تكوين
مقدمة:
إذا كان الجزء الأول قد انشغل بتحليل الأنثوي داخل المشروع النيتشوي، في: التمثيل، والاختلاف، والقيمة، والجنس، والذاكرة، والمسافة. فإن هذا الجزء ينتقل إلى سؤال آخر: كيف صار نيتشه ممكنًا داخل الأفق النِسْوي الحديث؟ فالمسألة هنا تتعلق بما سمح به نصه من تفكيكٍ طال البِنية الفلسفية التي استندت إليها الأبويّة الحديثة في تثبيت: الحقيقة، والذات، والعقل، والهُوية، والتسلسل الهرمي للقيم. ومن هنا يُقرأ نيتشه في هذا الجزء بوصفه منتجًا لأدوات فلسفية تجاوزت أفقه المباشر، ودخلت في صميم الجدل النِسْوي المعاصر.
ولهذا لا ينطلق هذا الجزء من افتراض انسجام بين نيتشه والنِسْوية، ولا من محاولة إدخاله قسرًا في خطاب تحرري حديث. العكس هو الصحيح: قيمة نيتشه هنا تتحدد من داخل التوتر الذي يخلقه. فهو فيلسوف يقاوم المساواة الحديثة في مواضع كثيرة، ويحتفظ داخل نصه بتصورات عن المرأة والاختلاف الجنسي لا يمكن قبولها نسويًا من غير تحفظ، لكنه يهدم في الوقت نفسه، الأسس التي منحت الأبويّة شرعيتها الفلسفية. ومن هذه الجهة بالذات دخل إلى النقاش النِسْوي، بوصفه مفكرًا كشف البِنية التي جعلت إخضاعها ممكنًا.
وعلى هذا الأساس يتغير السؤال نفسه. ففي الجزء الأول كان السؤال: كيف تَتَكَوَّنُ المرأة داخل خطاب نيتشه؟ وكيف ترتبط بالقوة، والرغبة، والتفاوت، والمعنى؟ أما هنا فالسؤال هو: ماذا يحدث حين تغادر مفاهيم نيتشه حدود مشروعه، وتدخل إلى نِسْوية تبحث عن أدوات لنقد الجوهرانية، والميتافيزيقا، ومركزية العقل، وادعاء الكلية؟ ومن هنا يتصدر هذا الجزء سؤال التحول النِسْوي بوصفه سؤالًا فلسفيًا في المقام الأول. فالتحول المقصود لا يعني تغير صورة نيتشه عند قارئاته، ولا محض انتقال في أساليب التأويل، وإنما يعني تحول وظيفة نصه نفسه: من نص يُقرأ بوصفه حاملًا لأحكام جارحة وصور إقصائية عن المرأة، إلى نص يُقرأ أيضًا بوصفه حاملًا لأدوات تفكيك فعالة ضد البِنية التي أنتجت تلك الصور. وهذا ما يجعل نيتشه موقعًا مزدوجًا داخل النِسْوية المعاصرة: موقع مقاومة وموقع إمداد في آن. فهو يقاوم النِسْوية من داخل منطقه القيمي والسياسي، ويمدها في الوقت نفسه، من داخل نقده للحقيقة والهُوية والثبات، بأدوات يصعب الاستغناء عنها في مشروعها ما بعد الحداثي. ومن هنا تتحدد صعوبته الحقيقية: ليس حليفًا يسهل ضمه، وليس خصمًا يسهل طرحه خارج النقاش.
وبهذه الأرضية يبدأ هذا الجزء أول عناصره: نيتشه والتحول النِسْوي. والمقصود بهذا العنصر ليس تسجيل حضور نيتشه في النِسْوية ما بعد الحداثية، بل تحليل الشروط التي جعلت هذا الحضور ممكنًا، والمفاهيم التي حملته، والحدود التي ظلت تقاومه. فالغاية هنا ليست ردّ النِسْوية إلى نيتشه، ولا ردّ نيتشه إلى النِسْوية، بل بِناء موضع الاشتباك بينهما في المستوى الذي تتحدد فيه قضايا الحقيقة، والتمثيل، والاختلاف، والتعدد، والتحرر. وعند هذا المستوى يظهر نيتشه لا بوصفه جوابًا، وإنما بوصفه مشكلة فلسفية لا تزال النِسْوية الحديثة مضطرة إلى المرور بها، سواء أرادت استعماله أم مقاومته.
هل نيتشه حاضر بما يكفي؟
تكمن أهمية نيتشه في الأفق النِسْوي في أنه زعزع الأسس الفلسفية التي استندت إليها الأبويّة الحديثة في تثبيت سلطتها. فقد هاجم الحقيقة الثابتة، وطعن في وَحْدة الذات، وخلخل مركزية العقل، وكشف تواطؤ الميتافيزيقا مع كل خطاب يدّعي امتلاك الجوهر والمعيار والكلية. ومن هذه الجهة تحديدًا صار نصه قابلًا لأن يُعاد استعماله داخل النِسْوية المعاصرة، لأنه زعزع البِنية التي جعلت إخضاعها يبدو طبيعيًا وعقلانيًا ومشروعًا لا لأنه أنصف المرأة.
وقد وجدت النِسْوية ما بعد الحداثية في نيتشه ما لم تجده في كثير من خطابات الحداثة. لم تجد عنده برنامجًا أخلاقيًا لتحرير المرأة. وجدت عنده هدمًا للأساس الذي بنت عليه الحداثة يقينها بالعقل، والذات، والحقيقة، والمعيار الواحد. ولهذا أمكن أن تلتقط فيه صوتًا قريبًا من مشروعها النقدي، لأنه عمل على كشف الثغرات والفجوات داخل المؤسسة الفكرية التي نصّبت العقل مرجعًا أعلى، وأضفت على المركز سلطة المعنى وشرعية الاستبعاد[1].
وهنا يكتسب سؤال ديونيسيوس دلالته الفعلية. فالمرأة لا تظهر عند نيتشه موضوعًا اجتماعيًا مباشرًا فقط، وإنما تظهر موضعًا يتقاطع فيه المظهر، واللغز، والحقيقة، والتمثيل. لهذا يقول:
“هل لي أن أغامر وأقول إنني عرفت النساء؟ فهذا جزء من الميراث الديونيسي.” [2]
ويقول أيضًا:
“إن الحقيقة امرأة”[3].
هاتان العبارتان تعملان في قلب مشروعه المضاد للميتافيزيقا. المرأة تتحول هنا إلى علامة تهز صورة الحقيقة الصلبة، وتكسر دعوى الشفافية، وتزعزع الفكرة التي تخيلت الحقيقة شيئًا عاريًا من القناع، ممكن الامتلاك بواسطة عقل متعالٍ. ولهذا يتكرر حضور المرأة عنده بوصفها رمزًا لتجريدات غير بشرية، مثل الحياة والحكمة. هذا الرمز لا يعمل تزيينًا لُغويًا. يعمل أداة هدم.
من هنا اتصل نقد نيتشه للتقاليد الفلسفية الغربية، في عمقه، بنقد البِنية التي دعمت النظام الأبوي. فهو لم يهاجم هذه التقاليد لأنها أخطأت في وصف المرأة فحسب، ولكن لأنها أنتجت نظامًا كاملًا للاستبعاد، واحتكار المعنى، وتوزيع القيمة، انطلاقًا من مركز واحد يدّعي امتلاك الحقيقة. وهذا ما جعل النِسْوية ما بعد الحداثية تجد في نصوصه إمكانًا بالغ الأهمية. فقد صار ممكنًا أن تُقرأ المرأة في أفق نيتشه، بوصفها تعددًا، وتمثيلًا، وصيرورة، لا ماهية ناجزة، ولا طبيعة أصلية، ولا تعريفًا نهائيًا.
وتزداد هذه النقطة وضوحًا إذا أخذنا تصوره للحقيقة نفسها. نيتشه لا يفهم الحقيقة بوصفها جوهرًا ثابتًا خلف اللُّغة. يعيد تعريفها بوصفها
“جيشًا متنقلًا من الاستعارات”[4].
هذه الجملة تغير نمط المعرفة، وتغير صورة المرأة معها. فإذا كانت الحقيقة نفسها لا تُعطى إلا في بِناء لُغوي واستعاري متحرك، فإن المرأة أيضًا لا يمكن ردها إلى ماهية أصلية أو طبيعة ناجزة أو تعريف نهائي. عند هذا المستوى يصبح التمثيل نفسه موضع مساءلة. تصبح المرأة أثرًا من آثار اللُّغة والسلطة والتاريخ، لا كِيانًا مكتملًا سابقًا عليها. من هنا تحديدًا وجدت النِسْوية ما بعد الحداثية في نصوص نيتشه إمكانًا بالغ الأهمية، لأنها تلتقي فيها مع موضوعين حاسمين في أفقها النظري: (woman as multiple) تعددية المرأة باعتبارها مُتعدد، (woman as representation) فإذا كان نيتشه قد هدم الادعاء بأن الحقيقة شيء ثابت ونهائي، فإنه يكون قد هدم، في الوقت نفسه، الشرط الفلسفي الذي يسمح بتثبيت المرأة داخل ماهية واحدة مغلقة[5]. فإذا كان محقًا بشأن مكانة الحقيقة، فإن محاولته لبناء تمثيل جديد أو استعارة جديدة عن المرأة يمكن اعتبارها بداية لنِسْوية راديكالية جديدة. إن الدارس المتعمق لنصوص نيتشه سوف يجد أن تلك النصوص تدين إخفاقات النِسْوية الحداثية وفي الوقت ذاته توضح إمكان وجود سياسة نِسْوية تتخطى حقًا كل ما هو حداثي، فيعزز نيتشه قيمة الاستعارة، وبذلك يعزز ضمنيًا قيمة الاستعارة التي هي المرأة.
ومن هنا تكتسب فكرة الرُوح الحرة معناها الخاص. الرُوح الحرة عند نيتشه “لا تتحرر لأنها تستبدل يقينًا بيقين. تتحرر لأنها تكسر سلطان التقليد نفسه. ولهذا أمكن قراءة المرأة في أفقه، بوصفها أيضًا محمولة على تمثيل صورة مرسومة لها سلفًا. القيد لا يقع على جسدها وَحْده. القيد يقع على طريقة ظهورها في العالم. لهذا لا يتحقق التحرر حين تحتج على الصورة فقط. يتحقق حين تخرج من الصورة التي صاغها التقليد، وتدخل أفق التحول وإعادة التكوين.[6] وعند هذا المستوى تكتسب ملاحظة شوت أهميتها حين تقول إن هناك احتمالًا حقيقيًا لأن “تكون المرأة ديونسية حقيقة، بوصفها رُوحًا حرة”[7]، وبذلك قدّم نيتشه إلى النِسْوية ما بعد الحداثية أداتين حاسمتين: التمثيل السلبي لنقد الطرق المضللة من النِسْوية، والتمثيل الإيجابي للاحتفال بإمكانات جديدة للمرأة[8]. والاحتفاء بإمكانات جديدة للأنثوي خارج القوالب الموروثة.
ومع ذلك لا يجوز ردّ نيتشه إلى نِسْوية مبكرة أو خفية. هذا تبسيط يُسيء إلى النص وإلى القراءة معًا. نيتشه لم يكن يكتب دفاعًا عن النساء، ولم يكن يعلن قدوم الفكر النِسْوي، ولم يكن بريئًا من منطقه التراتبي. ولهذا كانت قراءة برجوفن ذات قيمة خاصة، لأنها ميزت بين ما قصده نيتشه وما أتاحه نصه. فهو لم يكن نِسْويًا حين لمَّح إلى أن النساء قد يمتلكن التشكك اللازم لِفَهْمِ العلاقة بين الواقع والمظهر واللغز. لكنه في الوقت نفسه، لم يكن بعيدًا عن ضرب الصلة بين الإله، والمثاليات المتشددة، والسلطة الأبوية. لقد قتل الإله فلسفيًا، وأصاب من غير قصدٍ، واحدة من الركائز التي كانت الأبويّة الحديثة تستمد منها شرعيتها[9]. هذه هي النقطة التي لا يجوز تمييعها: نيتشه لا يحرر المرأة بوصفها قضية اجتماعية مباشرة، لكنه يهدم الجهاز الفلسفي الذي كان يجعل إخضاعها معقولًا ومشروعًا.
ويتأكد هذا على نحو أكثر حدة إذا انتقلنا إلى تصوره للحقيقة والتمثيل. يقول نيتشه:
“إن العالم الحقيقي؛ فكرة لم تعد صالحة لشيء، وليست حتى بمُلزِمة ومن ثمَّ، فهي فكرة مدحضة: لنلغيها إذن!”[10]
هذه العبارة تهدم التراتب الذي بُني عليه تاريخ طويل من المفاضلات: الجوهر فوق المظهر، العقل فوق الجسد، الثبات فوق الصيرورة، والذكر فوق الأنثى. فسقوط العالم الحقيقي يعني سقوط المركز الذي كان يمنح نفسه حق تعريف الموجودات وترتيبها وتوزيع قيمتها.
ومن هنا لا يعود عالم الظواهر عند نيتشه محض ستار يحجب الحقيقة، ولا مرتبة أدنى من جوهر خفي مفارق، وإنما يغدو المجال الفعلي الذي تتكشف فيه الصيرورة، وتشتغل فيه الحواس، وتدخل فيه اللُّغة بوصفها قوة منتجة للمعنى لا وعاءً محايدًا له. ولهذا يكتب أيضًا:
“إلى أي حد يكون الحُكْم عاملًا على تقدم الحياة وحفظها، وعلى حفظ النوع، وربما على إنجاب النوع؛ وإنَّا لنميل أساسًا إلى أن نؤكد أن أكثر الأحكام بطلانًا”.[11]
هذه العبارة تنقل السؤال من مطابقة الحُكْم لجوهر ثابت إلى وظيفته في الحياة نفسها. نيتشه لا يسأل: هل الحُكْم يطابق حقيقة نهائية؟ يسأل: ماذا يفعل هذا الحُكْم؟ هل يخدم الحياة؟ هل يعاديها؟ هل يثبت القدرة؟ هل يرسخ الوهم؟ وبذلك ينقلب المعنى كله. الحقيقة تقاس بقدرتها على الاشتغال داخل العالم المتغير والمتحول. وهذا هو السبب الحقيقي الذي جعل نيتشه قابلًا للدخول في النِسْوية ما بعد الحداثية: لقد حطم الشرط الفلسفي الذي كان يسمح بتثبيت المرأة في هُوية واحدة.
إقرأ أيضًا: نيتشه: الحقيقة في متناول حواسك…!
ومن هنا كانت قيمة مسلك شوت في Nietzsche without Masks. لم تتوقف عند سؤال: هل كان نيتشه مع المرأة أم ضدها؟ نقلت النقاش إلى مستوى أكثر نفعًا وأشد صرامة. قرأت مشروعه عند النقطة التي تلتقي فيها السياسة بالميتافيزيقا، والأخلاق بنظرية المعرفة، والمرأة بمشكلة الحقيقة. ولهذا رأت أن نيتشه “يحافظ على ما يمكن وصفه أساسًا بأنه موقف مناهض للحركة النِسْوية وحول قضية المساواة الاجتماعية والسياسية على حد سواء”.[12] قيمة هذه الملاحظة أنها لا تُبرِّئه، ولا تغلق إمكان استعماله. فهي تضعه في موضعه الصحيح: نصٌّ لا يمكن تبنيه كما هو، ولا يمكن الاستغناء عنه كما لو كان هامشيًا. ثم تمضي شوت خُطوة أبعد حين تؤكد أن الدارسين، مع ضرورة تناول أفكاره بجدية، “يجب أن يتجاوزوا مشروع محاولة القراءة العادلة والملائمة له، من أجل التركيز على محاولة إيجاد استخدامات إيجابية لمشروعه أو لأجزاء منه”.[13] وبذلك تتحدد المسألة بدقة أكبر. السؤال لم يعد: هل ننصف نيتشه؟ السؤال صار: ماذا يمكن أخذه من مشروعه من غير الوقوع في منطقه السياسي نفسه؟
وتبرز أهمية ألكوف أكثر حين تنقل عن شوت أن خطاب التحرر لا يستطيع أن يستبدل ثنائية بأخرى، ولا أن يحتفظ باتجاه غائي أو بتسلسل هرمي للقيم، من غير أن يعيد إنتاج صورة جديدة من القمع. هذه الفكرة تكشف لماذا بقي نيتشه مُهمًا رغم مأزقه[14]. لقد علّم النِسْوية ما بعد الحداثية أن التحرر الذي يتكلم بلغة الخلاص النهائي، أو الحقيقة النهائية، يُعيد بِناء السجن في صورة أخرى. ولهذا صار التعدد، واختلاف المنظورات، والاعتراف بتنوع أنواع التحرر، جزءًا من الأفق الذي أمكن بناؤه على أنقاض الميتافيزيقا التي هدمها نيتشه[15] ، من هنا لا تتحدد قيمته في أنه منح النِسْوية مضمونًا جاهزًا. تتحدد قيمته في أنه منعها الاطمئنانَ إلى أي مضمون نهائي، ودفعها إلى مساءلة خطابها كلما أوشك أن يتحول إلى يقين جديد.
وعند هذا الحد فقط تتحدد القيمة الفلسفية الفعلية للتحول النِسْوي في نيتشه. فهو لم يتحول إلى مورد نِسْوي لأنه سبق النِسْوية أو نطق باسمها. تحول لأنه زعزع الشروط التي جعلت الخطاب الأبوي يبدو عقلانيًا، وطبيعيًا، وكونيًا، وغير قابل للمساءلة. لقد فكك الحقيقة المتعالية، وخلخل الهُوية، وفتح إمكان التفكير في المرأة بوصفها تمثيلًا، وتعددًا، وصيرورة. وفي الوقت نفسه ترك داخل نصه تراتبًا حقيقيًا، ونزوعًا إلى القوة، وآثارًا لا يمكن محوها بقراءة متعاطفة. ولهذا يظل نيتشه في هذا الموضع، ليس جوابًا نسويًا، وإنما أزمة فلسفية نِسْوية بامتياز.
المرأة بين التفوق الثقافي وتحول القيم:
يتحدث نيتشه عن التفوق الثقافي بوصفه مبدًا لترتيب العالم وتوزيع القيمة. ولهذا يكتسب مفهوم الأوروبي الخيّر أهميته داخل مشروعه، لأنه يشير إلى وعي ثقافي يرى أقدر على التقاط الفوارق، وأسرع إلى تمييز الرتب، وأشد ميلًا إلى إعادة تنظيم المجال الإنساني. ومن هنا يرد قوله عن الكنيسة الرومانية إنها ترتكز على “الارتياب الجنوبي بخصوص الطبيعة الإنسانية“[16]، وهو قول يكشف مبكرًا أن نظرته إلى الشمال والجنوب تتحرك داخل خيال قيمي يربط الجغرافيا بالمزاج، ويحوّل الاختلاف إلى سلّم ضمني للتراتب. ثم يعلن في موضع آخر:
“إن الخاصية القادرة على كشف التراتبية بسرعة، ندّعيها نحن الأوروبيون بوصفها خاصيتنا.” [17]
أبالغ في الأمر إذا أجزمت على أن أساس الصراع البشري منذ البداية يكون بسبب التدرج الاجتماعي القائم على اللا عدالة أين كانت أسبابه ودوافعه سواء كانت دينية أو سلطوية.
ومن هنا لم يكن غريبًا أن يصبح التفوق الثقافي أحد أكثر المواضع التباسًا في فلسفة نيتشه. ولهذا تلتقط شوت أن الأوروبي الخيّر في رؤيته “هو المتفوق ثقافيًا، وأن مفردات مثل: الأعلى والأدنى ليس دائمًا مصطلحًا وصفيًا، وفيما يتعلق بتقييم الثقافات، فالثقافة العالية بمعني النبيلة، وكذلك الأضداد (دنيا، عادية، مبتذلة) هي مصطلحات معيارية وسياسية، وهو جزءٌ من نص إيديولوجي يتطلب منا فك التشفير.“[18] ويتضح بذلك أن خطاب نيتشه يدخل في صلب سياسة ثقافية ترى أن بعض صور الحياة أرقى من غيرها، وأن بعض أنماط الوجود أحق بالقيادة من غيرها. ولذلك يبقى السؤال: ما السلطة التي يمنحها لهذا المفهوم؟ ومن الذي يملك حق تعريفها أصلًا؟
إقرأ أيضًا: تطرف النسوية
وتزداد خطورة هذا الخطاب أكثر حين ينتقل من التراتب الثقافي إلى أثره العملي. فالفكرة التي تُصاغ في هيئة مثل أعلى رفيع قد تنقلب في التطبيق، إلى خطاب مترفّع يخفي فراغه تحت لُغة الاصطفاء والتفوق. ولهذا يُفضي هذا النمط من الكلام، إلى “كشف الخطاب المترفع بوصفه جُهدًا فارغًا، إذ قد يتحول إلى محض ادعاء بالانتماء إلى جماعة منتقاة، أو إلى تخفيض مستمر لقيمة الآخرين في صورة تبدو بطولية.” [19] وهنا يتبدَّى المأزق الحقيقي: يقدم نيتشه بذلك إلينا كلًا من: الأسطورة السياسية والأخلاقية في صورة منمقة، ولكنها مع أن أثرها العملي قد يكون تدميريًا، لأنها تمنح الامتياز مظهر الضرورة، وتمنح الاستبعاد غطاء القيمة.
ومن هنا يكتسب نقد شوت بُعْدًا أشد حِدَّةً، لأنه يفضح المحظور الإمبريالي الكامن في خطاب نيتشه عن التفوق الثقافي الأوروبي. ففكرة الأوروبي الخيّر لا ترفع أوروبا ثقافيًا فقط، وإنما تضعها في مركز يوزع القيمة على بقية العالم. عند هذه النقطة تغدو الهند، وأفريقيا، والشرق الأدنى، ومنطقة البحر الكاريبي، وأمريكا الجنوبية أطرافًا تُقاس من خارجها وتُحاكم بمعيار لا تصنعه بنفسها. لهذا لا يبقى التفوق الثقافي عند نيتشه فكرة حضارية مجردة. يصير ترتيبًا سياسيًا للعالم[20]. تزداد هذه المسألة حِدَّةً حين نلاحظ ترتيبه: الرجال أعلى من النساء، والأوروبيون أعلى من الآسيويين، وبعض الأوروبيين أعلى من بعض[21]. هذه ليست ملاحظات متناثرة. هذه بِنية كاملة في التفكير: ربط العلو بالقيمة، وربط القيمة بالثقافة، ثم منح هذا الربط مظهر الضرورة.
ويزداد هذا المأزق وضوحًا حين ندخل موضع المرأة داخل هذا الترتيب. فحين يربط نيتشه التفوق بالثقافة، ويربط الثقافة بالرتبة، تصبح المرأة داخل هذا البِناء لتكشفه. ويتضح ذلك في قوله: نتمنى ألا تستمر المرأة في فضح نفسها بالتنوير،”[22] وفي صيغته الأشد قسوة حين يستعيد المرسوم الكنسي: “فلتخرس المرأة في الكنيسة”، أو “دور المرأة هو أن تلتزم الصمت في السياسة.”[23] إنه يريد ثقافة عُلْيا، ورؤية فلسفية أرفع، لكنه لا يستطيع أن يخرج خروجًا حاسمًا من التصور التقليدي لأدوار الجنسين. ومن هنا تصير المرأة داخل مشروعه موضع كشف، لأن الخطاب الذي يعلن تقويض القيم السائدة يعود عند هذه النقطة، إلى حماية أحد أكثر صورها رسوخًا.
ومن هذا الموضع نفسه قرأت شوت النخبوية عند نيتشه، فهي ترى أن أيديولوجيته نخبوية فعلًا، وإن لم تكن نخبويته من النوع الفجِّ الذي يختزل النخبة في المال أو القوة العسكرية. وهذا صحيح؛ لأن نيتشه لا يمدح السيادة الاقتصادية المجردة، ولكنه يمدح ما يراه تفوقًا نفسيًا وفلسفيًا وقيميًا[24]. غير أن هذا يعمق المأزق. فالإمبريالية هنا تأتي في صورة سلطة أخلاقية للرؤية الفلسفية، أي في صورة من يدّعي أنه يرى أبعد، ويفهم أعمق، ويملك حق ترتيب العالم بحسب درجاته. ومن هنا يصبح خطاب الرُتَبِ عنده مُضللًا بقدر ما هو جذاب؛ لأنه يلبس الهيمنة لباس السمو، ويحوّل الامتياز إلى مُهمة ثقافية.
ولهذا يكتسب حديث نيتشه عن النبل موقعه الحاسم داخل هذا العنصر. فالنبيل عنده لا يُعرَّف عن طريق الثروة أو النفوذ الظاهر فقط، ولكن بالقدرة على خلق القيمة وفرض المعنى. ولهذا يكتب أن “الثُلَّةَ النبيلة كانت في البِدء ثُلَّةً من البرابرة”[25] وأن تفوقها يكمن في القوة النفسية، ثم يعلن بوضوح أن “الحياة هي جوهريًا استيلاء وانتهاك، وفي أرحم الحالات، استغلال”. ويذهب أبعد حين يُقرر أن “الجنس النبيل من البشر يحسب نفسه معيّنًا للقيمة”[26]. ومن هنا تصير المرأة مرة أخرى، الحد الذي يختبر هذا المنطق، لأن المشروع الذي يمنح النخبة حق خلق القيمة لا ينجح في تحريرها من التراتب الجندري الذي يبقيها في موقع الخضوع أو الصمت.
ومن هذه النقطة يبدأ الانتقال إلى تحوّل القيم. فسياسة نيتشه الثقافية لا تنفصل عن مشروعه الأوسع في إعادة تقييم القيم على أسس مغايرة. والمقصود هنا هو المساس بالأساس الذي يجعل القيم تبدو نهائية وثابتة وواجبة التسليم. ولهذا يكتب نيتشه في شفق الأوثان: “إنني فاقد الثقة في كل المنهجيين وأتحاشاهم، إن الرغبة في وضع منهج هي افتقاد للنزاهة”[27]. لنكتشف أنه يريد تفكيرًا يظل وفيًا لتحول الوجود وتعقيده.
وعند هذه النقطة يكتسب الاختلاف الجنسي دلالته الفلسفية الخاصة. فبرجوفن تشير إلى أن نيتشه لا يختزل هذا الاختلاف دائمًا في حتمية بيولوجية بسيطة، لأن نصه يربط في بعض المواضع، بين علاقة النساء التشككية بالحقيقة وعلاقة الرجال الدوغمائية بها[28]. هذا لا يجعل نيتشه مفكرًا نِسْويًا، لكنه يكشف أن المرأة لا تدخل مشروعه دائمًا بوصفها موضع نقص، ولكن قد تدخل أيضًا بوصفها موضعًا يربك يقين الحقيقة الصلبة ويفضح التعلق الذكوري باليقين المغلق. وهذا هو السؤال الذي يضعه أمام النِسْوية بأقصى حِدَّةٍ: كيف تُهدم القيم من غير أن تُعاد صياغة الهيمنة في صورة جديدة؟
وعلى هذا الأساس لا تنفصل إشكالية التفوق الثقافي عند نيتشه عن إشكالية تحوّل القيم، لأن كليهما يصدر عن السؤال نفسه: من يملك حق التقييم، ومن يملك حق ترتيب العالم، ومن يُدفع إلى الصمت حين يبدأ هذا الترتيب في العمل؟ هنا تبقى المرأة أكثر من شاهد على تناقضات المشروع؛ إنها المعيار الذي ينكشف عنده صدق هذا المشروع وَحْده في آن واحد. فعندها يظهر أين يملك نيتشه شجاعة الهدم، وأين يتراجع أمام واحد من أكثر أنساق التراتب رسوخًا. ولهذا فهو يضع النِسْوية في اختبار صعب: أن تستخدم قوة التفكيك التي يفتحها، من غير أن ترث منطقه في الرتب والامتياز والهيمنة.
نيتشه بين السياسة والتحرر:
تبدأ القيمة السياسية لنيتشه في الأفق النِسْوي، من الموضع الذي تصبح فيها المرأة امتحانًا حقيقيًا لفلسفته. فعندها لا يظهر نيتشه ناقدًا للثقافة الحديثة أو هادمًا لليقين السائد فقط، ولكنه يظهر نصًّا متوترًا يكشف في اللحظة نفسها، قدرة واضحة على تفكيك الهيمنة، وعجزًا واضحًا عن الإفلات الكامل من بعض صورها[29]. ومن هنا يُقرأ نيتشه بوصفه موضع اختبار: ما الذي يستطيع هذا الفكر أن يقدمه فعلًا إلى أي مشروع تحرري، وما الذي يعجز عن تجاوزه في الوقت نفسه؟
وترى شوت أن خُلاصة النظرية السياسية عند نيتشه تقوم على أن الانحطاط هو السمة الأساسية للعصر الحديث، وأن مقاومته هي المُهمة التاريخية الحاسمة التي توجه فلسفته. ولهذا ينتقل من نقد الثقافة المعاصرة إلى الدعوة إلى تغيير سياسي واجتماعي أوسع،[30] ويقول: “إن الحركة الديمقراطية الأوروبية ومن دون قصد مشروع لتربية طغاة، بكل معنى الكلمة، بما فيه المعني الأكثر رُوحية.”[31] ومع ذلك تقرأ شوت هذه الحدة بوصفها سببًا يجعل الإفادة منه مشروطة بشجاعة نقدية مضاعفة: الاعتراف أولًا بما في خطابه من رجعية واستبعاد، ثم النظر بعد ذلك فيما يتيحه من قوة تفكيك.
ومن هنا تكتسب ملاحظات ألكوف وزنها الحقيقي. فهي تعترض على تصوير نيتشه بوصفه مفكرًا كاسرًا للتابوهات على نحو تحرري، وتتساءل بصراحة: ألم تكن كراهيته للمرأة ونخبويته الأوروبية أمورًا تقليدية جدًا في زمنه وفي زمننا؟[32]. وبهذا الاعتراض تنقل النقاش من الاحتفاء بحدة نيتشه الخطابية إلى مُساءلة مضمونه السياسي نفسه ثم تمضي أبعد من ذلك حين ترفض إمكان فصل الظاهر عن المضمون على النحو الذي يسمح بالاستفادة من القوة التفكيكية في خطابه مع التغاضي عن نتائجه. ولهذا تستدعي، عبر هيجل، التحذير من النفي المجرّد الذي يظل شكًّا صوريًا لا يفتح طريقًا فعليًا للتحسن، ولكن قد ينتهي إلى صورة من العدمية التي أراد نيتشه نفسه أن يتغلب عليها.
من هنا يمكن أن نختصر موضع الخلاف على نحو أدق: المسألة لا تتعلق بتقديم نيتشه بوصفه مشروعًا تحرريًا جاهزًا، ولا بتجاهل رجعيته، وإنما بمدى ما يُمكن أن تقدمه نظريته المعرفية من عون لسياسة تقدمية لا تتحول بدورها إلى دوغما جديدة[33]. ولهذا نرى أن فكر نيتشه قد يكون مفيدًا جدًا، لكنه لا يكفي وَحْده، وأن أهميته تكمن في منحه الخطابات التحررية نفسها أداة ضد تصلبها الأخلاقي والمفاهيمي،[34] لأن بعض حركات التحرر قد تتحول هي أيضًا إلى قوى ترى نفسها أقوم من غيرها[35]. وعند هذه النقطة يغدو هدم نيتشه للثوابت ذا قيمة، بوصفه قوة نقدية تمنع الخطاب التحرري من الانغلاق داخل يقين جديد.
وعند هذه النقطة يكتسب استدعاء كوفمان معناه. فهو يذكّر بأن موقف نيتشه لا يُفهم بقراءة شذرات معزولة، ولكن من داخل فلسفته كلها. ولهذا يشير إلى قوله: “أن كل ما يُسمى وعينا هو تعليق رائع إلى حد ما على نص معروف، ربما غير معروف، لكنه محسوس”[36] ثم يوضح أن هذا لا يعني انشقاقًا حادًا بين الجسد والرُوح، إنما يدل على رفض نيتشه لأي فصل كامل بينهما. أهمية هذه الملاحظة أنها تعيدنا إلى نواة مشروعه: نيتشه يهدم القيم التقليدية من أجل إعادة بِناء أفق الإنسان من داخل الحياة نفسها. ولهذا يبقى الإنسان الأعلى في أفقه، صورة للكائن الذي يحطم القيم والمعايير الموروثة ولا يكتفي بتعديلها.
ومن هنا تدخل المرأة في صلب هذا المشروع. فهي تظهر عند نيتشه بوصفها موضعًا يكشف إمكانات خطابه وحدوده معًا. ولهذا يكتب: “المرأة الحقيقية لا تستسلم”.[37] ويقول أيضًا: “إن قدرة المرأة على استيعاب الأطفال تجعلها تفهم الرجل لأنه أكثر صبيانية من المرأة، فداخل كل رجل حقيقي يختبئ طفل، هلمّوا أيتها النساء، ولتكشفن عن الطفل في الرجل!”[38] ثم يدفع هذه الصورة إلى أقصاها حين يكتب: وليكن رجائكن: “ليكن لي أن أصير الأم التي ستلد الإنسان الأعلى! وليكن حبكّن شجاعة![39] تمنح هذه الأقوال، في بعض المواضع، طاقة رمزية ووجودية وأخلاقية عالية، تربطها أحيانًا بإمكان تجاوز الإنسان الراهن نفسه. ولهذا يعلق فتحي المسكيني قائلًا: “بأن نيتشه يدعو المرأة إلى تغيير قِبلتها فلا يكون الرجل هو قِبلتها الوحيدة، على المرأة أن تغّير مستقبلها بالحب الشجاع.”[40] وكي تكون المرأة شُجاعة عليها أن تَسْبُر في أعماق نفسها.
ويتعزز هذا المعنى حين يكتب نيتشه: “هناك اعتقاد بأن المرأة عميقة، لماذا؟ لأن المرء لا يلمس لها قاعًا”.[41] هنا ينقلب منطق التبسيط الذكوري الذي يتعامل مع المرأة بوصفها سطحًا معلومًا ومكشوفًا. ولهذا يقرأها المسكيني على أن المرأة ليست سطحية إلا من وجهة نظر جندر رجولي يخاف على هُويته التي تكوَّنت في صراع عنيف مع النساء.[42] من هنا تغدو المرأة موضعًا يُربك تعريف الرجل لنفسه، ويكشف أن صورة المرأة قد تكون، في كثير من الأحيان، أثرًا من آثار خوفه لا كشفًا لحقيقتها.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد. فحين يُتهم النساء بإفساد الرجال، يجيب نيتشه بأن “الرجال هم الذين يفسدون النساء، وكل فشل يعتري النساء يجب أن يكفّر عنه الرجال وأن يصلحوه”،[43] هذه العبارة شديدة الأهمية، لأنها تنقل المسؤولية من المرأة إلى البِنية الذكورية التي تنتج صورتها وتحدد شروط فشلها. ويزداد المعنى التباسًا وثراءً حين يقول إن ما يبعث على احترام المرأة أنها “أشدّ التصاقًا بالطبيعة” من طبع الرجل.[44] هنا يربط نيتشه المرأة في بعض المواضع بمنبع الحياة الذي يظل الفكر الذكوري أقل قدرة على احتماله أو الاعتراف به. وهذا التوتر هو ما يجعل قراءته صعبة مثمرة في آن واحد: فهو يمنح المرأة، في مواضع، طاقة وجودية عالية، ثم يعود في مواضع أخرى إلى تصورات تعيدها إلى المواقع التقليدية نفسها.
ويظهر هذا التوتر أيضًا حين يكتب عن الرجل والمرأة معًا: “الأول كفء للحرب، والثاني للولادة، لكنهما كُفئًا كلاهما للرقص بالقدمين وبالرأس، وليكن يوما ضائعًا من حياتنا كل يوم لا نرقص فيه مرة واحدة! [45] هنا نكتشف حدّ الاختلاف حين يظل محكومًا بتوزيع الأدوار القديمة، لكنها تفتح، في الوقت نفسه، إمكانًا آخر أكثر مرونة، حين تردهما معًا إلى الرقص، أي إلى الفن والخفة والقدرة على تجاوز القسمة الصلبة بين الوظائف. ولهذا يمكن القول إن المرأة عند نيتشه هي موضع توتر دائم بين الاستعارة، والاختلاف، والقدرة، والقيد.
ومن هنا يجب قراءة أقواله الأكثر التباسًا، مثل قوله إن “الصراع من أجل مساواة الحقوق هو في ذاته عرض مرضيّ”[46] أو ملاحظاته عن أنوثة المرأة واعتراضها على القوانين. هذه الأقوال لا يجوز إنكارها أو تلطيفها. لكنها لا تختصر خطابه كله أيضًا. ففي حديثه عن الصداقة والزواج والحب[47]، تظل المرأة عنده كائنًا قادرًا على التوهج والتفوق والذهاب بعيدًا في العاطفة والمعنى. وحين يقول: “لأفضل صديقٍ ستكون أفضل زوجة، لأن الزواج الموفق يرتكز على أهليّة الصداقة”.[48] ويقول أيضًا: الصداقة الجيدة عندما يكنّ المرء للآخر احترامًا يفوق احترامه لنفسه، ويحبه، لكن أقل من محبته لنفسه[49]. قد يقصد أن المرأة حين تُحب تُفني ذاتها في الآخر ولذلك هي تستطيع الحب بحسب طبيعتها ولا تقوي على الصداقة. فهو يكشف أن العلاقة بين الرجل والمرأة لا ينبغي أن تُبنى عنده على الامتلاك فحسب، وإنما على مستوى أعلى من التقدير المتبادل، حتى وإن ظل هذا الأفق محكومًا أحيانًا بتصورات تقليدية أخرى.
ويبلغ هذا التوتر ذروته في حديثه عن التربية. فهو لا يقصرها على الرجل وَحْده، ولكنه “نادى بالتربية لكل من الرجل والمرأة على حد السواء، ولكنه أنه يميل وبشده ناحية المرأة إن طبيعة الرجل إرادة، أمَّا طبيعة المرأة قبول، هذا ناموس الأجناس، قاس على النساء، يملك كفاية من المسح والرأفة على النساء، الأمر يتعلق بأن نربي النساء أفضل الأمر متعلق بأن نربي الرجال أفضل.[50] ولهذا لا يمكن اختزال حضوره في خطاب عدائي صرف تجاه المرأة، لأن نصوصه نفسها تفتح مواضع تتيح إعادة قراءة المرأة من داخل القوة، والشجاعة، والولادة الرمزية للإنسان الأعلى. وحتى حين يربط صورة المرأة بصورة الأم، “كل إنسان يحمل في ذاته صورة من المرأة التي تأتيه من أمه: وهي التي تحتم عليه احترام النساء عمومًا.[51] إن هذا يكشف أن أصل علاقة الرجل بالنساء يتكون منذ البداية داخل بِنية وجدانية عميقة تحدد احترامه أو ازدراءه أو لا مبالاته بهن. ومن هنا تصير الأم في بعض المواضع، ترياق الحياة، لا فقط وظيفة بيولوجية.
وعلى هذا الأساس لا يمكن قراءة القيمة السياسية لنيتشه بوصفها قيمة مستقرة أو مطمئنة. إنها قيمة إشكالية، تمنح الفكر التحرري أدوات حادة لتفكيك التقاليد المفاهيمية والدوغماتيات الراسخة، وتعيد في الوقت نفسه إنتاج بعض منطق التراتب داخل لُغة السمو والنبل والقيمة. ولهذا تظهر المرأة في نصه شاهدًا ثانويًا على هذا التوتر، وفي حين آخر، تكون الموضع الذي ينكشف فيه بأوضح صوره. فعند المرأة يتضح أين يذهب نيتشه بعيدًا في هدم الثوابت، وأين يتراجع أمام واحد من أعمق أنساق السيطرة رسوخًا. حاولنا أن نكشف الحدّ الذي يبلغ عنده مشروع نيتشه أقصى قوته النقدية، والحدّ الذي يبدأ عنده عجزه عن التحرر الكامل من منطقه نفسه.
خاتمة:
ينتهي هذا البحث إلى أن العلاقة بين النِسْوية ونيتشه لا تستقر داخل حكم واحد، لأن نيتشه نفسه لا يستقر داخل صورة واحدة. فقد كشف الجزء الأول أن الأنثوي في خطابه ليس تفصيلًا عارضًا ولا هامشًا لُغويًا يمكن تجاوزه بسهولة. وكشف الجزء الثاني أن أهمية نيتشه في الأفق النِسْوي المعاصر لا تعود إلى أحكامه المباشرة عن المرأة، بقدر ما تعود إلى أثره العميق في تقويض البِنية الفلسفية التي منحت الهيمنة الذكورية مشروعيتها، وثبّتت صور العقل، والذات، والهُوية، والمعيار، بوصفها حقائق مكتملة لا تقبل المساءلة. ومن هنا لم يظهر نيتشه في هذا البحث فيلسوفًا يمكن ضمه بسهولة إلى النِسْوية، كما لم يظهر خصمًا يمكن استبعاده من غير خسارة فكرية حقيقية، ولكنه ظهر بوصفه عُقْدَةً فلسفية مُنتجة، يفتح إمكانًا نقديًا واسعًا، ويترك في الوقت نفسه ما يفرض مقاومته.
ولذلك لم تكن قيمة الاشتغال على نيتشه هنا كامنة في إعادة فرز نصوصه إلى ما هو مع المرأة وما هو ضدها، لأن هذا الفرز، على بساطته الظاهرة، يضيّع طبيعة المسألة نفسها. الذي كشفه هذا البحث هو أن المرأة عند نيتشه تقوم بوظيفة كاشفة على مستويين في آن واحد. فهي تكشف أولًا حدود التراث الفلسفي الغربي الذي أعاد إنتاج الهيمنة تحت أسماء الكلية، والموضوعية، والعقل، والطبيعة. وهي تكشف، ثانيًا، حدود المشروع النيتشوي نفسه حين يتقدم بقوة في هدم الثوابت، ثم يتباطأ أو يتعثر أو يتراجع أمام بعض أنساق التراتب الراسخة في تصوره للقيمة والاختلاف. ولهذا تحولت المرأة في هذا البحث، من موضوع داخل النص إلى معيار تُختبر عنده الفلسفة ذاتها: قدرتها على النقد، وقدرتها على الإفلات من موروثها، وقدرتها على ألا تعيد إنتاج ما تعلن تقويضه.
ومن هنا تتحدد النتيجة المركزية لهذا البحث: نيتشه ليس مصدرًا لخطاب نِسْوي جاهز، ولا سَندًا أخلاقيًا مريحًا، ولا اسمًا يمكن توظيفه من غير مساءلة. إن قيمته الحقيقية تتجلى في كونه يضع النِسْوية أمام امتحان من نوع خاص. فهو يمنحها أدوات قوية لتفكيك الميتافيزيقا، ونقد الثبات، وخلخلة ادعاءات الحقيقة النهائية، ثم يضعها في الوقت نفسه أمام خطر حقيقي: خطر أن تنقلب طاقة الهدم نفسها إلى صورة جديدة من التراتب إذا لم تُراجع شروطها من الداخل.
لهذا يثبت نيتشه في خاتمة هذا البحث، أنه ليس اسمًا يُضاف إلى تاريخ الفلسفة النِسْوية من الخارج، ولا محض خَصْمٍ تتحدد قيمته بما يثيره من اعتراض. إنه مِفَصَلٌ نَقدي حاد، يعيد طرح أسئلة الفلسفة من داخل أخطر مناطقها: من داخل الحقيقة حين تتكلم لُغة السلطة، ومن داخل القيمة حين تتخفى في صورة معيار، ومن داخل الاختلاف حين يتحول إلى ذريعة للتراتب، ومن داخل التحرر حين يوشك أن يغدو سلطة جديدة على ما يدّعي تحريره. وعند هذه النقطة تحديدًا تبلغ النِسْوية معناها الفلسفي الأعمق: حين لا تكتفي برفض الهيمنة، وحين لا تكتفي أيضًا بامتلاك خطاب مضاد لها، ولكن حين تصير قادرة على مساءلة أدواتها هي، وعلى نقد تصوراتها.
ولهذا فإن النتيجة التي يخلص إليها هذا البحث لا تتعلق بنيتشه وَحْده، ولكن تتعلق بسؤال الفلسفة ذاته. فما كشفه هذا الاشتباك هو أن التحرر لا يتحقق بمجرد هدم المراكز القديمة، لأن المراكز قد تعود في صور جديدة، أكثر مرونة، وأكثر قدرة على التخفي. وما كشفه أيضًا هو أن المرأة، داخل هذا المشهد كله، لم تعد تصلح لأن تُقرأ موضوعًا للقول الفلسفي فحسب، لأنها موضوعٌ بكل بساطة، موضوعٌ تُختبر فيه الفلسفة حين تزعم أنها تجاوزت تاريخها. وعند هذا الموضع لم يَعُدْ السؤال: هل كان نيتشه نِسْويًا؟ السؤال هو: إلى أي حد يستطيع الفكر أن يهدم شروط الهيمنة من غير أن يحملها معه في لغته ومفاهيمه وصور الإنسان التي ينتجها؟ هناك، في هذه المسافة القلقة بين قوة النقد وبقايا التراتب، يظل نيتشه حاضرًا، وتظل النِسْوية مضطرة إلى أن تعبره، مرة بعد مرة، بوعي أشد، وبحذر أشد، وبقدرة أعلى على نقد ما تستعمله وهي تقاوم.
______________________________________________________
المصادر والمراجع:
[1] Ofelia Schutte, Nietzsche’s psychology of gender difference. In Modern engendering: Critical feminist readings in modern Western philosophy, ed. Bat-Ami Bar On. Albany: State University of New York Press. 1994, p,239.
[2] فريدريش نيتشه: هذا الإنسان، ترجمة/مجاهد عبد المنعم، هلا للنشر، الجيزة، ط1، 2011، ص 76
[3] فريدريش نيتشه: ما وراء الخير والشر، تباشير فلسفة للمستقبل، ترجمة/ جيزيلا فالور حجّار، مراجعة/ موسى وهبه، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2003، ص 17
[4]Cf. Lewis Call, Nietzsche’s Contribution to Postmodern Feminism pp. 113:116.
[5] Ibid.
[6] Ofelia schutte, Nietzsche’s psychology of gender difference. p,234.
[7] فالإنسان الديونيزيوسي عند نيتشه: هو الذي حقق معاني العلوّ، هو المرح الذي علا فوق الشعور بالذنب، هو الحر، سيد دوافعه، إنه أعلى مثال لكلمة نعم، وهو الإنسان الذي يمكنه أن يرقص، والرقص هنا تعبير عن روح الخفة وطابع المرح العقلي، الانسان الذي يسعى سعيًا متواصلًا نحو الحرية. صفاء عبد السلام، مرجع سابق، ص 265
[8] Lewis Call, Woman as Will and Representation: Nietzsche’s Contribution to Postmodern Feminism, Women in German Yearbook Published by: University of Nebraska Press, (1995), p.127.
[9] Debra B. Bergoffen, Engaging Nietzsche’s Women: Ofelia Schutte and the Madres cle la Plaza de Mayo, Hypitia, 2004, p.163.
[10] فريدريش نيتشه: غسق الأوثان، ترجمة/ على مصباح، منشورات الجمل، بغداد، 2010، ص46.
[11] ما وراء الخير والشر، 25
[12] Cf. Ofelia Schutte, Nietzsche’s psychology of gender difference.p.231:235.
[13]Ofelia Schutte, Beyond Nihilism: Nietzsche without Masks (Chicago and London: University of Chicago Press, 1984), p.161
[14] ibid, p.161
[15] Linda Martín Alcoff, Schutte’s Nietzschean Postcolonial Politics, Published by: Wiley on behalf of Hypanthia, 2004, p.149
[16] نيتشه، العلم المرح، ترجمة وتقديم/ حسان بورقية ـ محمد الناجي، أفريقيا الشرق، ط1، 1993، ص 213
[17] ما وراء الخير والشر، مرجع سابق، ص187
[18] Ofelia Schutte, Nietzsche’s Cultural Politics: A Critique, University of Florida, The Southern Journal of Philosophy (1999)., p.69
[19] Ofelia Schutte, Nietzsche’s Politics, Journal of the British Society for Phenomenology, 1983, Published online: 21 Oct 2014, http://dx.doi.org/, p.155.
[20] Ofelia Schutte, Nietzsche’s Cultural Politics, p.70
[21] Ibid, same placement.
[22] ما وراء الخير والشر، مرجع سابق، ص203
[23] المرجع نفسه.
[24] Ofelia Schutte, Journal of the British, p.155
[25] ما وراء الخير والشر، مرجع سابق، انظر إلى، ص 274:262
[26] المرجع السابق، ص 265
[27] Ofelia Schutte, Beyond Nihilism: Nietzsche without Masks, p.7.
[28] Debra B. Bergen, p.163, 164
[29] Linda Martín Alcoff, Schutte’s Nietzschean Postcolonial Politics, p.151.
[30]Ofelia Schutte, Journal of the British, p.141.
[31] ما وراء الخير والشر، مرجع سابق، ص216
[32]Linda Martín Alcoff, Schutte’s Nietzschean Postcolonial Politics, p.150,151
[33] Ofelia Schutte, Nietzsche’s Cultural Politics, p.69,70.
[34] Ofelia Schutte, Response to Alcoff, Ferguson, and Bergoffen, Published by Wiley on behalf of Hypatia, 2004, p. 183, 184.
[35]ibib, p. 183, 184.
[36] Walter Kauffmann, Nietzsche Philosopher, Psychologist, Antichrist, Princeton, New Jersey Princeton University Press, 1974, p.268
[37] العلم المرح، مرجع سابق، ص9
[38] نيتشه، هكذا تكلّم زرادشت، ترجمة عن الألمانية/ على مصباح، منشورات الجمل، ط1، 2007، ص131
[39] المرجع السابق، نفس الموضع.
[40] فتحي المسكيني، الهجرة إلى الإنسانية، كلمة للنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 2016، ص66
[41] غسق الأوثان، مرجع سابق، ص 17
[42] فتحي المسكيني، مرجع سابق، ص68.
[43] العلم المرح، مرجع سابق، ص 92
[44] ما وراء الخير والشر، مرجع سابق، ص 209
[45] هكذا تكلم زارادشت، مرجع سابق، ص ص397، 398
[46] هذا هو الإنسان مرجع سابق، ص 76
[47] هكذا تكلم زرادشت، مرجع سابق، ص 118
[48] فريدريك نيتشه، إنسان مفرط في إنسانيته، ترجمة/ محمد الناجي، ج1، أفريقيا الشرق، 2002، ص 179
[49] المرجع نفسه، ص137.
[50] العلم المرح، مرجع سابق، ص92
[51] إنسان مفرط في إنسانيته، ج1 مرجع سابق، ص 179