هل العلمنة مستحيلة في المجتمعات العربية الإسلامية؟ محاولة الإجابة انطلاقاً من فكر محمد أركون

 تكوين

كثر الجدل وتوسّع النقاش على ساحة الفكر العربي الحديث والمعاصر حول العلمانية. هناك من رأى فيها مَعبَراً نحو مجتمعٍ أقلّ تطرّفاً وفكرٍ أكثر انفتاحاً. كما أن هناك من رجمَها بأشد التُّهم قساوةً كونها قادمة من الغرب ولا تنطبق بأي شكلٍ على المجتمعات العربية الإسلامية. هل أُسيئ فعلاً فهمُ العلمانية؟ هل تمّ التعاطي معها من بأب الأدلجة أو من باب العقلانية والموضوعية؟ وأيّ معنى لها يمكن تبنّيه من أجل النظر في شأنها بعيداً عن التوتر القائم؟

إن مسألة فصل الدين عن الدولة، أو التمييز بين المجال الروحي والمجال الزمني، لم تعد حكراً على رجال الدين فقط، ولا على أهل الحكم السياسي من دون سواهم، كما أنها ليست مسألة تخصّ المفكرين والمنظّرين في الأوساط النخبوية. بات البحث في هذه المسألة شأناً اجتماعيّاً وفكرياً وسياسياً يهمّ العامة كما الخاصّة. لم يعد البحث في العلمنة أمراً يخصّ جماعة معيّنة من دون سواها باعتبارها تمسك بزمام الشأن الفكري أو المجتمعي. بتنا نواجه اليوم تحدّيات يوميّة تُجبرنا على أن نتوقّف للتأمّل في معنى العلمانية بعيداً، قدر المستطاع، عن كلّ ما يدور من حولنا من صراعات على النفوذ بأوجهه المتعدّدة.

الرغبة بالسيطرة وفرض السلطة على أكبر عددٍ ممكنٍ من الكائنات الواعية أمرٌ ليس بجديد في تاريخ المجتمعات البشرية. والسيطرة هنا لا تنحصر فقط على الأرض والحجر والمصادر الطبيعية إنما أيضاً على الفكر والعادات والتقاليد والممارسات المجتمعيّة. هذه الرغبة في التوسّع عليها أن تجد مبرّرات لها وخطاباً يُقنع المتلقّي بقبولها إما طوعاً أو جبراً. فالسلطة الدينية كما المدارس الفكرية والسياسات العالمية تسعى إلى الإقناع بصوابية طروحاتها وبأحقيّتها في الإمساك بالأمور، وأفضلية مشاريعها على ما يتمّ طرحه هنا وهناك. وكأن هذه النزعة توحّد بين المختلفين وتجعلهم متساويين في الأهداف على الرغم من التباين في استخدام الوسائل.

من هنا نسأل: هل الكلام على الفصل بين الدين والدولة وحده هو ما تحتاج إليه المجتمعات العربية في المرحلة الراهنة للنهوض من مآسيها المتراكمة؟ أم الكلام على عمق مفهوم الشخص البشري، وحرية الإنسان، والكرامة الإنسانية؟ إن هذا التردّد في مقاربة ما هو الأجدى والأنسب والأكثر ملاءمة من شأنه أن يضعنا أمام مسؤولية العمل على مقاربة متجدّدة لموضوع العلمانية.

إذا تابعنا مجمل ما أصدره المفكرون والباحثون العرب حول العلمانية سوف نجد مادة نصية ورقمية هائلة، لكن السؤال الذي يستوقفنا يكمن في كيفية تلقّي كل الأفكار المطروحة والمناقشات المحتدمة. من المؤكّد أن الكتابة حول الموضوع لا تنقصنا، أصبح لدينا طروحات متنوّعة تدور حول تحديد الصيغة الأنسب من العلمانية، والإطار الأنجح لبلورة تصوّر خاص بها، والآلية الأدق لتطبيق ناجح يضمن الخروج المتدرّج من الواقع الذي غرقنا فيه. فالنصوص متوفّرة لكن كيفية فهمها والتفاعل معها وإعادة طرحها لمناقشتها واستثمارها والذهاب أبعد منها أمر ينقصنا بالفعل.

من هنا، نرى أهميّة التوقّف، في هذا المقال، عند محاولة محمد أركون للإجابة على سؤال: هل العلمنة ممكنة في المجتمعات العربية الإسلامية؟ وهل هناك نماذج يمكن البناء عليها في التاريخ العربي الإسلامي؟

الإنسان بين الروحي والزمني

اعتبر محمد أركون أن الإنسان هو كائنٌ روحيّ وزمنيّ في آن، ومن الصعب الفصل القاطع بين هذين البعدين فيه. فالبعد الديني المقصود هنا يختلف تماماً عن التصوّر الديني الذي ساد في القرون الوسطى. فهو يعني به الحاجة الدينية بالمعنى الروحي والمنـزّه، أي بمعنى النـزعة الداخلية الحارقة في الإنسان والتي تدفعه إلى معانقة المطلق، والقضاء على الشعور بالفناء الكامل مع اقتراب الموت. يحتاج الإنسان بشكلٍ أساس إلى التواصل مع عالم الأبدية والخلود، من هنا باتت الحاجة ضرورية إلى وضع ترميزٍ روحيّ جديد، بخاصة في المجتمعات التي غرقت بالحداثة المادية. لذلك نجد أركون ينتقد في أكثر من موضع علمنة القرن التاسع عشر التي أرادت القضاء على البعد الروحي للإنسان. هذا بالتالي ما يميّز مشروعه النقدي، إذ لم يكتفِ بدراسة التراث الإسلامي وتفكيكه ونقده، ولم ينبهر بكل إنجازات الحداثة، فيتبعها ويقبل بكل ما أنتجه الفكر العلمي الموضوعي من دون مراجعة. لقد استفاد من الحداثة، وأشار إلى أهمية إنجازاتها، لكنه في الوقت عينه انتقد تهميش البعد الديني وكلّ محاولة لاستئصاله والقضاء عليه، من دون أن يرتدّ إلى الوراء ويغرق في مواكب الدعوات الأصولية. عندما تحدّث عن البعد الروحي، فهو لم يقصد البتة ديناً محدّداً، إنما أراد اختراق جميع الأديان وتجاوزها. إنه لم يقبل بالانغلاق داخل سياج عقيديّ محدّد، إذ إن إحدى سمات السياج العقيدي رفض كلّ محاولة تميّز ما بين الديني والسياسي، ورفض مجرّد القبول بوجود علاقة معقلنة بينهما.إن هذا الأمر يعرقل فعلاً إمكانية الانتقال إلى الحداثة ومواجهة سائر التحدّيات التي يطرحها العقل الحديث.

من هنا جاء اهتمام أركون بدراسة الآليات العقلية التي أسهمت في إنتاج الأنظمة اللاهوتية والعقيدية المتنوّعة. لقد أراد أن يدرس أيضاً الآليات الاجتماعية التي تستفيد من هذه الأنظمة العقيدية من أجل الوصول إلى غايات سلطوية. بمعنى آخر، عمل على درس “آليات التمفصل والتقاطع بين اللاهوتي والسياسي وتأثير هذا على ذاك أو العكس”[1].

السلطات السياسية بين الروحي والزمني

أشار محمد أركون إلى أمر هام قد أبرزه في دراساته يفيد بأن السلطات السياسية الإسلامية هي سلطات زمنية دنيوية تحكمها إكراهات المجتمع والتاريخ، ويسيطر عليها صراع الفئات المتنافسة وموازين القوى، على الرغم من إدّعائها القداسة، ومحاولتها خلع رداء المشروعية الدينية المثالية على نفسها. شدّد على أن القراءة التاريخية للأحداث تُظهر أن السلطات السياسية “قد حسمت الأمور على أرض الواقع بالقوة أولاً ثم لجأت بعد ذلك مباشرة إلى تكوين إيديولوجيا كبرى للتبرير والتسويغ. إن ادّعاءها لمشروعية فوق بشرية أو خارقة ليس إلا وسيلة لا تزال فعّالة من أجل تدعيم ذاتها وإرهاب الخصوم وتسفيههم”[2].

لحظ أركون في هذا المجال أن ادّعاء المشروعية ما زال فاعلاً حتى في المجتمعات العربية الإسلامية المعاصرة، نظراً إلى أسباب عديدة أبرزها: تأخّر هذه المجتمعات مادياً ومعرفياً، وممارسة الضغوط الامبريالية الخارجية، وتزايد التمييز الطبقي في الداخل وانتشار الحروب والأوبئة والمجاعات. أشار إلى أنه من الضروري أن يكشف الباحث عن مختلف التلاعبات التي حصلت عبر التاريخ وهي لا تزال مستمرّة، تفعل فعلها في عمق المجتمع. إن إطلاق الأحكام عشوائياً والقول بأن الإسلام لا يفصل بين الروحي والزمني، وهو بالتالي دينٌ مغلقٌ في وجه العلمنة، دليلٌ واضحٌ على عدم اعتماد القراءة التاريخية المنفتحة عندما يتعلّق الأمر بدراسة الفكر الإسلامي. لقد بحث مطوّلاً في إشكالية العلمنة وإمكانية حصولها في المجتمعات الإسلامية، كما برهن على أن هذه المجتمعات عرفت العلمنة سابقاً، وهي اليوم تسير نحوها من دون أن تشعر بذلك.

يلفت انتباه قارئ نصوص محمد أركون انشغاله الكبير في الدرس التاريخي، والتحقّق من الأحداث التي حصلت داخل المجتمعات العربية الإسلامية. هذا البحث الدقيق أسعفه في إيجاد نماذج توقّف عند درسها، فتبيّن له أن بذور الفصل بين الروحي والزمني كانت متوفّرة، فبنى عليها لكي يثبت عدم صوابية تعميم القول بأن الفصل بين الدين والدنيا لم يحصل مطلقاً في التاريخ الإسلامي، وبأن العلمنة لا يمكن تحقيقها بأيّ شكلٍ داخل المجتمعات العربية الإسلامية. من هنا نسأل مع أركون: هل يمكن أن يحصل نوعٌ من التجاور أو التصالح بين الإسلام والعلمنة؟

التاريخ الإسلامي والعلمنة

العلمنة مسألة تخصّ المعرفة والروح البشرية، يحدّدها أركون كما يأتي: “إن العلمنة بالنسبة لي، هي موقف للروح وهي تناضل من أجل امتلاك الحقيقة أو التوصّل إلى الحقيقة”[3]. ويقول في موضع آخر معرّفاً العلمنة: “إنها الموقف الحرّ والمفتوح للروح أمام مشكلة المعرفة”[4]. فهو يعتبر أن من حقّ الإنسان أن يعرف أسرار الكون والمجتمع، ولا يجوز أن يحول شيء بينه وبين كشف ما هو مجهول، مادياً كان أم روحياً. إن هذا المعنى المنفتح للعلمنة لا يقبل بالقضاء على الدين وتهميش العامل الروحي في المجتمعات الإنسانية، إنه موقف إيجابيّ يأخذ بالاعتبار الإنسان ببعدَيه المادي والروحي من دون أن يرجّح واحداً على آخر.

إن مفهوم العلمنة قريبٌ جداً من مفهوم الحرية، والموقف الذي يتّخذه أركون تجاه المعرفة يعبّر عن انفتاح وحرية إلى أبعد الحدود، إذ إن الإنسان بحاجة دائماً لكي يفهم المزيد وينتقد ما هو راسخ تلقائيّاً في الذهن، فلا ينبغي منعه من تحقيق ذلك. إن موقفه الإيجابي هذا قد دفعه إلى انتقاد العلمنة عندما أصبحت عقيدة إيديولوجية، وعملت على الحد من حرية التفكير. يرفض أن تصبح العلمنة بدورها “سلطة عليا تضبط الأمور وتحدّد لنا ما ينبغي التفكير فيه كما فعلت سلطة الفقهاء والإكليروس سابقاً”[5].

يمكن أن نذكر هنا على سبيل المثال ما قامت به الجمهوريات العلمانية في الغرب، بخاصة في فرنسا، من طمس وتهميش العامل الديني أو البعد الروحي في المجتمع. نلحظ أن المفكر النقدي الحر لا يرضى بكل أشكال التطرّف، وينتقد كل مظاهر الأدلجة والتقوقع داخل الأنطمة المقفلة، دينية كانت أم علمانية.

  • بعد تطبيق المنهج التاريخي في مقاربة التراث العربي الإسلامي، اعتبر أركون أن العلمنة كان لها حضورٌ خلال فترة حكم المأمون أكثر مما هي اليوم في معظم الدول العربية والإسلامية، لأن الأسئلة التي تجرّأ المعتزلة على طرحها حول القرآن وخلقه، لا يمكن ان تُعالج اليوم في الأوساط الثقافية العربية أو الإسلامية، وهذا ما كان مستحيلاً التفكير فيه قبلاً. كانت مرجعيتهم الثقافية في ذلك تتمثّل بالوحي الإسلامي والفكر الإغريقي الذي دخل إلى الساحة الفكرية بقوة منذ القرن الثاني الهجري. إن مجرّد اعتراف المعتزلة بأن القرآن مخلوقٌ يشكّل موقفاً قريباً من الحداثة على الرغم من البعد الزمني عنها. لذا رأى أركون أن هذا الموقف تجاه ظاهرة الوحي “يفتح حقلاً معرفياً جديداً قادراً على توليد عقلانية نقدية مشابهة لتلك العقلانية التي شهدها الغرب الأوروبي بدءاً من القرن الثالث عشر، لولا معارضته الأرثوذكسية الظافرة في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، وخصوصاً على يد الخليفة القادر”[6].

أشار أركون في هذا السياق إلى أن اعتبار القرآن مخلوقاً يشكّل موقفاً حديثاً وجريئاً يُدخل البعدين الثقافي واللغوي في طرح المشكلة. ويشير إلى أن هذين البعدين هما من صنع البشر أدخلهما المعتزلة عندما بذلوا الجهد من أجل استملاك رسالة الوحي، مما يدّل على اعترافٍ صريحٍ وواضحٍ بقيمة العقل ودوره في عملية الاستملاك هذه. هنا يبـرز المنحى العلماني عند المعتزلة إذ إن حركتهم الفكرية ارتبطت بشكلٍ مباشر “بالأطر الاجتماعية للمعرفة وليس بالإسلام كدين. بمعنى أن التطوّر الاقتصادي والاجتماعي للمراكز الحضرية الكبرى قد تحكّم مباشرة بانتشار العلوم العقلانية المؤدّية لعلمنة الفكر والوجود أو حصرها أو اضمحلالها”[7]. لكن هذا الموقف الذي اتخذه المعتزلة بشأن القرآن المخلوق لم يعرف الاستمرارية كخط لاهوتي في الإسلام، فتمّ حسم الأمور من قبل الإسلام الأرثوذكسي الاشعري، وذلك لأسباب سياسية وإيديولوجية وتاريخية.

  • لقد برهن محمد أركون أيضاً على وجود بذورٍ للعلمنة في القرون الهجرية الأربعة الأولى، وذكر في هذا المجال أيضاً، بالإضافة إلى المعتزلة وطرحهم لمشكلة القرآن المخلوق، محنة ابن حنبل التي تعرّض لها في أيام المأمون تحديداً. سبب هذه المحنة، أن الخليفة المأمون أراد أن يفرض ما جاء به المعتزلة حول القرآن المخلوق ويجعله عقيدة رسمية للدولة الإسلامية. أجبر جميع الموظفين على الأخذ بهذه العقيدة تحت ضغط التهديد بفقدان الوظيفة. أحد الذين رفضوا القول بأن القرآن مخلوق كان ابن حنبل الذي أُدخل إلى السجن، واعتُبر كزعيم للمعارضة الجماهرية التي وقفت في وجه السلطة الحاكمة، ورفعت الشعار التالي:”لا شيء صادر عن الله مخلوق، والقرآن من الله…”

توقّف أركون عند هذه الحادثة التي رأى فيها وعلى خلاف الآخرين، نوعاً من الفصل ما بين الروحي والزمني أو الديني والدنيوي، إذ إن المذهب الحنبلي قد أسهم أكثر من غيره في حثّ الإسلام السنّي على عدم الخلط بين هذين العاملين. يذكر في هذا المجال ما يأتي:”في الواقع، إن ابن حنبل إذ رفض إطاعة أمر الخليفة في إحدى مسائل العقيدة قد ثبّت صلاحيات الخليفة التي ينبغي الا تتعدّاها. فموقف ابن حنبل يعني عملياً ما يلي: الخليفة لا يُطاع إلا فيما يخصّ السلطات الخاصة بجهاز الدولة. أما العقائد الدينية المحصّنة فهي من اختصاص ومسؤولية الأمة المستنيرة  التي يقودها علماء مستقلّون عن السلطة ومعترف بهم من قبل الجمهور العام على هذا النحو. ومن واجب الخليفة حماية القانون الديني والسهر على تطبيقه، ولكن لا يحق له أن يحدّد مضامنيه أو يفرضها”[8].

نلحظ هنا أن هذه القراءة لمحنة ابن حنبل مختلفة عمّا سواها، وهي تحاول أن تبرهن على أهمية هذا الإنسان الذي كان وفياً لمبادئه، على الرغم من الضغوط التي تعرّض لها، لقد نادى بالفصل بين العامل الروحي والعامل الزمني وبقي منسجماً في تصرّفاته العملية مع موقفه النظري. كذلك اعتبر ابن حنبل ان عصيان الخليفة في أمور العقيدة أمرٌ جائزٌ، لكنه مرفوض في المسائل المتعلّقة بالنظام السياسي وبالأمور الدنيوية. إن هذا المبدأ الذي وضعه ابن حنبل لم يدم طويلاً فقد خضع العلماء الدينيون في ما بعد للسلطة السياسية، وتمّ الخلط على أرض الواقع بين الذروتين الدينية والسياسية بعد أن كان ابن حنبل قد حدّد الفصل بينهما نظرياً وعملياً، حسب ما سبق أن أشار أركون.

هكذا توهّم المسلمون أن الحاكم، خليفة كان أم سلطاناً، أم غير ذلك، يتمتّع بالفعل بمشروعية دينية يجب الخضوع لها. عزّز ذلك الوهم تدهور الأمن بدءاً من القرن الخامس الهجري، حيث كانت المجتمعات تتعرّض للتهديد الخارجي ان من الترك أو المغول، أو الصليبيين، مما دفع الناس إلى القبول بالحاكم وبكيفية حكمه على الرغم من كل مساوئه. فخضع بذلك العلماء الدينيون كما المسلمون بعامة لسلطة الحاكم. إذ ان الخطر قريب، والأمن مهدّد، فلا تجوز المعارضة.

نودّ ان نتوقف هنا عند ملاحظة هامة أبداها أركون، في سياق بحثه في محنة ابن حنبل، إذ أشار إلى أن مبدأ الفصل ما بين الذروة المتعالية للسيادة الروحية والذروة البشرية للسلطة السياسية الذي رسّخه ابن حنبل، قد حافظ عليه الشعب في وعيه الجماعي، وبقي حيّاً. لقد أكّد في هذا المجال على أن الشعب المسلم كان مغيّباً دائماً منذ سلطة الأمويين وحتى اليوم. هناك قطيعة دائمة بين الدولة ورعاياها نتج عنها عدم الثقة واللامبالاة تجاه الحكم المتمثّل  بالدولة المركزية، وكان في بعض الأحيان نوع من الرفض الجذري للحكم.

  • كذلك، عاد أركون تاريخياً إلى الوراء إلى عام 661 ليشير إلى أن نوعاً من العلمنة البدائية قد راح يظهر منذ ذلك الحين. فبعد ثلاثين سنة من وفاة النبي تمكّن معاوية – الذي ينتمي تاريخياً إلى عائلة بني سفيان المنافسة لعائلة النبي بني هاشم – من الاستيلاء على السلطة بالقوة والدماء، فجعل مركزها في دمشق عندما قام بتصفية أنصار علي بن أبي طالب دموياً. لقد استلم معاوية السلطة عن طريق الانقلاب الدموي وليس حسب القانون والشريعة، لكن الخلفاء الأمويين راحوا فيما بعد يُضفون على أعماله طابع الشرعية والقداسة والتعالي. قام رجال الدين بمساعدة معاوية وأسهموا مليّاً في إضفاء القداسة على إنجازاته.
  • أشار أركون في سياق أبحاثه إلى أنه انتشرت في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري الثقافة العلمية والفلسفية التي نُقلت عن الإغريق، أو استُلهمت منهم، وتوسّعت، مما أضفى أبعاداً استثنائية على المناخ الإسلامي. إن دراسة هذه الفترة تشير إلى “ظهور علائم على العلمنة الجنينيّة (أو البدائية). من أبرز هذه العلائم إضعاف هيبة الخلافة من قبل الأمراء البويهيين، ثم ازدياد أهمية الدور الذي يلعبه العقل الفلسفي من أجل تجاوز الصراعات المتكرّرة والحاصلة بين الطوائف، والمذاهب، والعقائد، والتراثات العرقية-الثقافية”[9].

اعتبر أركون أن تحجيم الخلافة من قبل البديهيين وتهميشها يعني البدء بالتقدّم نحو علمنةِ مؤسسةِ السلطة العليا، بخاصة أن الخلافة كانت لها رمزانية دينية عالية، ورهبة قوية. كما اعتبر أن نموّ العقل الفلسفي على حساب العقل الديني الأرثوذكسي يشير أيضاً إلى علمنة الفكر في الساحة العربية-الإسلامية خلال القرن الرابع الهجري. لقد انبثقت في هذه الفترة الزمنية ظاهرة الأنسية العربية (L’humanisme arabe)[10]، والفكر العقلاني الذي صحبها داخل المجتمعات التي فُرضت فيها تعاليم الدين الإسلامي واللغة العربية كتعاليم العالم المتحضّر ولغته.

هكذا، وانطلاقاً من الأحداث التاريخية والحركات الفكرية التي توقّف عندها أركون، توصّل إلى استنتاجٍ مفاده أن الإسلام بحدّ ذاته لا يرفض العلمنة، بل على العكس، لقد شهدت المجتمعات الإسلامية فترات ومواقف تشير إلى وجود العلمنة، أو نوعاً من الفصل بين البعدين الروحي والزمني، وبين الديني والسياسي. إنه من خلال الأمثلة التاريخية الأربعة التي سبق أن درسها توصّل إلى البرهنة على أن العلمنة ليست غريبة عن المجتمعات العربية الإسلامية، ويمكن أن يُعاد التفكير فيها اليوم في ضوء ما يجري من تحوّلات اجتماعية، وسياسية، وفكرية. فمن المثال الأوّل الذي ذكرناه، والمتعلّق بالحركة الفكرية التي قادها المعتزلة الذين طرحوا مشكلة القرآن المخلوق، إلى أهمية ما قام به ابن حنبل من محاولةٍ للفصل بين العاملين الروحي/والزمني، مروراً بعد ذاك بفترة بداية الخلافة الأموية مع معاوية، حين قام الفقهاء بتقديس مؤسّسة الخلافة الأموية كما العباسية، على الرغم من أنه ليس لها أي قدسية بحدّ ذاتها، إن من ناحية المنشأ، أو الممارسة، أو المجرى التاريخي، وصولاً إلى ذكر أهمية الحركة الأنسية العربية التي عرفها القرن الرابع الهجري، كلّها أمثلة حيّة تفيد بأن هناك نوعاً من اختبار العلمنة، أو الفصل بين الروحي والزمني، قد حدث في المجتمع. لقد أصرّ أركون في كلّ مرّة كان يطرح فيها إشكالية العلاقة ما بين الإسلام والعلمنة، على أن الإسلام كدين ليس مغلقاً في وجه العلمنة، لكن هناك عوامل اجتماعية وسياسية وثقافية عديدة اجتمعت لكي تسهم في إفشال كلّ المحاولات التي شهدها تاريخ الفكر العربي الإسلامي من أجل تحقيق العلمنة وتطوير الفلسفة الأنسيّة المبنيّة على النـزعة العقليّة.

حاول أن يبيّن كيف أن الدولة، منذ بداية الخلافة الأموية، كانت مجرّد بنية سياسية انغمست في محيط إيديولوجي، وسَعَت إلى الهيمنة على الرؤيا الدينية. كذلك فعل العباسيون في ما بعد إذ “كانت الثقافة الدنيوية والمؤسّسات السياسية وتقاليد البلاط والحياة الاقتصادية متأثرة بالتراث الساساني الإيراني والفكر الإغريقي والتقاليد والعادات الحية الناشطة دائماً في الشرق الأوسط القديم، أكثر مما كانت متأثّرة بتعاليم القرآن والنبي الدينية المحضة”[11].

من هنا يمكن القول إن المجتمعات الإسلامية قد شهدت حركة علمنة للفكر والثقافة والحياة اليومية لا يمكن التغاضي عنها، إلى درجة أن العلماء الدينيين قد استسلموا لها، ونهلوا من ملّذاتها. الصوفيّون فقط وقفوا في وجه العلمنة ورفضوا الملّذات، وأدانوا المادية التي غرق فيها المجتمع والفكر، كما تأسّفوا على العصر الافتتاحي الأول حيث كان الدين والزهد صادقين[12].

يستنتج أركون أمراً مهمّاً انطلاقاً من القراءة التاريخية التي قام بها، وهو “أن الدولة قد علمنت الدين باستخدامها له كأداة لتبرير سلطتها وخلع المشروعية عليها، أكثر مما لجأت إلى حمايته طبقاً لما ينصّ عليه قَسَم الطاعة (أو البيعة). لقد راحت تتلاعب به كيفما تشاء لمصلحتها. هذا التطور الذي طرأ جعل الفقهاء يلحّون على أهمية وجود الدولة والسلطة المرتكزة على القانون الديني أكثر مما ألحّوا على الخلافة التي بقيت صيغة مثالية لهذه الدولة، صيغة اختفت بالفعل”[13].

إن موقف الفقهاء هذا يشير إلى بُعد الدولة عن تطبيق الشريعة والعدالة الاجتماعية والفرق في أنظمة تعتمد في كثير من الأحيان على القمع والعنف. إن الحكم لم يكن دائماً مخلصاً لمبادئ الدين الإسلامي، وشهد نوعاً من الفصل بين الروحي/والزمني.

أما في ما يتعلّق بالمجتمعات العربية الإسلامية المعاصرة، فقد رأى أركون أن العلمنة الفعلية تتحقّق من دون أن نشعر بها، وهي تتغلغل اليوم في هذه المجتمعات. إن خير دليل على ذلك تلك الرغبة في حصول الوحدة الوطنية القومية كما حدث في أوروبا، وهي رغبة قد حلّت في الوعي الجماعي وأخذت مكان الوحدة الإسلامية ذات الأبعاد اللاهوتية والأُخروية.

في نظر اركون، لم يعد أحد يحلم بإعادة السلطنـة العثمانيـة مثلاً، أو بتشكيل الوحدة الإسلامية، لا في مصر أو العراق أو سورية، لكن العكس هو الصحيح، هناك الفكر القومي الذي عمل على تشكيل الوحدة القومية لبعض المناطق العربية.

نجده يخلص إلى الاستنتاج الآتي: “وإذن، فالعلمنة حاصلة شئنا أم أبينا، وهذا ليس إلا مثالاً واحداً من جملة أمثلة أخرى لا تحصى. ونلاحظ أن العلمنة تصيب حتى اللغة بكل مفرداتها وتراكيبها. لقد غاب المنظور الأخروي (أي الديني اللاهوتي) عن الأنظار كلياً، ولم يعد المسلمون المعاصرون يعرفون ماذا تعني النـزعة الاخروية . وعندئذ راحت فكرة الوحدة الوطنية تمارس دورها كنوع من الأخرويات الأرضية كلياً”[14].

تجدر الإشارة هنا إلى أن كلام أركون هذا جاء قبل أن يتمّ الإعلان عن قيام مشروع “الدولة الإسلامية في العراق والشام”. فالأحداث التي تتالت أعادت إحضار مشروع الدولة الدينية التي تحكم وفق الشريعة الإسلامية.

لذا، وعطفاً على ما تقدّم، نجد أن ما نادى به أركون أصبح أكثر إلحاحاً اليوم، وبات من الضروري القيام بدارسة نقدية للواقع الراهن من أجل إبراز نـزعة العلمنة ولفت الانتباه إليها، وتبديد العوائق التي تحول دون الاعتراف بها، واعتمادها بشكلٍ أو بآخر، وفق ما يقتضيه الواقع، وما تولّده حركة المجتمعات العربية الإسلامية المعاصرة.  يهمّنا هنا أن نشير أيضاً إلى أن أركون كان قد حذّر من الانسياق الأعمى وراء الشعارات العلمانية المتطرّفة التي عرفها الغرب إبّان القرن التاسع عشر، إذ أصبحت العلمانوية المناضلة أرثوذكسيةً أخرى حلّت محل الأرثوذكسية الدينية، وهي بمثابة عقيدة إيديولوجية حدّت من حرية التفكير كما فعلت الأديان. انتقد أركون هذا الموقف الذي يحوّل العلمنة إلى سلطة عليا تضبط الأمور، وترسم بدقّة ما يجب التفكير فيه وما لا يجب التفكير فيه، تماماً مثل السلطة التي مارسها رجال الدين في السابق. فحرية التفكير ركنٌ من أركان الفكر النقديّ، من غير المنطقي التنازل عنها.

خاتمة:

على الرغم من كل الصعوبات والعراقيل والحواجز يمكن الكلام على علمنة محدّدة، لها خصوصيّتها، في المجتمعات العربية الإسلامية. لذا يبقى السعي إلى تحقيق العلمنة أمراً غير مرميّ في دائرة الاستحالة. نودّ أن نشير إلى أن تحقيق العلمنة في المجتمعات الإسلامية يتطلّب، بالنسبة إلى أركون، شروطاً عديدة، أبرزها يتعلّق أوّلاً بتطبيق الشك كما ورد عند ماركس ونيتشه، وهذا ما لم يحصل بعد لغاية الآن. يرى أن الفكر العربي الإسلامي المعاصر لم يعرف بشكل عام الماركسية الإيجابية، كما أنه لم يعرف نقد القيم الذي مارسه نتيشه عندما درس الفكر المسيحي، مما يؤخّر مسيرة المجتمعات العربية الإسلامية نحو العلمنة. لكن التحديد الذي أورده أركون للعلمنة، باعتبارها موقفاً “للروح وهي تناضل من أجل امتلاك الحقيقة أو التوصّل إلى الحقيقة”، يمكن أن يسهّل الطريق من أجل الوصول إليها، إذ إن الإسلام بحدّ ذاته ليس مغلقاً في وجه العلمنة، لكن على المسلمين أولاً، أن يتخلّصوا من سائر القيود والإكراهات التي تضغط عليهم من الناحية النفسية واللغوية والإيديولوجية. إن هذه القيود لم تَنتُج فقط من رواسب التاريخ الإسلامي، وإنما نتجت أيضاً من العوامل الخارجية والمحيط الدولي.

كذلك، على المسلمين ثانياً، بالنسبة إلى اركون أن يعيدوا الاتصال مع الفكر الإسلامي بحقيقته التاريخية خلال القرون الهجرية الأربعة الأولى. لقد شهدت هذه المرحلة التاريخية الهامة حركة من المثقفين عُرفت بالمعتزلة، وهي كلمة تعني حرفياً: “أولئك الذين وضعوا أنفسهم جانباً واعتزلوا بمحض إرادتهم للتأمل والتفكير. أما الأرثوذكسية فقد استغلّت التسمية وحرّفتها من معناها الأصلي فأصبحت تعني المعزولين أو المفترقين عن الأمة، وذلك من اجل تسفيههم والحطّ من قدرتهم”[15].

أردنا، من خلال هذا المقال، لفت الانتباه إلى أن ترسيخ فكرة استعصاء العلمنة ونفيها خارج إطار البحث والدرس والتداول هو بمثابة اعتقاد إيديولوجي لا يعكس واقع الأمور، ولا متطلّبات الدخول في الحداثة. ألا يمكن أن يمهّد الانفتاح على العلمنة إلى تأسيس قواعد عصرية للعلاقة مع الآخر المختلف، وتقبّل التناقضات على أنها مكوّن لا بدّ منه لقيام المجتمعات البشرية، إذ إن التعدّد والتنوّع والاختلاف سمات طبعت الجينات كما المجتمعات البشرية؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1]  – محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 1990، ص 297

[2]  – محمد أركون، الفكر الإسلامي قراءة علمية، ترجمة هاشم صالح، بيروت، مركز الإنماء القومي، ط1، 1987، ص 12

[3]  – محمد أركون، العلمنة والدين، الإسلام المسيحية الغرب، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 1990، ص 10

[4]  – محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، م.س. ص 296

[5]  – محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، بيروت، مركز الإنماء القومي، ط1، 1986، ص 294

[6]  – محمد أركون، م.س. ص 61

[7]  – محمد أركون، م.س. ص 61

[8]  – محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، ترجمة هاشم صالح، بيروت، مركز الإنماء القومي، ط1، 1990، ص 50

[9]  – محمد أركون، نـزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 1997، ص 47

[10]  – عندما تحدّث أركون عن الأنسيّة العربية حصر نفسه بالدائرة اللغوية والثقافية العربية. وقصد “بهذه الدائرة هنا تلك الأوساط الاجتماعية التي تمثّل فيها اللغة العربية المكتوبة لغة التعبير السائدة”. وهو لم يرد أن يستبعد أحداً من الذين أنتجوا باللغة العربية، لذلك نجده يدمج “في الأنسية العربية جميع اليهود والمسيحيين الذي يعرفون القراءة والكتابة ويتقنون اللغة العربية إبّان العصر الكلاسيكي وعصر النهضة. “بالتالي فالتيار الإنساني والفلسفي العربي يشمل إنتاج كل المثقفين أو المفكــرين الذيـن كتبـوا وعبـّروا عـن مشــاعـرهـم باللغـة العربية سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين أم يهوداً”. أنظر: أركون، محمد. م.س. ص 16 – 17

[11]  – محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، م.س. ص 56

[12]  – يحيلنا أركون في هذا المجال إلى كتاب “قوت القلوب” حيث يعرض فيه أبو طالب المكي شكواه من الوضع القائم. انظر: محمد أركون، م.س.ص56

[13]  – محمد أركون، م.س. ص 57

[14]  – محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، م.س. ص 290

[15]  – محمد أركون، العلمنة والدين، الإسلام المسيحية الغرب، م.س. ص 60

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete