تكوين
عام 1897 ترافق “رشيد رضا” (1865-1935) و”فرح أنطون” (1874-1922) في سفرهما من سوريا إلى مصر على متن الباخرة، وكان كلٌّ منهما يحمل بين جنباته مشروعًا: كان الأول يطمح إلى العودة بالمسلمين إلى رحاب الإسلام كما يتصوره، وكان الثاني يطمح إلى الزجِّ بالمسلمين في ركاب الحداثة كما يتصورها. وفي مصر، أسَّسَ الرجلان صحيفتين، في زمن كانت فيه الصحيفة الحامل النموذجي للفكر، أسَّسَ “فرح أنطون” صحيفة “الجامعة” في الإسكندرية عام 1899، واستمرت حتى عام 1906 ثم أعلنت إفلاسها، وأسَّسَ “رشيد رضا” صحيفة المنار في القاهرة عام 1898 وعَهِدَ بها بعد وفاته إلى “حسن البنا” والإخوان المسلمين حتى توقفت عن الصدور في أكتوبر عام 1940. ولا يعكس نجاح “المنار” وفشل “الجامعة” سيرة مشروعيْن في الصحافة المكتوبة فحسب -في رأينا- وإنما يَعْكِسُ ذلك فشل التنوير وهو في المَهْدِ، ونجاح النزعة المحافظة التي ليست سوى تسمية للمشروع السلفي بدءًا، الإخواني بعد ذلك.
إقرأ أيضًا: محب الدين الخطيب الوجه الآخر لرشيد رضا: وأزمة الهُوية والبناء الفكري والتنظيمي لحسن البنا وجماعته
المناظرة الدينية
يعود أصل القصة إلى مقال نشره “فرح أنطون” عام 1902، في مجلته “الجامعة” عن “تاريخ ابن رشد وفلسفته” ختمه بفقرة عنوانها: “الاضطهاد في النصرانية والإسلام“، تناول فيها المسألة ماضيًا وحاضرًا منتهيًا إلى ضرورة فصل السلطة المدنية في العالم الإسلامي عن السلطة الدينية على غرار ما حدث في المسيحية في العصر الحديث[1]. وقد ردَّ عليه “محمّد عبده” بسلسلة من المقالات نشرتها مجلة المنار لصاحبها “رشيد رضا” ابتداءً من شهر أوت 1902، مقالات موسومة بـ “الاضطهاد في النصرانية والإسلام“. وقد دفع هذا “فرح أنطون” إلى الردِّ على الردِّ ثمَّ إلى إصدار كتاب “ابن رشد وفلسفته”[2]. وقد “جمع” “رشيد رضا” مقالات “عبده” ونشرها بعنوان “الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية”[3]، عام 1903. وحتى عام 1933، طُبِعَ كتاب ابن رشد وفلسفته طبعة واحدة، وطُبِعَ كتاب “الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية” خمس طبعات.
لقد طَبعت مناظرة فرح أنطون ومحمد عبده الفكر العربي اللاحق، وأثرت في مساراته، ولقد أشار كثيرون إلى أهميَّة تلك المناظرة، وبلغ الأمر ببعضهم إلى اعتبارها مناظرة مفتوحة إلى اليوم[4]، بينما ذهب البعض الآخر إلى عدِّها نموذجًا يجب أن يحتذيه العرب في مواجهة الأسئلة الراهنة[5].
يلفت نظرنا في هذه المناظرة أمران:
- أولهما، أنها مناظرة قد دارت على سوء الفهم المتعمَّد
- وثانيهما، أن انتصار عبده/رشيد رضا في المناظرة لا يعود إلى عمق في الفكر ولا إلى نباهة في صياغة الحجة، بل على العكس، لقد كان خطاب “أنطون” أكثر تماسكًا وأغنى حجة.
ولعل في تفكيك هذين الأمرين، تكمن الوصفة في إجهاض أسئلة التنوير العربية.
1- محمد عبده/رشيد رضا وسوء الفهم المتعمَّد:
يبدو كُتَيِّب “عبده” في الرد على “أنطون” الموسوم بـــ “الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية” مُوهمًا بموضوع المناظرة، وهو: التفاضل بين الإسلام والنصرانية، تفاضلًا في علاقتهما بالعلم، وفي علاقتهما بالتمدُّن. فهل كان هذا هو الموضوع الذي طرحه فرح أنطون؟ هل كان أنطون مسيحيًّا مُدافعًا عن المسيحية في مقاله الأصلي الذي قامت على أساسه المناظرة؟ وهل كان يطمح إلى إجراء مقارنة بين الديانتين؟ وهل كان يؤمن بتفاضل الأديان؟ إنَّ الإجابة عن جميع الأسئلة السابقة لا يُمكن أن تكون إلا إجابة بالسلب. لقد تناول “أنطون” في مقاله التعريف بابن رشد وفلسفته، وبيان ما تَعَرَّض له من اضطهاد، وانتهى إلى تقرير جملة من النتائج أهمها:
- ضرورة الفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، وهذا واضح في قوله أنطون:
“لا مدنية حقيقية ولا تساهل ولا عدل ولا مساواة ولا أمن ولا ألفة ولا حرية ولا علم ولا فلسفة ولا تَقَدُّمَ في الداخل إلا بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية، ولا سلامة للدول ولا عزَّ ولا تَقَدُّمَ في الخارج إلا بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية“[6].
- المساواة التامة بين جميع أبناء الأمة بغضِّ النظر عن معتقداتهم وطوائفهم
- ضرورة إطلاق الفكر من كل قيد، ذلك أنَّ العلم لا يُمكن أن يزدهر تحت رهبة السيوف، ولا يُمكن تحقيق النهضة والعلماء في خَشْية من رجال الدين وعصا السلطان، وهما قوّتان متحالفتان من أجل تأبيد السيطرة على الجمهور.
يمكن القول إذن، إنَّ مطلب “فرح أنطون” من المناظرة يتلخص في الثالوث المتلازم: العلمانية والحرية والمساواة.
إقرأ أيضًا: ملامح المشروع النهضوي العلماني عند فرح أنطون
ولكن “محمد عبده” في ردِّه، و”رشيد رضا” في إخراج ذلك الرد في شكل كتاب هو كتاب “الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية”، قد قام عملهما على تَعَمُّدِ تحريف مقالة “أنطون”، ومحاولة جرِّه إلى مضمار المفاضلة بين الإسلام والمسيحية، وتصوير جُهده بوصفه طعنًا في الإسلام، وانبريا من ثمة يدافعان عن الإسلام ويردَّان مطاعن لم يذكرها “فرح أنطون” ويعددان فضائل لم تخطر في بال “أنطون” إثارتها. إنَّ صياغة العنوان: “الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية” تُحَقِّق ثلاثة أهداف في اعتقادنا:
- أوّلها، لفت النظر عن القضيّة الأمّ المطروحة في المناظرة، وهي الفصل بين السّلطة الدينية والسلطة المدنيّة.
- وثانيها، توجيه الأنظار نحو السّجال الدّيني، أي دفع القارئ إلى الانتقال من التساؤل عن منافع الحرية ومساوئ الاضطهاد إلى التساؤل عن أيُّهما أشدُّ اضطهادًا أو أكثر تسامحًا: الإسلام أم النصرانيّة.
- وثالثها، تحويل وجهة الإصلاح الدّيني من تحديث الإسلام إلى أسلمة الحداثة، وذلك بالإيهام بإسلام واحدٍ ثابتٍ والبحث عن علاقته بالعلم والمدنيّة[7].
ولعل انتماء “أنطون” ثقافيًّا إلى المسيحيّة كانت مدخلًا عند “محمّد عبده” و”رشيد رضا” لتحويل وجهة المناظرة من قضية الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنيّة إلى المفاضلة بين الإسلام والنصرانيّة[8]. وبقدر ما يُصِرُّ “فرح أنطون” على تأكيد احترامه لجميع الأديان، وعلى أن ليس من غرضه أو دوره الدفاع عن النصرانية[9]، يُصِرُّ “رشيد رضا” على أنّ “كاتبا مسيحيًّا… قد تكلم في المقابلة بين الدينين المسيحي والإسلامي مقارنة بالعلم والفلسفة في ترجمة ابن رشد. فساءت تلك الترجمة من قرأها من المسلمين”[10]، وعلى أن “وظيفة المنار الدفاع عن العقائد الإسلامية وعن أئمة المسلمين”[11]. إن تحويل وجهة المناظرة غايته الظاهرة تحريض الأكثرية على معاداة “أنطون”، لكن هو في الحقيقة شعور بخطر دعوته على منزلة رجال الدّين المسلمين والمسيحيين أيضًا ودورهم وسلطتهم[12].
إقرأ أيضًا: في ذكرى رحيل الإمام محمد عبده: الجزء الأول أين يقع الشيخ من محاولات التصنيف؟
ثم إنّ هؤلاء/التنويريين هم هؤلاء/غير المسلمين (مسيحيون، ملحدون، مارقون عن الامة، تغريبيون…)، حينئذ يُوضَعُ المناظر –التنويري– ضمن فئة دينيّة غريبة عن دار الإسلام وإن كانت تعيش بين ظهراني المسلمين. يذكر “عبده” سلسلة من أعمال الكنيسة الوحشيّة إزاء العلماء فيجيب “أنطون”: “نحن في الشرق لا في الغرب”[13]. ومع ذلك هو مسيحي أي غربيّ رغم أنفه. هل يُمكن القول إذن إنَّ انتماء “أنطون” إلى المسيحيّة قد جعل أطروحته خاسرة رغم صوابها؟ وإنَّ سبق المسيحيين العرب إلى الترويج لأفكار الحداثة جعل الحداثة بلا أجنحة؟ وإنَّ كل قول عربي مسيحي في الإسلام أو في الحداثة يجعل الأكثرية المتقبلة للخطاب تجنح به إلى باب السّجال الديني؟ لقد حَوَّلَ “محمّد عبده” النقاش من قضية الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية إلى باب المفاضلة بين المسيحيّة والإسلام، وعبثًا كان “أنطون” يحاول ردَّهُ إلى القضيّة الأمّ[14]. ويبدو أن “محمّد عبده” كان يستعيد بوعي أو دون وعي مناظرة “الأفغاني” (1838-1897) مع “أرنست رينان” (1823-1892) خصوصًا أن “الأفغاني” أستاذه تمامًا كما كان “رينان” مرجع “أنطون” في ترجمة ابن رشد[15]
2– أسرار انتصار عبده في المناظرة:
إنَّ القراءة المتأنية للمناظرة بين “فرح أنطون” و”محمد عبده” تقودنا إلى استنتاج أساسي، هو رجاحة حجج “فرح أنطون”، والتزامه بموضوع المناظرة، وتناسق أفكاره، وقدرته على إبطال الحجج النقيضة. ورغم ذلك، فإنَّ ردَّ “عبده” قد اشتهر أمره، وذاع صيته، وتداوله الناس، وجرى على كل لسان. فبمَ نُفسِّرُ هذه المفارقة؟
يُمكن العودة في تفسير هذه المفارقة إلى لحظة مفصلية في سيرة المناظرة هي لحظة انطلاقها: لقد حَرَّضَ “رشيد رضا” مُفتي الديار المصرية (محمد عبده) على الرد على مقال “أنطون” البدئي المنشور في مجلة الجامعة. ولا ريب في أن “رشيد رضا” قادر على الرد بنفسه، ولكنه آثر أن يكون الرد بقلم المفتي أو الأستاذ الإمام كما يحلو لـ “رشيد رضا” تسميته. وهذا يعني أساسًا أنَّ “رشيد رضا” قد فهم خطورة دعوة “أنطون” إلى الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية على رجال الدين وعلى منزلتهم، وفهم كذلك أنَّ العامة ستنظر إلى ردّ “محمد عبده” بوصفه “فتوى” أو هو كالفتوى بما أنه صادر عن أعلى سلطة دينية في البلد -نعني دار الإفتاء- وهو إلى ذلك صادر عن “الأستاذ الإمام” بما يعنيه لقب الأستاذ من تبحرٍ في أمور الدنيا، وما يعنيه لقب الإمام من تبحُّرٍ في أمور الدين. وفهم أيضًا خطورة فكر “أنطون” على شرعية الحكام العرب بما أنها شرعية دينية تمامًا كما فهم الحكام العرب ذلك. وبينما اضطر “أنطون” إلى إغلاق مجلته والهجرة إلى خارج بلاد العرب، كان “رشيد رضا” -في الفترة الممتدّة من 1905 (تاريخ وفاة محمّد عبده) حتى 1935 (تاريخ وفاة رشيد رضا) يتلقَّى دعمًا سخيًّا من جهاتٍ حاكمة كثيرة: من الخديوي عبّاس حلمي، ومن السّلطات الانجليزيّة، ومن الشريف حسين، ومن عبد العزيز آل سعود…
إنّ وَأَدَ البَذْرة التنويرية التي حاول “فرح أنطون” غرسها في البلاد العربية مطلع القرن العشرين، قد تمَّ من خلال تعاضد ثلاثة عوامل هي:
- تحريف الفكر التنويري وتعمُّد سوء الفهم وتصوير الفكرة بوصفها هجمة ضد الإسلام وجب صدّها.
- تكليف رجل الدين بممارسة التصدي، لأنَّهُ الأقدر على تجييش العامة.
- تحالف بعض الأنظمة مع رجال الدين، لأن كل فكرة تنويرية هي معول يعصف بسلطتهما.
وهذه العوامل الثلاثة هي في رأينا الوصفة الجاهزة لإجهاض التنوير العربي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] مجلة الجامعة، ج 8، س 3 (جويلية 1902)، ص 517-540.
[2] أنطون (فرح): ابن رشد وفلسفته، مع نصوص المناظرة بين محمّد عبده وفرح أنطون، تقديم طيب تيزيني، دار الفارابي، 1988.
[3] عبده (محمّد): الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، دار الحداثة، بيروت، ط. 3، 1988. وهي الطبعة التي نعتمد عليها.
[4] انظر مقدمة طيب تيزيني لكتاب : ابن رشد وفلسفته مع نصوص المناظرة بين محمّد عبده وفرح أنطوان، دار الفارابي، 1988، ص 20 و37.
[5] انظر الزيباوي (محمود): الحوار المعلق بين محمّد عبده وفرح أنطوان، صحيفة النهار الالكترونية بتاريخ 19 أفريل 2014.
[6] – أنطون (فرح) : ابن رشد وفلسفته، ص 260
[7] انظر الشرفي(عبد المجيد):الإسلام والحداثة، الدار التونسية للنشر1991 ،القسم الثاني: أسلمة الحداثة أم تحديث الإسلام، ص ص 183-260
[8] أنطون (فرح) : ابن رشد وفلسفته، ص 243، وفيها يشير أنطون إلى أنّ عبده لم يتناول قضية الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية – وهي لبّ مقاله – سوى في صفحتين فقط. ويعيد طرح القضية من جديد. راجع ص ص 243-276.
[9] نفسه، ص ص 288-323.
[10] عبده (محمّد) : الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، ص 9.
[11] عبده (محمّد) : نفسه، ص 202.
[12] – يقول فرح أنطون: “نعتقد أنّ خاصة الأمة يمكنها الاستغناء عن رجال الدين بكل سهولة”، ص 271 من “ابن رشد وفلسفته”.
[13] – نفسه، ص 321. ومن المفيد الإشارة إلى أنّ أنطون نفسه يذكر قمع الكنيسة للعلم والعلماء، انظر مثلا ص 213 وص 241 من ردّه.
[14] – يقول أنطون: “لم يخطر لنا ببال أن نجعل بين طبيعتيْ الديانتين مقابلة ومعارضة”، ابن رشد وفلسفته، ص 242
[15] – نفسه، ص215-216. وانظر كذلك عثمان أمين: رائد الفكر المصري الإمام محمد عبده، ص106. ونشير إلى أن أنطون قدم كتابيْ رينان “حياة يسوع” و “تاريخ الرسل” في مجلة الجامعة سنة 1903.