأرستقراطية في تمظهراتها «الحربية»، في نهاية عصر عَرَفَ هدوءًا واستقرارًا. لكنّ الأرستقراطي الذي زينه بالفضيلة والذي يتماهى معه هو الفنانُ. كذلك الأمر قد ظهرَ في نص له عن (العرقla race)، جاءت صياغته بعبارات ملتهبة، يتطلب إدراك أبعادها كثيرٌ من الحذر، تحاشيًا للانزلاق في تشوهات الأحكام القاطعة والمعاني المتناقضة. لقد اكتسب هذا المفهوم عنده خصائص سلوكية أصبحت بفعل الترسُّخِ الذي أصابها، على مرِّ الأجيال والحقب، غريزية إلى حدٍّ بعيد؛ وهو ما وجده ماثلًا في كتابات فرويد وليون بلوم ودوغول، بطريقة يأتي كلامه فيها على اليهود والفرنسيين والألمان غنيًا بالدلالات الطباعية التي قد تبدو للوهلة الأولى مُشبَّعَةً بالأفكار الوضعية التي سادت القرن ۱۹ والتي تمحورت حول النماذج القومية.
إن أصالة نيتشه وابتكاريته متأتيتان من عدوانيته تجاه أفلاطون، هذا الأنموذج الاشتراكي الكهل (٢) والجمهورية تبقى في رأيه ذلك النظام الذي يتحوَّل الفرد فيه إلى عضو مفيد للمجتمع. ومثل هذا الموقف من الفكر الاستبدادي عند أفلاطون يجب أن يُفهم في إطار حملته على «ميتافيزيقا» المثال الأفلاطوني التي لا تختلف عن نظرية “كانت” عن (الشيء في ذاتهla chose en Soi(le Noumène).
في أحد أوائل نصوصه (۳)، يرفض نيتشه الفرضية التي ترى إلى أن وراء كل ما هو ظاهرٌ ومتعينٌ حقائقَ هي في أصله وأساسه، بل على العكس من ذلك. ليس وراء الظواهر إلا الظواهر، ولا أثرَ لما يُسمى بالموجودات الثابتة والخالدة؛ فالظواهر هي الحقائقُ الوحيدةُ، والعالم المحسوس ليس وهمًا أو ظلًا، وهو وَحْده العالم ولا يوجد سواه. إن نقدَ الأنطولوجيا الأفلاطونية المُهتمة بحقيقة الموجود يترافقُ مع نقد للحقيقة نفسها بفهمها رغبةً عند الإنسان؛ فالإنسان وَفْق نيتشه ليس مُحبًا للحقيقة، كذلك هو من الحكمة. الرغبة في الحقيقة ليست هدفًا أوليًا أو عاطفة صادقة عنده، وانطلاقًا من كونه حيوانًا عاقلًا، يتوسل الإنسان بفكره من أجل الخديعة والتباهي وإنتاج الأوهام التي تحتاجها الحياة وتشترطها الحركة فيها. من هنا تستقرُّ السياسة على عكس ما يُقرر أفلاطون، إذ هي لا تَصْدُرُ عن الحقيقة، بل العكسُ هو الصحيحُ والحقيقة تَصْدُرُ عن السياسة. لا تتمتع الحقيقة بوجود أصيل، وحضورها يبدو ثانويًا بفهمها نتاجَ المجتمع، حيث انصهار الناس وعيشهم فيه قطيعًا يُمرَّان عبر نوع من المعاهدة السلمية التي يشرَّع المطلوب معها أن يكون حقيقة، عن طريق صيغٍ تعاقدية واتفاقية، فيأتي الأمر بمنزلة تشريع للتعبير الذي يُقَدِّمُ القوانينَ والقواعد الأولى للحقيقة، كما يأتي التعبير، ومعه الحقيقة التي يُعَبِّرُ عنها، كيفيًا إلى حد كبير، لأن الشيء في ذاته صعب المنال وعصي الإدراك؛ والإنسان يتحرك في مَعْرِضِ تصوير مشاعره في مساحة مليئة بالخيارات، ينتقي منها التعبير الأكثر تكيفًا مع مراده وملاءمة لأغراضه، وبالكيفية عينها تحصُلُ عملية حذف وإبطال الفوارق ومواطن الاختلاف المؤدية إلى إنتاج المفاهيم والتصورات، كذلك، كيف هو الاعتقاد بوجود شيء ما، يشبه «الورقة» أو «الجمال» تنتسب إليه أوراق الشجر وجميلات النساء. وإذا بدا تعريف الجمال ضروريًا، فلنْ يقع حتمًا في فضاء الرؤية الكانتية حيث الجمال سعي في قصد دون خواتم، في حين يبدو الجمال، عند إبراز معالمه في فينوس، وعدَ السعادةِ عند ستندال.
في ضوء ما تقدَّم، يَظْهَرُ نيتشه اسميًا – Nominaliste بالمعنى الذي يُفيد أن الذوات المجردة لا تبدو له أكثر من أوهام وتخيلات ضرورية للحياة والمجتمع، دون أن تصل إلى حد رؤيتها موجوداتٍ قائمةً خارج الظواهر الفردية، لقد رفض بناء مجرداتٍ لا فائدةَ منها، فيكون بهذا الموقف قد حلق ذقن «أفلاطون الكهل» بشفرة «أوكام «Occam أهم الأسميين القروسطيين. لكنْ ما تَجْدُرُ الإشارة إليه، هو تحاشي النظر إلى أراء نيتشه من زاوية علم المعرفة، وإنما من باب رده ودحضه للعقائد والمذاهب الدينية والسياسية والفلسفية التي تضحِّي بالواقع وشروطه لحساب وجود «ما ورائي». إن توكيد الما وراء هو نفيٌ للواقع وهو نتيجةُ موقف حاقد على الحياة وثمرة الكراهية لها. والاعتقاد بـ «الشيء في ذاته »(*) هو وسيلةُ تشكيك وقدح واغتياب للحياة، مما يعني الانحلال والانحطاط بما يشيران إليه من بوادر نهاية الإنسان واستنفاد طاقاته. والحياة الحقيقية لأفلاطون كما للمسيحي تقوم في الموت أو في مثال المدينة الفاضلة.
هذا النقد المنسق للاعتقاد الواهم بـ «الشيء في ذاته»، المدمر للحياة وللحافز الاجتماعي الذي يمدها بأسباب الاستمرار، يؤدي في النتيجة إلى تفكيك جذري لفكرة القانون ومن ثمَّ للأخلاق التي سوف تنتهي مع انتهاء أصلها واختفائه، لكنّ نيتشه يعمل في الوقت نفسه، على ردِّ الاعتبار للمعرفة العلمية، عن طريق البحث عن الحقيقة، في التعبيرات عن تحقير الحياة والقدح فيها، وينظر إلى بناء العلم الصحيح انطلاقًا من واقع التراجع والانحطاط. ومن شأن هذا المشروع النقدي أن ينتهي إلى كيفية من كيفيات إعادة تأصيل القانون مما يعني تحولًا في منظومة القيم على الصعيد الأخلاقي.
لقد عبر نيتشه في مقدمة «إنساني مفرط في إنسانيته» عن تأكيده أن الله والعالم لم يخرجا عن الاشتباه والريبة في رؤى الناس وتصوراتهم، كذلك القانون بوجوهه الأخلاقية والطبيعية والعلمية، الذي يَصْدُرُ عن المبدأ نفسه : إرادة القوة أو الاقتدار، عنها تتولد الغريزة التي تقود الإنسان إلى سن التشريعات والقوانين، وعليه فالمعرفة لا تبتغي الصحيح والحقيقيّ بقدر ما تسعى في كبح جماح الفوضى عن طريق ضبطها في إطار التشريع الذي يخدم شروط الاستجابة للمتطلبات والحاجات: هذا القَصْدُ الذي يستهدفُ التنظيم والضبط أكثر منه العلم والمعرفة، هو الفيصلُ في تكوين العقل وخلق بِنيته.
أما القانون الأخلاقي، فيجب النظر إليه وإدراك حقيقته من زاوية «العقاب». إنه وليد استبطان للعقاب الذي يستدعي إخراجه وموضعته إجراءات قمعية وزجرية، الغاية منها ترسيخ نوع من النظام في وعي الناس هو أقرب لأنْ يكون تركيبًا أو تصنيفًا للذاكرة)، هكذا يكون الرعب والدماء أثمانًا يدفعها الناس في تجرِبة ردهم إلى العقل والرؤية… إلى الطاعة.
والرادع الأخلاقي والقانون الأخلاقي على نحو ما نجدهما عند “كانت”، بما يحكمهما من غريزة لاهوتية تضع الحياة في خطر، يحتفظان في حقيقتهما بهذه القساوة الفظَّة، وعنف العقاب هو في أصل تكوين الوعي الأخلاقي، كما أن ضبط الفوضى وتقييدها وتشريعها هو في أساس تكوين العقل، وتأصيل القوانين يناقض تناقضًا حادًا فكرة القانون الطبيعي، والبحث عن القوانين في الطبيعة هو ثمرةُ إرادة الاستعلاء عند الناس ورغبتهم في إخضاع الكون لشِرعتهم. من هذه الزاوية يسخر نيتشه من الرواقيين وينظر إليهم بتهكم، لأنهم ينشدون الطغيان والاستبداد عندما يرون أنفسهم أسيادَ رغباتهم، ويستبدون بالطبيعة عندما ينشدون خضوعها للقوانين. إن تأصيل الفكر العلمي بما هو تشريعٌ مساواتي – Legislation egalisatrice يندرج مباشرة في السياق السياسي. والاعتقاد بأن الطبيعة تخضع لقوانين وأنظمة، يستدعي تأويلًا يوضح كون هذا الاعتقاد وليدَ الفكر الديمقراطي الذي يعمل من أجل ترسيخ المساواة على حساب الاختلاف والتمايز. لهذا يبدو نيتشه، على نقيض “كانت”، لا يلتزم مقاربة نقدية تسعى في تعريف محدد للقانون، وللصحيح منه، بل يذهب إلى حد رفض فكرة القانون بوصفه تعبيرًا عن الكلي، أو صدًى لنوع من التسامي تنتهي ضمانة حقيقته إلى وجود عالم خلفي أو ماورائي. كأنه في هذا الموقف على طريق تأسيس لنوع من العدمية الناشطة باتجاه دفع البشرية إلى تجاوز نفسها إلى ما فوق – البشري. المعنى الذي تحمله سخرية زارادشت الذي يُريد تحريض الناس وإثارتهم باستخدام الازدراء والاحتقار اللذين يُثقلان الإنسان ويرهقانه. إنسانُ الحقدِ والغيظ والضغينة الذي يجد سعادته في الخمول، مثل (حيوان في قطيع)، يُجِلُّ الدولة ويحتفظ لها بكل الوقار، مع ما هي عليه من برودة، تتخطى بها كل الأشباح؛ ومع عصر تنتصر فيه فكرة الحيوان القطيعي، السربي، استحالت المساواة في الحقوق مساواة في اللا حقوق، ورفضًا وإنكارًا لكل ما هو نادر ومتميِّزٌ، وحقدًا على السيادة المبدعة والخلاقة التي تؤسس عنده لمبدأ السيادة السياسية منها تحديدًا.
يبدو نيتشه واضحًا في نقده لنظريات التكيف في علوم الحياة؛ فالتطور في ضوئها هو سيرورةٌ تتعدل في سياقها الأجسام والأجهزة وتتغير انطلاقًا من توالي أحوال التكيف فيما بينها ومع المحيط الذي توجد فيه. والتكيف، مع اعترافه بوجوده، هو تطورٌ ثانوي، والذي يتقدم على غيره في الحياة هو حضورُ القوى العفوية والتلقائية القادرة على إعطاء تفسيراتٍ جديدةً وإنتاج أنماطٍ جديدة. إن عدم الالتفاف إلى هذا الجانب ونسيانه يؤديان إلى نفي الدور الأساسي الذي تلعبه الوظائف السامية في الجسم، حيث تَظْهَرُ إرادة الحياة وتتبدى تبديًا فاعلًا ونشطًا، مما يُمكن عندها من ترتيب مجمل النظريات التي ترفض إدراك الحياة إدراك نظامِ القوى المُتفاضلة والمتخالفة أو المتمايزة في طبقة الإيديولوجيات الديمقراطية. ذلك أن الديمقراطية أو، وَفْق تعبير فلوبير، حكومة أصحاب الدكاكين (الدكنجية)، بما هي إرادةُ المساواة، بدَتْ منافيةً للعقل قياسًا إلى الطبيعة والعلوم الموضوعية أكثر مما هي عليه مقارنة بالمجتمع وعلاقات السيطرة. وعليه، يُمكن تعريف السيادة تعريفَ التوكيدِ الخلَّاق لإرادة الاقتدار على أنها هيئةٌ أو صورةٌ تفرض نفسها على مادة. وهنا نستطيع أن نقرأ من جديد أسطورة ولادة الدولة: ليست الدولة وليدة تعاقد، بل هي ثمرةُ استبداد عنيف فرضه (قوم) من الحيوانات ذات اللون الأشقر، جنسٌ من الأسياد يمتلك القدرة على التنظيم، ينقضُّ على مجموعة من الناس أكثر منه عددًا، لكنهم ضالُّون ومبعثرون: هؤلاء الأسياد هم (فنانون) ينصرفون بلا وعي ولا تعمُّد إلى (صناعة) الدولة، لكنهم (يكبتون) في الوقت نفسه طاقة عظيمة من الحرية لن تلبث أن تظهر عند الذين يقعون تحت سيطرتهم في صورة من الصور (الاحساس بالخطأ أو سوء الفعل).
بعيدًا عن أن يكون نيتشه مأخوذًا بالإحساس والشعور بقيمة السلطات وفاعليتها أو مشروعيتها، فإن الطاعة تبقى عنده الأساس، رابطة الطاعة رسَخت في أذهان الناس عن طريق علاقة غير متوازنة بين أقلية الأسياد وأكثرية المسودين، خلقت حاجة فطرية إلى الطاعة، هي بمنزلة مظهر فارغ أو صورة يبحث لها الناس عن مادة أو محتوى، وأي عزاء يكون عندما يحقق سيد من الأسياد رغبته هذه المحفورة في الطبيعة البشرية، ويشفي غلته مع ظهور رجل مثل نابوليون (١٠). يمكن أن نفهم إذن، ما قد يكون عليه رجل السياسة المتفلِّت من منطق الديمقراطية «المساواتية»، من الانحطاط والعدمية، إنه أميرٌ إيطالي من عصر النهضة، قارئ ماكيافيل، أكثر منه بسمارك. والصراع ضد العدمية ليس كفاحًا من أجل وطن قوي وصلب، وإنسان متألق يعيش حياة كريمة، بل هو كفاحٌ من أجل تأكيد قيمة الحياة. ما مبدأ الحياة؟ إنه ليس حتمًا كما فكَّر فيه سبينوزا، أي أن كل موجود إنما يجتهد من أجل صَوْنِ وجوده، بل كل موجود -وهذا ما يُعرف بإرادة الاقتدار- يجتهد من أجل صيرورة وجودية متزايدة التجدد (١١).
يُمَثِّلُ أفلاطون عنده «الأنموذج الاشتراكي»، أنموذج النقابيين البسماركيين والثوريين المتسلطين الذين يتسلقون كالقرود تحت وطأة عشقهم للدولة سُدَّةَ السلطة وموقع الأمر والنهي. وينظر إلى مواجهته في المطالبة بـ (أقل وجود ممكن للدولة). إن تصور وجود ظروف اجتماعية قادرة على الحؤول دون وقوع الدعارة والعوز، هو إدانةٌ للحياة نفسها، إذ ما من مؤسسة أو هيئة تستطيع أن تُلغي واقع السن أو المرض أو أية آفة، لأنها بجملتها من مسببات الحياة. وتأكيد خلاف ذلك هو فضيحة يرتكبها (الاشتراكيون المنمطون) الذين من بينهم من أسهم في ألمانيا البسماركية بولادة دولة الرفاهية عندما دفعوا بالسلطات العامة إلى أن تأخذ على عاتقها بانتظام عديدًا من قطاعات الحياة الاجتماعية (١٢). ولا يترك فرصة إلا ويكشف معها عن قدرته على (تبديل الزوايا)، إذ في الوقت الذي يمدح فيه الحشود الحربية في أزمنة غابرة تراه يتمنى لعصره نوعًا من توليف Synthese يؤسس، بعيدًا عن تقسيمات السياسيين وتقاسماتهم، لولادة أوروبا الثقافة، ويقدم بالهجوم على هوس النزعة القومية التي يوقظها باستمرار شحن السياسيين وإثارتهم العوامل اشتعالها، لقيام أوروبا جديدة على أنقاض أوروبا «الأوطان»، ومواطن أوروبي جديد يعي المستقبل ويتابع ما بدأه رجال مثل نابوليون وبيتهوفن وستاندال وفاغنر، لا يكون الوطن عندهم أكثر من فرصة أو وسيلة (١٣). وقُدِّرَ لهذه الأمنية أن ترى النور مع بروز الوجه الثاني الإيجابي في سياسة نيتشه، وجه فلورنسا مدتشي Florence des Medicis، إذ بدت السياسة فنًا واستوت إسقاطًا لصورة أو مظهرٍ على مادة وإرادة اقتدار خلافة ومبدعة.
يحمل طموح نيتشه إلى أوروبا (متجاوزة للوطنية الحادة) آثار مواطنية عالمية متحدرة من الأنوار (القرن ۱۸)، لكنّ رفضه القبول بصيغة من صيغ الجمع أو الجمل Totalisation وطي الظواهر تحت عباءة تشريع متعالٍ (مصدره الله أو الشيء في ذاته)، وتصميمه على عدِّ الاختلاف مسألة غير قابلة للاختزال والتهميش، قاداه إلى مواجهة التقاليد والسنن العقلية والرُوحية التي أسهمت في القرنين ۱۸ و ۱۹ في توليد الأفكار المُحددة لمصير التاريخ وغايته، يقول: الإنسانية لا تتقدم، حتى إنها غير موجودة، والمشهد الإجمالي لا يتعدَّى مختبرًا واسعًا للتجارِب، يرافق فيه النجاح بعض الأشياء المنثورة على امتداد الأزمنة، أشياء أخرى تفشل، مختبرًا يفتقر إلى النظام والمنطق ويخلو من كل ارتباط أو التزام (١٤). كأنَّ العالم مثل توالي ضربات أحجار النرد؛ تلك هي الصيرورةُ التي يريد أن يقبلها ويرى في التعصب لها ما تشترك فيه مع الثورة والأخلاق. وعليه، يكون المُختار اعتماد موقف يتمثلُ الفقيه اللُغوي الذي يقرأ نصًا، مقتصرًا في قراءته وفهمه على النص نفسه في مواضعة ألفاظه وعباراته دون الانزلاق في متاهات التفسير والتأويل(١٥).
وكانت الانتخابات العامة والمساواة في الحقوق عنده بمكانة تهديداتٍ للنخب الخلاقة والمبدعة، وقد وجد عند عدد من الكتاب ما يُغذي تشاؤميته هذه، بينهم بودلير في نصوص له هي الأكثرُ هجاء مع ما هي عليه من تأنق وتكيس يائسين، كما وجد في تصوير دوستويفسكي للإرهابيين المتعصبين Les possedes مثالًا حيًا للعدمية الكاملة التي تسعى في تحقيق المساواة عن طريق القتل والاغتيال، والعالم الذي تطل بشائره سوف يكون عالم العبودية والموت: طاعة كلية، ضياع كُلي للشخصية، لكنْ مع كل ثلاثين عامًا تنفجر الانتفاضات والاضطرابات السياسية إذ الجميع على استعداد للتناهش من أجل هدف وحيد هو إبعادُ الضجر، وعشية سقوطه في حالة من الجنون (۱۸۸۹) أغرقته في الصمت لعشر سنوات، أعلن أن حروبًا ستحصل لم يسبق أنْ حصل مثيلٌ لها على الأرض (١٦). وكان بإعلانه صاحب رؤية استشرافية نبوئية لأوروبا الحروب العالمية .
ومثل هذه الرؤية «التشهيرية» تجدُ ما يُبررها في سياسة نيتشه؛ صحيح أن نقده لاشتراكية أفلاطون قد جاء باسم الفرد، لكنَّهُ لم يحصلْ بمنطق فرداني Individualiste. فصورة المجتمع الذي يتمناهُ ليست صورة مجتمع أفراد، بل مجتمعٌ يجد فيه الفرد المميز والاستثنائي (الفنان، نيتشه نفسه) بمنأى عن خطر الانسحاق تحت «سنابك» الجمهور. وبالطريقة عينها، كما أشار فنسان دي كومب، لم يمرْ مديحه لأوروبا على حساب ألمانيا وللأوروبي على حساب القومي دون غموض والتباس، إذ على ما يبدو لم يقطعْ مع مفهوم السيادة الذي ورثه عن أحد التقاليد السياسية الألمانية الذي يرى إلى السيادة تسلطًا، حدوده هي حدودُ قوة من يتولَّاه ويمارسه. (۱۸) بهذا المعنى يجب ألَّا نُخدع بإحالة نيتشه إلى الأنوار، فرفضه المطلق لأفكار روسو، الذي يرى إلى السيادة وثيقة الصلة بالقانون وبالإرادة العامة لأفراد متساوين، يحمل كثيرًا من الدلالة إذ يكشف أن السياسة عنده لا يُمكن أن تنهض من خارج الوعي لعلاقات التسلط والخضوع التي تنبثق عن الحياة، وأن رفضه لكلِّ قاعدة متولدةٍ من خارج الحياة يُفضي حتمًا إلى تثمين التسلط بوصفه حاصلًا اجتماعيًا مؤسسًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش ومراجع:
(1-2) Oeuvres philosophiques complètes, éd. Gallimard, (1.XIV), p.370 et 37.
(3) “Vérité et mensonge dans le sens extra moral”
1) La “chose en soi” ou noumene, par opposition au phé nomène, désigne chez Kant la réalité non-empirique que possède l’être véritable.
(4) Oeuvres complète… (t.XIV) p. 116. 14, 152.
(5) Mare Aurele, pensées, livre IV, 4, livre VI, 14, 44, liv-re IX, 14, 12, 23, livre X, 6, texte établi et traduit par A.1. Trannoy, les belles lettres, 1925,
(6) Généalogie de la morale, Ze dissertation, p. 12.
(7) Oeuvres philosophiques complètes (t.XIV) p. 153.
(8) La généalogie de la morale, 2e dissertation p. 17.
(1) كما في الدول، والمؤسسات الدينية والقبائل إلخ.
(10) Par delà bien et mal, p.199.
(11-12) Oeuvre complètes., p. 114 et55 et 14.
(13) Par dela bien et mal, p.256.
(14-16) Oeuvres complètes, (t.XIV), p.177.15 et 216 et 25,379.
(17) Vincent Descombes, préface à “humain trophumain”. Coll. pluriel
(۱۸) مذهب نجد اصداءه عند ماكس فيبر راجع
Le metier et la vocation du politique, conference devant la ligue des étudiants libéraux de Munich, (1919) in. le sa vant et le politique, traduction par Julien Freund 1979.