تكوين
مقدمة
تنبأ هيدغر بالمستقبل لا بوصفه توقعًا أو تكهّنًا، كما يعتاد البشر، بل بوصفه قراءة لخطة القدر التي بدأت في صياغة شكل الحياة الإنسانية في عصر الصناعة والتقنية والتقدم العلمي. ولا يقف الأمر عند صحة ما تنبأ به، ولا عند عبقرية الطرح وحدها؛ فقد أمسك هيدغر بلبّ القضية التي ما زلنا ندور حولها حتى الآن، دون أن نعرف ماذا نفعل إزاءها.
فسطوة التفكير العلمي، التي فرضت نفسها على الإنسانية بوصفها المعيار الأوحد للحقيقة، والتفكير التقني الذي بات يدير حياتنا دون تدخل منا، جعلا الإنسان يسير معصوب العينين؛ فلا هو قادر على الخروج من هذه المنظومة، ولا هو قادر على الحفاظ على ذاته الحقيقية، وجوهر إنسانيته داخلها.
إنها دائرة محبوكة العقدة وقع فيها الإنسان المعاصر، وشَرَكٌ شيطاني أعدّه صيّاد محترف. وهنا تتجلى عبقرية هيدغر، الذي أشار إلى لبّ القضية قبل أن يبدأ الموضوع نفسه، حين قال:
“سيصبح تقدم التقنية أكثر تسارعًا دون أن نتمكن من توقيفه”.
ونحن اليوم نعيش هذه الأزمة في أقصى احتدامها؛ فلا طريق للعودة، ولا نقطة واضحة للتوقف. غير أن هيدغر لم يتركنا سدى؛ فقد شخّص موضع العطب، رغم صعوبته والتواء معانيه، وحدد موضع الألم بدقة، رغم جسارة الجسد على إخفاء موضع ألمه، ووضع لنا “روشتة” العلاج، رغم غياب كل الأدوية الممكنة.
ومع هذه العبقرية ذات البساطة العميقة، يحلل هيدغر الأمر لنُدرك متى وكيف نُسجت شبكة الهيمنة والتحكم، وكيف جرى استلاب حرية الإنسان وشلّ حركته، وهو يشاهد مصيره ماثلًا أمامه، ولا يقوى على الحراك.
وفي هذه الرحلة، نتأمل معنى “الغربة“، ومعنى “الوطن”، ومعنى “التفكير”، ومعنى أن نبقى أحياء بحق، وصولًا إلى إشكاليته الكبرى التي يسقطها على التقنية من أن الإنسان المعاصر لم يعد يفكّر، بل صار يصارع “البراعة المدهشة”.
1- حين يفكّر الفكر نفسه
ألقى مارتن هيدغر Martin Heidegger (1889–1976)خطابًا في مسقط رأسه، وذلك في حفل تأبين لأحد الموسيقيين. وفي خطابه، توجّه بالشكر إلى بلاده وإلى مدينته على الدعوة، ثم شارك الحضور تأمّل معنى حفل التأبين ودلالته وما يثيره في النفس، واقترح يقول:
“لنفترض أنه أُجيز لنا أن نجعل من الحفلة الحالية موضوعًا للتأمل، فبماذا توحي لنا هذه الحالة من أفكار؟”([1])
من هنا يطرح هيدغر إشكالية ارتباط الإنسان بجذوره، أي ارتباطه بمكان مولده. فهو يؤكد أن غياب الجسد لا يعني الغياب بالمعنى المطلق، ويضرب مثالًا بأجواء الحفل ذاته، وبالمعزوفات التي يتردد صداها في أرجاء المكان من تأليف الموسيقي المُحتفى به؛ فتبدو هذه الأصوات وكأنها تُحيي وجوده، وتربط صداه بالمكان الذي نشأ فيه، وبمسقط رأسه. فـ”الأستاذ حاضر بنفسه هنا وسط هذه الأنغام، ذلك أن حضور الأستاذ في عمله هو الحضور الوحيد الأصيل”([2])
وفي عالمنا العربي، حين يتحدث الإنسان عن أي وطن غير وطنه، فإنه يسميه “الغربة“. ولا يكاد أحد ينظر إلى الغربة بوصفها أمرًا إيجابيًا، رغم أنها في الغالب توفّر للإنسان شروطًا أفضل للعيش من حيث المقومات المادية. ومع ذلك، يظل الإنسان المغترب عن وطنه يناجيه، كغصن الناي الذي قُطع من موطنه، فلا تخرج أنغامه إلا حزينةً شجية، وحنينًا لا ينقطع إلى موضع قطعه.
ويعبّر المثل الشعبي المصري عن هذا المعنى ببلاغة مكثفة، فيقول: “من خرج من داره قلّ مقداره”. لذا، يبدو أننا في حاجة ماسة إلى تأمل معنى الغربة ومعنى الوطن، وإلى إعادة النظر في الإشكالات التي طرحها هيدغر حول ارتباط الإنسان بجذوره، تشبيهًا له بالنباتات التي لا تنمو وتزدهر حقًا إلا في أرضها. كما يشير هيدغر إلى تحوّل تفكير الإنسان المعاصر نحو كل ما هو عملي ويجني ثمارًا ويطرح أنهارًا، وهو ما أفرز تحديات تقنية خطيرة تسلب الإنسان أعز ما يملك، وهو التفكير.
فخطر التقنية، عند هيدغر، ليس خطرًا تقنيًا في جوهره، بل خطر فكري بالأساس
إن أزمة الإنسان المعاصر، كما يكشفها هيدغر في قراءة استشرافية فريدة للمستقبل، ليست أزمة وطن وغربة، بل أزمة سكن مفقود؛ وليست أزمة تقنية متسارعة، بل أزمة تفكير مُستلب. والسكينة، التي يقدّمها هيدغر هنا بوصفها تركًا للهيمنة، تفتح إمكانًا هشًّا ولكنه ضروري لاستعادة المكان بوصفه موضع انتماء، لا مجرد موقع استعمال.
2- اقتلاع الجذور
يرى هيدغر أن مشكلة الإنسان الكبرى لا تكمن في افتقاره إلى الوسائل أو التقنيات، بل في علاقته بجذوره الأولى ومنابت نموه. فالإنسان، في نظره، كائن متجذّر في موطنه، وقد سعت محاولات العلم الحديث والتفكير التقني إلى اقتلاع هذا التجذّر، لا بوصفه عرضًا جانبيًا، بل بوصفه نتيجة مباشرة لروح العصر.
يوضح هيدغر ذلك من خلال تأمله في حفل التأبين، حيث تملأ موسيقى الشخص المُحتفى به أرجاء المكان. فالموسيقى، رغم غياب الجسد، تُبقي الحضور حيًا، وتربط العمل الفني بالمكان الذي نشأ فيه صاحبه. ويؤكد هيدغر أن “أي عمل فني يتأسس ويكتمل انطلاقًا من مسقط الرأس”([3]).
وهنا يطرح هيدغر تساؤلًا إشكاليًا: هل يقتضي نجاح أي عمل فني أو إنساني عمومًا نوعًا من التجذّر في مسقط الرأس؟ وهل ثمة علاقة بين تحقيق النجاح والانتماء إلى موطن الميلاد؟
يبدو، وفق هذا المنظور، أننا لا نُلقى عشوائيًا في المكان كما كنا نظن، بل إن موضع كل منا يشكّل نسيجه الوجودي. فالمكان الذي وُلد فيه الإنسان يحمل حكمة وجودية خاصة، وهو المنطلق الصحيح الذي ينبغي الانطلاق منه، لا الهروب منه أو السعي إلى الفكاك من محيطه. إن الهروب من الموطن، حتى وإن كان بدافع البحث عن شروط أفضل للعيش من حيث المقومات المادية أو الاستقرار، لا يعني بالضرورة أنه الخيار الأصلح للإنسان؛ إذ غالبًا ما يحكم في هذه الحالة من منطق المنفعة والعجلة، أي من منطق التفكير الذي يحسب ويخطط، لا من منطق التفكير الذي يتأمل ويعي.
فالتفكير التأملي، على العكس، يرى أن وجود الإنسان “هنا والآن” ليس مصادفة، بل لحكمة ما، وأن هذه التربة بالذات قد تكون الأنسب لنموه. ويدلّل هيدغر على صحة هذا الافتراض بما كتبه الشاعر يوهان بيتر هيبل Johann Peter Hebel، 1760–1826))، إذ يقول:
“سواء رضينا أم لم نرضَ، فنحن نباتات تستند إلى الجذور؛ علينا أن نخرج من الأرض لنزهر في الأثير ونعطي ثمارًا”([4])
ويحلل هيدغر مقصد الشاعر هنا، أن على الإنسان، إذا أراد أن يحقق نجاحًا حقيقيًا، أن ينطلق من مسقط رأسه، بوصفه بداية المنبت والموطن الذي يمدّه بالقوة والخصوبة؛ فالبلد الأم هي المصدر الذي تستمد منه الجذور قوتها، غير أن ذلك يظل مشروطًا بمدى صلابة هذا المنبت وقدرته على تغذية الإنسان وجوديًا. وهنا يبرز السؤال الملح: ما حال الإنسان في عالمنا المعاصر؟ وهل ما زلنا نجد هذه القوة في موطن الميلاد، أم أن تاريخ ميلادنا نفسه قد تحوّل إلى فخ؟
يحذّر هيدغر من أن “جذور الإنسان اليوم مهددة في كينونته الأكثر حميمية. وأكثر من ذلك، فإن أسباب اقتلاع الجذور لا ترجع إلى ظروف خارجية أو إلى حتمية القدر، وليست نتيجة لإهمال الإنسان أو لنمط حياته السطحية فحسب، بل نشأت عن روح العصر الذي أوقعنا فيه تاريخ ميلادنا”([5])
هنا يتضاعف التساؤل: هل أصبح تاريخ الميلاد ذاته سببًا للأزمة؟ وهل سيتحوّل تاريخ الوفاة، بدوره، إلى الإشكالية نفسها؟ وإذا كان وقت الميلاد غير مواتٍ، فماذا عن وقت الرحيل؟ أم أن الأمر برمّته خاضع لحتمية لا فكاك منها؟
فالغالبية العظمى ممن يهجرون أوطانهم ويحيون في الغربة طلبًا لميسّرات العيش المادي، يقضون شبابهم بكل عنفوانه دون تساؤل. غير أنه ما إن يداهمهم الكِبَر، ويقترب الموت، وتلوح لهم النهاية، حتى نرى الجميع تقريبًا يرغب في العودة، ونسمع العبارة ذاتها تتكرر: “أريد أن أُدفن في تراب الوطن”. ذلك الوطن الذي لم يُعَش فيه طويلًا، غير أن جذوره تظل تناديه، تمامًا كما الناي الذي لا يكف عن الأنين.
ويبدو لنا، إذن، أن إشكالية “موطن الميلاد” التي أثارها هيدغر تمتد إلى لحظة الرحيل أيضًا، وهو ما نعيشه ونلمسه اليوم. فهل يعني ذلك أن ما يبدو لنا نموًا وازدهارًا خارج أوطاننا لم يكن في محله، أو لم يؤدِّ إلى ازدهار حقيقي؟ فالواقع، حين نمعن النظر، فالأمر لا يكشف إلا عن تراكم للثروات، وهي – على الرغم من أهميتها في واقعنا الاقتصادي البائس – لا تعني شيئًا في النهاية إذا ما تأملنا بجدية سؤال الجدوى والقيمة، وبحثنا عن حقيقة المعنى.
يتقدّم العالم اليوم بصورة تؤكد ضياع الإنسان واقتلاعه من جذوره باسم الثورة الصناعية والتقدم العلمي والتقني المذهل. ففي عصر الذرة، رُوِّج للمشروع الذري بوصفه بابًا لسعادة الإنسان، حتى إنه “في يوليو سنة 1955 أعلن ثمانية عشر من الحاصلين على جائزة نوبل، المجتمعين في جزيرة مينو، في نداء لهم: العلم – والمقصود هنا علم الطبيعة الحديث جدًا – هو طريق يقود إلى حياة أكثر سعادة بالنسبة للإنسان”([6])
ومن هنا يطرح هيدغر تساؤله الحاسم:
هل يبحث العصر الذري فعلًا عن المعنى؟ وإلى ماذا تُعزى قدرة التقنية العلمية على اكتشاف طاقات طبيعية جديدة؟
فقد حدث، كما يوضح، تحوّل جذري في العلاقة بين الإنسان والعلم، تمثل في سيادة التفكير العملي والحسابي، الأمر الذي أحدث ثورة في رؤيتنا للعالم داخل الفلسفة الحديثة. إذ “أصبح العالم الآن موضوعًا يوجَّه إليه التفكير الحاسب هجماته، ولا شيء يمكنه مقاومة هذه الهجمات. وأصبحت الطبيعة خزانًا هائلًا ومنجمًا للطاقة بالنسبة للتقنية والصناعة الحديثتين”([7])
وإذا كانت تحليلات هيدغر هذه قد كُتبت في عام (1955)، فكيف هو الحال اليوم؟ إن قلقه وخوفه من التقنية والتقدم الصناعي لم يعودا مجرد نبوءات، بل أصبحا واقعًا مشيّدًا على مرأى ومسمع من الجميع. فما السعادة التي تحققت للإنسان المعاصر بفضل التقنية؟ لا يبدو الأمر اقتلاعًا للجذور فحسب، بل تدميرًا متعمدًا لحياة الإنسان، بحيث يغدو معلقًا في الهواء، بلا أساس.
3- قراءة هيدغر للمستقبل
ويتنبأ هيدغر بالمستقبل الذي نعيشه اليوم قائلًا:
“سيصبح تقدم التقنية أكثر تسارعًا دون أن نتمكن من توقيفه”([8])
فهل نستطيع اليوم إيقاف الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتعددة؟ الإجابة، على الأرجح، لا. فطريق التقنية، ما إن يبدأ، لا يقف ولا ينتهي، ولا يمكن التراجع عنه. أليس في ذلك ما يثير الدهشة ويدعو فعلًا إلى التفكير والتأمل؟
إن خطورة التقنية لا تكمن في أدواتها، بل في كونها أحدثت تحولًا جذريًا في تفكير الإنسان، فصار يحسب ويخطط ويبحث عن المنفعة السريعة والنتيجة العاجلة، دون أن يرى المعنى الكامن وراء كل ذلك. لقد قتلت سؤال الجدوى، وأخمدت نار المعرفة الحقيقية. فالتقنيات وأدوات التحكم الآلي إما أن تحدّ الإنسان أو تقوده، دون أن تترك له مجالًا للإنصات أو التساؤل.
ويضرب هيدغر مثالًا بما لاحظه الكيميائي الأمريكي ستانلي مايلي Stanley Lloyd Miller (1930–2007)، الذي قال:
“اقتربت الساعة التي أصبحت فيها الحياة بين أيدي الكيميائيين، الذين سيغيرون أو يحولون المادة الحية حسب أهوائهم”
كان يُظن أن هذه السيطرة والقدرة على التحكم هي نجاح للإنسان في تحسين حياته وإدارتها، إلا أن هيدغر يؤكد: “إن ما تهيئه لنا الوسائل التقنية هو عنف ضد الحياة وضد كينونة الإنسان نفسه”([9])
وها نحن الآن على أبواب المستقبل نرى الوضع بوضوح: فأي سعادة تحققت للإنسان؟ لا شيء سوى الخوف والرعب من الأسلحة النووية، وخضوع الدول لهيمنة أخرى تمتلكها، واستخدام العلم في الترويع والتخويف، ونشر الظلم والحروب. بل وحتى في استحداث أمراض لا علاج لها، ناتجة عن تجارب جنونية لا سقف لها ولا أخلاق.
لقد قضى التفكير العلمي والتقني على الصور الطبيعية للحياة والعيش. فبدلًا من أن يتأمل الإنسان الطبيعة الخلابة ويتجول بين الأشجار، بات يفعل ذلك افتراضيًا، عبر مقطع مصوَّر، ويظن أنه بذلك قد حقق الغرض ونال المعنى. غير أن الطبيعي هو أن يتجول الإنسان بلا غاية، لمجرد التأمل، وخلال هذا السير تنشأ علاقة حية مع الطبيعة، وتتحقق رابطة وجودية ذات معنى؛ وهي أمور لا ترغب فيها التقنية ولا تتيحها، لأنها تمسك بالإنسان وتبقيه في حالة غفلة حتى يفقد كل شيء.
وفي مفارقة لافتة، يقرأ هيدغر المشهد الذي نعيشه اليوم في ظل الذكاء الاصطناعي، ويصفه بقوله:
“أي هول يهددنا إذن؟ إنها البراعة المدهشة”.
نعم، ما يهددنا حقًا هو هذه البراعة المدهشة التي يحققها التفكير التقني؛ إذ يبدو كل شيء مثاليًا إلى درجة تمنع تخيل مثالية خارج هذا الإطار. إنه سجن مزين بالألماس، وقفص مشيد من الذهب، يُظهر للإنسان المعاصر أن الحياة خارجه مميتة، وأن لا نجاة إلا بدخوله، دون أن يفكر في أنه قفصًا في النهاية، ولا شأن للذهب أو الألماس بحقيقة الأمر.
4- مصير الإنسان داخل العصر التقني
يقدّم هيدغر تفكيرًا أنطولوجيًا في مصير الإنسان داخل العصر التقني؛ وهو تفكير لا ينطوي على دفاع عن التصوّف، ولا على رفض للتقنية، بل دعوة إلى تأمّل طريقة تفكيرنا، ونمط علاقتنا بالكائنات والأشياء والعالم في ظل الهيمنة التقنية. أي أن نتأمّل وضعنا المعاصر من نقطة بعيدة أو كلية؛ لنرى الصورة كاملة: ماذا حقّقت لنا التقنية؟ وماذا لو لم تكن موجودة؟ غير أن هذا البحث لا ينبغي أن ينشغل بمنافعها، إذ يتطلّب الأمر إقصاء التفكير النفعي جانبًا، وفسح مجال للتفكير التأملي. فنحن، على حدّ تعبير مجازي، مقيدون داخل قفص يلمع، ومن شدة لمعانه يجذبنا كما يجذب الضوءُ العُثَّةَ، لكنه يفضي في النهاية إلى هلاكها.
من هنا يقدّم هيدغر ما يشبه “روشتة علاجية” لعصرنا التقني الراهن، لعلّ بها يكون الإنقاذ. وتتمثل هذه الروشتة أولًا في تحوّل جذري في نمط التفكير: ترك التفكير الحسابي والعملي، الذي لا يسأل إلا عن الكفاءة والقدرة والحساب، ولا ينشغل إلا بأسئلة من قبيل: كيف أستخدم؟ كيف أستغل؟ كيف أهيمن؟ ليحلّ محلّه التفكير التأملي، الذي لا يسأل عن المنفعة بل عن المعنى. وحين نكفّ عن السيطرة والتحكّم، ونترك الأشياء تكون كما هي، دون إخضاعها كليًا لمنطق الاستعمال أو الهيمنة. يحدث التحول وينمو التفكير ويزدهر، وتتجلى الحقيقة دون جهد منا.
إن ماهية العصر التقني، عند هيدغر، لا تكمن في الأدوات ذاتها، بل في تحوّل تفكير الإنسان إلى تفكير تقني يرى كل ما هو موجود بوصفه موردًا ومخزونًا وطاقة قابلة للاستغلال. ويطلق هيدغر على هذا النمط من الانكشاف اسم التحدّي والإحاطة Gestell؛ حيث يُستدعى الكائن ليقف جاهزًا للاستخدام، ويُختزل الإنسان نفسه إلى وظيفة داخل هذا النظام. وهكذا يدور الجميع كما تدور البقرة في الساقية وهي معصوبة العينين، لا تدري أنها تتحرك في دوائر مغلقة بلا نهاية، وتظن أن هذه هي الحياة.
ومن هنا يبرز السؤال: كيف يسكن الإنسان العالم داخل العصر التقني؟
للإجابة عن ذلك، نحتاج أولًا إلى فهم معنى المكانية عند هيدغر. فالمكان، في التصور الشائع، يُفهم بوصفه حيزًا هندسيًا ذا أبعاد وإحداثيات في الفراغ، أو موقعًا فيزيائيًا محايدًا، والجسد لا يكون سوى كيان يشغل حيزًا داخل هذا المكان. غير أن هيدغر يرفض هذا الفهم، لأنه يساوي بين وجود الجسد في العالم ووجود الأشياء الجاهزة للاستعمال.
فالعالم، عند هيدغر، ليس فراغًا محايدًا، بل محيطًا تتحقق فيه الألفة بين الجسد والكائنات الأخرى، بينما الإنسان لا يوجد في مكان جاهز سلفًا، كما نظن، بل هو الذي يفتح المكان من خلال سكنه فيه، وعلاقاته به. فالمكان لا يسبق الوجود الإنساني، بل ينكشف معه ومن خلاله. والمكانية، بهذا المعنى، ليست امتدادًا فيزيائيًا، بل بنية وجودية للموجود الإنساني، شبكة من الدلالات والمعاني قبل أن تكون إحداثيات جغرافية.
لذلك قد يكون الشيء بعيدًا مكانيًا، لكنه قريب وجوديًا؛ وقد يكون الوطن قريبًا وجوديًا حتى في المنفى، في حين تكون المدينة الحديثة، رغم ما تحققه من راحة مادية وقرب مكاني، بعيدة وجوديًا. وقد عبر عن ذلك الشاعر الكبير أحمد شوقي قائلًا: “وطَني لَو شغِلتُ بِالخلدِ عَنهُ نازَعَتني إِلَيهِ في الخلدِ نَفسي”، وهنا نعود إلى نقطة اقتلاع الجذور، حيث لا يكون الخروج من الوطن مجرد انتقال جغرافي، بل غربة وجودية، بغضّ النظر عمّا يحققه من منافع.
5- السكينة خطوة نحو الخلاص
ومن هذا التشخيص، يطالب هيدغر بما يسميه السكينة أو التَرك. فالسكينة، عند هيدغر، ليست انسحابًا من العالم ولا استسلامًا له، بل وعي بتاريخ الوجود، واستعداد للإصغاء بدل السيطرة. وخلاصة مقصده أن الإنسان، في عصر تُختزل فيه الموجودات إلى موارد، يحتاج إلى موقف وجودي جديد لا يقوم على الرفض ولا على الذوبان، بل على الترك الواعي، السكينة، بوصفها شرطًا لتفكير أصيل، ولحرية غير تقنية.
فالترك، هنا، طريق إلى الحرية، والحرية عند هيدغر ليست السيطرة، ولا الاختيار اللامحدود، بل القدرة على ترك الموجودات تكون كما هي، دون إخضاعها لإرادة الهيمنة. والسكينة بهذا المعنى تحرّر الإنسان من الاستعباد الخفي للتقنية، دون أن تسقطه في حنين رومانسي إلى الماضي.
فمشكلة التقنية ليست في ما هو تقني في حد ذاته، بل في أننا نذوب فيما هو تقني؛ نُتَقْنُنُ كل شىء.
اقتلاع الجذور إذن لا يعني فقط مغادرة الوطن أو الهجرة، بل فقدان العلاقة الوجودية بالمكان، حين يُختزل المكان في العصر التقني إلى موقع، إلى نقطة على خريطة، أو مساحة قابلة للاستبدال والتغيير وفق متطلبات الكفاءة. وهذا الاقتلاع لا يجعل الشجرة تنمو في تربة جديدة، بل يميتها؛ قد تظل واقفة، لكنها تكون مجوّفة من الداخل، في حالة تآكل وذوبان.
فالعصر التقني يدمّر القرب، ويتيح السرعة بلا سكن، والحركة بلا انتماء، والاتصال بلا حضور حقيقي. وهكذا أصبحنا جميعًا متاحين، متصلين، ومقرّبين تقنيًا، دون أن يكون شيء قريبًا وجوديًا. وهنا تأتي سكينة هيدغر لتترك المكان يكون ويتحقق، وتفتح إمكان إعادة السكن داخل العالم التقني، لا عبر رفضه، بل عبر كبح العقل الأداتي، وفسح المجال للتفكير التأملي، بوصفه أخصّ خصائص الإنسان.
فما يحتاجه الإنسان المعاصر، في النهاية، هو صرف عفريت التفكير الأداتي، وفتح أفق التفكير التأملي؛ وحينها فقط، قد تنقشع الغيوم، وتَتَبدد السحب، وتسطع شمس الحقيقة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[1] مارتــن هيدغر، الســكينة، ترجمــة رشــيدة الســائحي، مجلــة مــدارات فلســفي منشــور علــى موقــع حكمــة، 2004. صـ199.
[2] المرجع السابق.
[3] المرجع السابق، صـ201.
[4] المرجع السابق، 201.
[5] المرجع السابق، 202.
[6] المرجع السابق،203.
[7] المرجع نفسه.
[8] المرجع نفسه.
[9] المرجع السابق، 204.